عزوز الصنهاجي في حوار مع جريدة الصباح: “الحكومة تتفرج، وحاضر اليسار ومستقبله مرهونان بالعمل الوحدوي”

حوار جريدة الصباح مع عزوز الصنهاجي: عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية

باتت مهمة المعارضة في البرلمان صعبة في ظل ضعف مبادراتها. كيف تنظرون في التقدم والاشتراكية إلى تجاوز حالة الوهن التي أثرت على دور المؤسسة التشريعية؟

لأسباب تتجاوز رغبتنا، توجد اليوم في البرلمان مُعارَضَات بالجمع، وليس مُعارضة بالمفرد. ومن المجحف تعميم وصف مبادرات كل المعارضة بأنها ضعيفة. طالما أنَّ فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، حرص، بكل قوة، على أن تكون مراقبته لعمل الحكومة في المستوى العالي، عدداً ونوعاً، وقدَّم مئات الاقتراحات والمبادرات النوعية والمساءلات، من قبيل السعي نحو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول واقعة الغازوال الروسي. لكن بصدق، نحن أمام حكومة لا تتجاهل رأي المعارضة فقط، ولكن تتجاهل المؤسسة التشريعية برمتِّها. وهذه مشكلة حقيقية في فهم الحكومة للممارسة الديموقراطية. وهو فهمٌ ضيق يستند إلى الاحتماء الدائم بأغلبية العدد، دون إقناع أو حضور سياسي أو نقاش مجتمعي أو أيِّ اعتبار للرأي العام. وأؤكد على أن دور وأداء المؤسسة التشريعية هو جزءٌ من الجو العام المتسم بكثير من الصمت والاحتباس السياسي، وليس نتيجة لما هو عليه شكلُ المعارضة.

يسجل المتتبعون مسؤولية كبرى لقوى اليسار، على اعتبار أن باقي مكونات المعارضة ظلت تاريخيا في الأغلبية وتفتقد لامتدادات في الشارع. كيف تتصورون استعادة وهج المعارضة؟

كل الشروط الموضوعية لنهوض اليسار المغربي قائمة، وخاصة من حيث وجود حكومة ذات توجهات يمينية صارخة وعاجزة عن معالجة الأوضاع الاجتماعية المقلقة وعن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وأيضاً من حيث الانتشار الواسع لأفكار يسارية في المجتمع، لكن في الغالب وللأسف دون انتماء حزبي. لذلك لا يتوقف أبداً حزبُ التقدم والاشتراكية عن إطلاق المبادرات من أجل وحدة صف اليسار. فالأوضاع العامة حبلى بالقضايا التي يمكن، بل يجب، بلورة مبادرات نضالية مشتركة حولها: مواجهة الغلاء؛ الدفاع عن الخدمات العمومية والمرفق العمومي، ولا سيما في التعليم والصحة والماء والكهرباء؛ الترافع حول التشغيل وأوضاع الشباب؛ النهوض بالمساواة بين النساء والرجال؛ الحريات؛ العالة الاجتماعية والمجالية؛ حكامة التدبير العمومي؛ النهوض بالاقتصاد والمقاولة؛ معاناة الفلاحين؛ إلخ. لا توجد وصفة سحرية لكي يستعيد اليسار وهجه، فقط على مكونات اليسار أن تتمسك بمبادئها الأصيلة وتُطوِرَ مقارباتها باستمرار، وأن تعود إلى الالتصاق بهموم الناس، مع الابتعاد عن الأنانية والهيمنية، وعن النظر الـــمفرط إلى الخلف من طرف البعض، والتحلي بالتواضع الذي سيجعل بعض المكونات تتخلى عن اعتبار ذاتها “مركز الكون”.

بادر التقدم والاشتراكية إلى فتح حوار مع عدد من القوى والنقابات. أين وصل التنسيق معها، ولماذا ظلت نتائجها باهتة لم تتجاوز بيانات مبادئ؟

