فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب يعلن رفضه لمشروع قانون المالية ويؤكد مواصلة النضال من أجل إقرار البديل الديموقراطي التقدمي

أعلن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب رفضه لمشروع قانون المالية مؤكدا مواصلة النضال من أجل إقرار البديل الديموقراطي التقدمي. وطالب الفريق الحكومة بتحمل مسؤوليتها في دعم الطبقة المتوسطة التي تتقهقر يومياًّ في السُّلَّمِ الاجتماعي.

فيما يلي النص الكامل للمداخلة:

السيد الرئيس؛ السادة الوزراء، السيدات والسادة النواب؛

 

من دون شك، هذه محطة دستورية أساسية، وتمرينٌ ديموقراطي هامّ ينبغي أن يَعكسَ تَنَوُّعَ التصورات والبرامج، وأن يُعطي صورةً إيجابية عن الممارسة المؤسساتية، بما يساهمُ في مُصالحة الناس مع الشأن العام.

فالديموقراطية ثقافةٌ وسلوكٌ وممارسة، قبل أن تكون استقواءً بأغلبية الأعداد. والديموقراطية شرطٌ أساسي للتنمية.

إنَّنا أمام مشروع قانونٍ مالي لا يرقى إلى حجم الانتظارات والتحديات. وهذا التقييمُ مُوَجَّهٌ للحكومة بِرُمَّــــتِها.

فهذا المشروع لم نختلفَ حول عناوين تَوَجُّـــهاتِه. لكن ما نختلف كثيراً حوله هو ضُعف الإجراءات ومحدودية أثرها، أو عدم انسجامها مع هذه التوجهات المعلنة.

نعم، يأتي مشروع القانون المالي في سياقات دولية مضطربة ومعقدة. وهي فرصةٌ نؤكد فيها على إدانتنا الشديدة للعدوان الوحشي الذي يَشُنُّه الكيانُ الصهيوني على الشعب الفلسطيني الأعزل.

إنَّ مشروع قانون مالية 2024 يأتي كذلك في سياقاتٍ إيجابية، مثل ارتفاع عائدات السياحة ومغاربة العالم، وتسجيل مداخيل جبائية استثنائية، ونيلِ بلادنا شرفَ تنظيمِ تظاهرات رياضية هامة.

وهذه العناصر الإيجابية تتعزز بالقيم المغربية المتأصلة التي دعانا جلالةُ الملك إلى التمسك بها، حيث عبَّرَ المغاربةُ عن تضامنهم العارم ووطنيتهم الراسخة، في السَّراء والضَّرَّاء.

وهو ما يجبُ على الحكومة التقاطُهُ واستثمارُهُ لإعطاء دفعة أقوى للمسار التنموي والديموقراطي. فالصعوباتُ والتحدياتُ يجب أن تكون دافعاً لإبداع الحلول وليس عاملاً لتبرير العجز.

فلقد صارت بلادُنا تحتلُّ مكانةً بارزة على الصعيد العالمي والقاري، بفضل ديبلوماسية رسمية ناجعة، بقيادة جلالة الملك حفظه الله، وبفضلِ ما برهن عليه المغربُ من قُدرةٍ هائلة على الصمود بفعل المكتسبات التي راكمناها على مدى عقودٍ من الإصلاح. مما يجعلنا ندعو الحكومة إلى تفادي التحجُّجِ بإرث الماضي، الذي هو إرثُ الجميع، بإيجابياته وسلبياته.

وعلى الحكومة أن تُوَظِّفَ هذه الثقة، وهذه المكانة والمكتسبات، وهذه الصورة المتألقة، لأجل تعميق وتسريع الإصلاحات، وتنويع الشراكات، بما يَـــخدُمُ المصالح العليا للوطن والشعب.

وفي طليعة هذه المصالح العليا، طبعاً، قضية مغربية الصحراء، التي نحقق فيها مكتسباتٍ هامة تُكرِّسُ الدعم الدولي الواسع للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

بهذا الصدد، نؤكد على ضرورة الارتكاز على جبهةٍ داخليةٍ متينة، ديموقراطيًّا واقتصاديا واجتماعيًّا، بغاية مواجهة جميع الاستفزازات والمؤامرات، بأفق الطَّيِّ النهائي لهذا الملف المفتعل، على أساس صَوْنِ الوحدة الترابية والسيادة الوطنية لبلادنا.

السيد الرئيس؛

ونحنُ نناقش مشروع القانون المالي، لا بُدَّ أن نُؤكد على إشادتنا بالمجهود الجبار الذي قامت به كافةُ مكونات الدولة المغربية، تحت قيادة جلالة الملك حفظه الله، في مواجهة زلزال الحوز، وكذا بالتضامن الشعبي التلقائي والهائل.

كما نُثمن دعم الأسر المتضررة، وبرنامج تأهيل الأطلس الكبير، وندعو الحكومة إلى توفير كافة شروط إنجاحه، وتوسيعه ليشمل كافة الأرياف والمناطق الجبلية، مع ضرورة الإشراك الحقيقي للهيئات المنتخبة في تفعيل محاوره.

كما علينا استخلاصُ الدروس اللازمة من هذا الزلزال المؤلم والــــمُدَمِّر، لا سيما على مستوى غياب العدالة المجالية.

السيد الرئيس؛

 

على مدى أيام، أُصِبْنَا بالدُّوخَــة، من جَرَّاءِ آلاف المعطيات والأرقام التي جاءت في مشروع قانون المالية ومرفقاته، ونحنُ نبحثُ فيها عن تدابير حماية القدرة الشرائية للمغاربة المكتوين بنيران الغلاء.

وتأكدنا، مرة أخرى، أن المشكلة ليست في الأرقام والاعتمادات المالية المعلنة بسخاءٍ كبير، بل أنَّ الإشكالُ يكمُنُ في أَثَرِ ذلك على حياة المواطنات والمواطنين، وفي حكامة التدبير، وفي القدرة على إبداع الحلول تمويلاً وإنفاقاً.

فمثلاً، لا يكفي الإعلانُ عن 335 مليار درهم كاستثمار عمومي إذا لم يكن لهذا الاستثمار إسهامٌ في تحسين مستوى عيش الإنسان وضمان كرامته، وإذا لم يتم التنفيذ الكامل لهذا الغلاف المالي بعدالةٍ اجتماعية ومجالية.

وإننا، في فريق التقدم والاشتراكية، حين نُطالبُ بالحماية الحقيقية للقدرة الشرائية للمغاربة، فإن ذلك نابعٌ من قناعاتنا الاجتماعية، وأيضاً انطلاقاً من كون ذلك سيساهم في الرفع من الطلب الداخلي، وبالتالي في تحريك المقاولات الوطنية التي تَـــحتَــــضِــــرُ بالآلاف في غيابٍ دعمٍ حقيقي من الحكومة.

ثم إننا لا نزالُ ننتظر تدابير فعلية من الحكومة، فيما يتعلق باستعمال قانون حرية الأسعار والمنافسة التي تتيح التسقيف المرحلي لأسعار المواد التي تشهد ارتفاعاً فاحشاً؛ وإعمال مراقبة حقيقية للمضاربات والاحتكار في السوق الوطنية؛ ومحاربة الفساد؛ وإعمال دولة القانون في مجال الأعمال؛ والتوظيف الأمثل والشَّفاف للمداخيل الجبائية الاستثنائية؛ واستخدام الآليات الجمركية والجبائية في خفض الأسعار، وليس العكس. حيث أرادت الحكومة من خلال التلويح بالزيادة في TVA للماء والكهرباء والنقل أن تُسقِط الجميع في فخِّ الاكتفاء بالـــمُطالبة فقط بعدم الزيادة في الأسعار عوض المُطالبة بالزيادة في الدخل!!!).

أيضاً، ولحماية القدرة الشرائية للمغاربة، بجميع فئاتهم وطبقاتهم، سنظل مُدافعين عن ضرورة إعادة تشغيل لاسامير، في إطار سياسةٍ طاقية متنوعة وناجعة. وعن إعطاء الأولوية للسيادة الغذائية الوطنية، مع ما يستلزمُهُ ذلك من مراجعةٍ للسياسات الفلاحية المعتمِدة الآن أكثر على الإنتاج المستنزِف للمياه والموجَّه للتصدير.

أما فيما يتعلق بورش الحماية الاجتماعية، فإننا نُذَكِّرُ بموقفنا الداعم له والمدافع عنه منذ نشأة حزبنا. ولا يمكن إنكارُ التَّــــقَدُّمِ الحاصل في إخراج النصوص التشريعية والتنظيمية. وفي نفس الوقت فإننا لا يمكن أن نتغاضى عن النقائص التي تُحيطُ بتفعيله وتهدِّدُ نجاحه واستدامته.

ذلك أنَّ أعداداً كبيرة من المستضعفين وَجَدوا أنفسهم ملزمين بأداء الاشتراك رغم عدم قدرتهم المادية، مما أدى إلى حرمانهم من الاستفادة من الخدمات الصحية.