يمتد عمر حزب التقدم والاشتراكية إلى ثمانين سنة. قضاها كلها في النضال على كافة الواجهات. وظلَّ بدون انقطاع العملُ الوحدوي ثابتاً مبدئيا وراسخا في ثقافتنا الفكرية والسياسية. لذلك لا غرابة أبداً في مساعينا الحالية. من جهة أخرى تحاليل الحزب اليوم تقول بأنه مهما كان حجمُ مجهودنا التنموي الوطني فلا يمكن نهائيا أن نتوقع تقَدُّما مستداما إذا لم نربط جدليًّا بين المسار التنموي والديموقراطي. لذلك تحتاج بلادُنا إلى إصلاحات جديدة وإلى بث دينامية قوية في الفعل السياسي النبيل، وإحياء النقاش العمومي، واستعادة نضالية وحيوية المجتمع، وإحداث المصالحة بين الناس والمؤسسات المنتخبة، وجعل الانتخابات لها معنى وجدوى وتأثير ومصداقية. كل هذه التحديات وغيرها لا يمكن لتيار سياسي أن يرفعها لوحده، وبالأحرى بين عشية وضحاها. ومنه فإن حزبنا، وهو ينادي بحركة اجتماعية مواطنة، فإنه بذلك كمن اختار أن يحفر في الصخر، بما يتطلبه ذلك من جهدٍ وطول نَفَس. نحن متفائلون، وأعتقد أن النتائج ستبدأ في البروز بالنظر إلى ما لـــمسناه من تقاربٍ واستعداد للتنسيق والعمل المشترك لدى كل الهيئات والمنظمات التي التقينا بها إلى حد الآن. وسنواصل هذا المسعى.

لماذا ظلت علاقاتكم بالاتحاد الاشتراكي متوترة، وهل لذلك علاقة بما يروج عن نية الاتحاد الالتحاق بالأغلبية؟

إذا كانت للاتحاد، كما تقول، رغبة في الالتحاق بالحكومة الحالية، فهذا شأنه الداخلي بلا جدال. على الأقل في تلك الحالة سيكون من الأخلاقي أن تُغيِّر الحكومة برنامجها الحكومي الذي يُعارضه الاتحاد منذ بداية هذه الولاية. شخصيا نشأتُ في حزبٍ يُـــكِــنُّ للاتحاد الاشتراكي كلَّ التقدير والمودَّة، فهو حزبٌ وطني يساري قَدَّمت أجياله السابقة تضحياتِ جسام، وكان لدينا معاً سنوات طويلة من العمل المشترك والمثمر، وتجمعنا قيم ومبادئ مشتركة. نعم اختلفنا وافترقنا في محطات، فمثلاً كان أملنا أن يكون الاتحادُ مُعزِّزا إلى جانبنا لوزن اليسار والتحديث في حكومة 2012 التي لم يلتحق بمثيلتها حتى نسخة 2017. شخصيا، اليوم، لا أعتبر أن الأهم هو إثارةُ من كان على صواب ومن كان على خطأ. لندع التقييم للتاريخ، ولنستشرف المستقبل. فلا حاضر ولا مستقبل لليسار دون عملٍ مشترك ووحدوي. ولا يمكن لعاقل أن يتصور وحدةً ليسار المغرب دون التقدم والاشتراكية أو دون الاتحاد.

يتسم الدخول السياسي والاجتماعي الجديد بالمزيد من الغلاء وضرب القدرة الشرائية. ألا تخشون أن يتم العصف بكل الجهود، بسبب ضعف التدابير الحكومية المتخذة؟

فعلاً، التدابير الحكومية لمواجهة التضخم وغلاء الأسعار هي ضعيفة جدا. وما يجري في سوق المحروقات من اختلالات وتضارب في المصالح خيرُ دليل. الأسر المغربية تئن تحت وطأة التدهور المطرد في قدرتها الشرائية، والمقاولات الصغرى والمتوسطة تُفلس بالآلاف، ومناصب الشغل المفقودة أكثر من تلك التي تُحدث. والحكومة تتفرج دون قراراتٍ قوية ودون رؤية شاملة، وتكتفي بتبرير الوضعية بالاضطرابات الدولية متغافلةً أنَّ بلدان أخرى اتخذت مبادراتٍ لدعم جيوب الناس. ففي كل الأوساط يوجد قلق واستياء من أداء الحكومة. وهو الأمرُ الذي لا تريد الحكومة الانتباه إليه وتتعامل معه بغرور ولامبالاة. فهي لم تُباشر إصلاحاتٍ حارقة، كالإصلاح الضريبي، وإصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، وإعمال حكامة ونزاهة المنافسة في عالم المال والأعمال، ولم تحارب الريع ولا التملص الضريبي، ولم تستعمل الوسائل والهوامش المالية المتاحة أمامها لإقرار العدالة الاجتماعية والمجالية، ولم تُحدث مناصب الشغل اللائقة والدائمة التي وعدت بها، ولم تحترم الاتفاق الاجتماعي مع النقابات لا سيما فيما يرتبط بالزيادة العامة في الأجور، ولم تقدم لحد الآن الدعم المباشر للأسر المعوزة، وتراجعت عن مدخول الكرامة،  ولم تقف إلى جانب المقاولات الصغرى والمتوسطة، واكتفت بإجراءات لا أثر اجتماعي لها كدعم أرباب النقل وأرباب استيراد اللحوم، في ميْلٍ واضح نحو تكريس الريع وخدمة المصالح الضيقة لفئاتٍ بعينها.

كيف تقيمون خرجة الباطرونا ومطالبها المستميتة عن إصلاحات وتحفيزات ضريبية، وفي الوقت ذاته التلكؤ في تلبية مطالب الرفع من الأجور؟

دفاعنا عن حقوق الطبقة العاملة لا يتناقض مع دفاعنا عن المقاولة الوطنية المواطِنة والمسؤولة اجتماعيا وجبائيا وبيئيا. لذلك فتحسينُ الظروف المادية والمهنية للأجراء هو مطلبٌ وهَمٌّ أساسي لدينا. على الحكومة وأرباب العمل أن يقتنعا فعلياًّ بأنَّ النهوض بأوضاع العمال لا يمكن أن يكون سوى في صالح الرفع من الإنتاجية وتقوية النسيج الاقتصادي الوطني. لهذا لا بد من الحرص على تفعيل الزيادة في الحد الأدنى للأجور المتفق عليها دون تَــــلكُّؤ، ولا بد من التقييد الكامل والصادق لكل الأجراء في صندوق الضمان الاجتماعي، ولا بد من احترام حق العمال في التنظيم وفي ظروف عمل إنسانية. في نفس الوقت يجب على الحكومة أن تتملك الإرادة والقدرة على إبرام تعاقدات اجتماعية متينة مع باقي الفرقاء الاجتماعيين. فلا أحد له مصلحة في إفلاس مقاولة أو تراجع نشاطها، لأن أول ضحية لذلك هو عدد مناصب الشغل ونوعيتها. والحلُّ لدى الحكومة ليس هو مزيد من إثقال المقاولات المسؤولة جبائيا وماليا واجتماعيا بمزيدٍ من الضرائب أو الرفع منها، بل الحلُّ لدى الحكومة هو المحاربة الحقيقية والفعلية لمظاهر الغش والتملص الضريبي والإقرارات الضريبية الناقصة، وهو تضريب مناسب للثروات الكبيرة وللقطاعات ذات الربح الخيالي كالاتصالات والمحروقات، وإقرار تحفيزات وتسهيلات للمقاولات الصغرى والمتوسطة من أجل إدماج الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة في النشاط الاقتصادي الرسمي. كما على الحكومة دعم المقاولات المواطِنة التي تستثمر في المهن الجديدة وتخلق القيمة المضافة المحلية وتحترم المعايير الإيكولوجية وتؤدي مستحقات عمالها كما يجب. والتعاقد الاجتماعي على الحكومة أن تسعى إليه أولاً وأن تحترمه، لتكون قدوة للقطاع الخاص، باعتبارها أيضاً مُشَغِّلاً. لذلك على الحكومة أولاً الالتزام باتفاق 2022 مع النقابات حول الزيادة العامة في الأجور.

كيف تتصورون التحالفات مستقبلا في ظل انفراط تنسيق المعارضة البرلمانية؟

هذا السؤال هو الأكثر إحراجاً بالنسبة لفاعلٍ سياسي من دون مرجعية فكرية أو خط سياسي. وهو السؤال الأكثر تركيبا وتعقيداً بالنسبة لفاعلٍ سياسي يتأطر فعلُهُ النضالي برؤيةٍ وتصور وتحليل ومواقف. وقد تسمع من الاثنين نفس الجواب لكنَّ الغاية والخلفية مختلفة تماماً، والعبرة هنا بطبيعة الممارسة. ولستُ في حاجةٍ هنا للتذكير باختيار حزبنا الخروج من حكومةٍ في 2019 أثبتت عدم قدرتها على الإصلاح. فما بين التحالفات الانتهازية والبراغماتية الضيقة وما بين التحالفات المبدئية الاستراتيجية، هناك الواقعية في التحالف.

أعتقد أنه في ظل النظام الانتخابي والخريطة الحزبية، كما هما اليوم، ليست هناك احتمالات كبيرة لانبثاق أغلبيات ذات مرجعية واحدة، فالأجدر، في ظل هذا الواقع، التوفُّر على بديل أولاً، كما هو حال حزب التقدم والاشتراكية، ثم وضعُ السؤال “على أيِّ أساس وأيِّ تقاطعات يمكن أن أتحالف بشكلٍ يُتيحُ إحداث تأثير فعلي في مُجريات الأحداث؟” وليس “مع من؟” بصيغة أخرى: هناك فرقٌ بين ما آمله وأسعى عليه من حصول اليسار والقوى التقدمية والديموقراطية على النفوذ الانتخابي الكافي (وهذا ليس مستحيلاً)، وما بين الواقع الذي يجعلك عمليا وفي معظم الأحيان في حاجةٍ إلى تحالفات ظرفية ومرحلية بشرطِ أن تكون مبنية على تعاقدٍ سياسي وبرنامجي وأخلاقي مُلزم.

اليوم، مبدئيا، مشهدنا السياسي، وبالنظر للواقع السوسيو ثقافي لمجتمعنا، يمكن أن يستوعب ثلاثة أقطاب أساسية: قطب يساري، وآخر يميني، وثالث محافظ. لكن علينا توفير الظروف أولاً من أجل أن يكون التنافس السياسي على أساسٍ برنامجي وليس بناءً على أمورٍ أخرى ذاتية، وثانيا لخلق أجواء عامة تشجع أجود كفاءات وطاقات بلادنا على الالتحاق بالعمل السياسي الحزبي، وثالثا من أجل أن نبرهن للمواطن على أن هناك فعلاً علاقة واضحة بين اختياراته الانتخابية وبين اتجاهات تدبير الشأن العام في إطار تعددية حقيقية وفعلية، وليست شكلية. فلا داعي لأيِّ توجسات من أيِّ نتائج لأيِّ انتخابات. فبلادنا تتمتع بالمناعة اللازمة وبالتفافٍ قوي ومتين حول دستورها وثوابتها ومؤسساتها وفي طليعتها المؤسسة الملكية.

ما هي التدابير التي ترونها ضروري إدخاله على مشروع قانون المالية 2024، لتحقيق الإصلاحات المنشودة؟

دائماً قلنا إن قانون المالية ليس وثيقة محاسباتية، بقدر ما يتعين أن يعكس تصور الحكومة للإصلاحات الأساسية المنتظرة. ثم على الحكومة أن تحرص، في الحد الأدنى، على تنفيذ ما تلتزم به في قوانين المالية، حيث لم تلتزم هذه السنة 2023 لحد الآن بتقديم دعم مباشر للأسر عن اقتناء السكن.

على العموم، هذا هو القانون المالي الثالث الذي سيؤطر عمل الحكومة، وليس لها الآن أن تتحجج بكونها مجرد البدايات. كثيرة هي الأشياء التي التزمت بها في البرنامج الحكومي دون أن نرى لها أثر، أما النموذج التنموي الذي اعتمدته مرجعاً فلم تعد تتحدث عنه إلا على سبيل الاستئناس الخطابي.

على الحكومة أن تأتي في مشروع قانون مالية 2024 بإجراءات فعلية لمحاربة التضخم وغلاء الأسعار ودعم القدرة الشرائية للمغاربة، وأن تأتي بتقييم الدعم الذي قدمته بسخاء لأرباب النقل ولمستوردي الأبقار واللحوم دون غيرهم.  كما عليها أن تعمد إلى إقرار دعمٍ مناسب للفلاحين الصغار المتضررين من توالي مواسم الجفاف.  وننتظر أن نرى استعمال الحكومة للأداة الضريبية في إعادة التوزيع العادل للخيرات، خاصة من خلال تدابير لتخفيف العبء الضريبي على الدخل، وتضريب الضيعات والاستغلاليات الفلاحية الكبرى، وتضريب ملائم للأرباح الكبرى، وخاصة لشركات المحروقات، وتضريب الثروة غير المنتجة، واعتماد تحفيزات ودعمٍ واضح للمقاولات الصغرى والمتوسطة، في مقابل الحد من الإعفاءات الضريبية غير المجدية، فضلاً عن ضرورة مراجعة الضريبة على القيمة المضافة في اتجاه تخفيضها بالنسبة للمواد الاستهلاكية الأساسية ورفعها بالنسبة للكماليات. وعلى الحكومة أن تأتي بتدابير لتفعيل الدعم المقرر في الميثاق الجديد للاستثمار. وعلى القانون المالي أن يُجيب فعليا على السؤال الحارق المتعلق بكيفيات تمويل ورش تعميم الحماية الاجتماعية. في نفس الوقت، من الضروري الحفاظ على مكانة الاستثمار العمومي، وصون الخدمات العمومية الأساسية، وتوفير الإمكانيات لبلورة إصلاح المدرسة العمومية والمستشفى العمومي. وفي المسألة الاجتماعية أيضاً، لا بد أن نرى في القانون المالي إقرارا ًلمخصصاتٍ تذهب لتمويل الزيادة في الأجور، وإقرار مدخول الكرامة، وللدعم المباشر للأسرة المعوزة.