كما أن الاشتراكات المستَحَقَّة بالنسبة للمهنيين المستقلين بلغت تقريباً 5 مليار درهماً، لكن لم يتم تحصيل سوى 1.37 مليار درهماً، بما تَطرحه هذه المفارقة من تساؤلاتٍ حول استدامة تمويل نظام التغطية الصحية الإجبارية، وحول جاذبيته.

ونؤكد مرة أخرى على أنَّ نجاح التغطية الصحية رهينٌ بضمان مصادر قارة للتمويل المستدام، وبإصلاحٍ حقيقي للمستشفى العمومي.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، الذي جاءت به الحكومةُ بتعليماتٍ ملكية سامية، فإنه أبرزُ قرارٍ إيجابي نَدعمُه. ونتطلعُ إلى أن تحرص الحكومةُ على أن يَكون احتسابُ معايير الاستفادة عادلاً حتى لا يؤدي إلى إقصاء أحدٍ من المستحقين.

كما ندعوها إلى وضع هذا الورش ضمن تصورٍ يهدف إلى الإخراج التدريجي للمواطنين المعنين من دائرة الفقر والاحتياج.

كما ندعو الحكومة إلى إبداعِ طرقٍ ناجعة ومستدامة لتمويل هذا الورش، حيث نلاحظ اليوم اعتمادَ الحكومة على مصادر تمويلية هَشَّة وغير مضمونة، أو على مصادر من جيوب المواطنين، أو على إلغاء برامج اجتماعية سابقة.

وهنا، لا بُدَّ من التأكيد على أنَّ إصلاح صندوق المقاصة يتعين أن يكون في اتجاه الاستفادة كُـــلِّــياًّ وحصرياًّ للمستحقِّين الحقيقين.

كما على الحكومة تَحَمُّل مسؤوليتها في دعم الطبقة المتوسطة التي تتقهقر يومياًّ في السُّلَّمِ الاجتماعي، وخاصة الشرائح الدُّنيا من هذه الطبقة.

لذلك، يتعين إجراءُ إصلاحٍ عادلٍ وفعلي للضرائب، باعتبارها أداةً لتمويل الاقتصاد، لكن أيضاً أداةً لإعادة توزيع الثروة.

وأساساً ينبغي، كما اقترحنا في تعديلاتنا، مراجعةُ الضريبة على الدخل في اتجاه تخفيف العبء على الأُجَرَاء. كما يجب إعادةُ النظر جذرياًّ في الامتيازات الضريبية.

ويتعين محاربةُ التهرب الضريبي، مع تضريب الثروات الكبرى غير المنتجة، والتضريب المناسب لأرباح سوق المحروقات وسوق الاتصالات، كما اقترحنا في تعديلاتنا التي ترفضها الحكومة بشكلٍ ممنهج.

أما الحوار الاجتماعي، فمن الواضح أن الحكومة تتملص من التزامها بالزيادة العامة في الأجور، حيث لم تُــــخصِّص للحوار الاجتماعي سوى 4.2 مليار درهماً، وهو غلافٌ لا يُقارَنُ حتى بدعم أرباب النقل الذي لا أثر ملموسَ له على الأسعار.

ولا يوجد دليلٌ أكبر حول أوضاع الطبقة الوسطى من الاحتقان الذي تعيشه الساحةُ التعليمية.

وهي مناسبة لكي نعبر عن قلقنا من التأزُّمٍ المتصاعد، بما يُشكِّلُ تهديداً حقيقياًّ للموسم الدراسي. كما نسجل إيجاباً نيَّة الحكومة في استئناف الحوار، ونُــــنادي إلى إيجاد الحلول المناسبة، بشكلٍ سريع، للمطالب الـــــمُـــعَـــــبَّـــــر عنها من قِبَل نساء ورجال التعليم. وندعو إلى استئناف الدراسة، بصورةٍ استعجالية، تغليباً لمصلحة ملايين التلميذات والتلاميذ من أبناء الشعب المغربي في المدرسة العمومية، وصَوْناً لحقهم الدستوري في التَّعَلُّم، وبأفق الانكباب على إصلاح مضامين التعليم، تحقيقاً لمدرسة عمومية للجودة والتميز وتكافؤ الفرص.

السيد الرئيس؛

في هذا النقاش، من الضروري استحضار التزامات البرنامج الحكومي، والتي من بينها إحداثُ مليون منصب شغل في خمس سنوات، لكن الواقع هو أنَّ اقتصادنا الوطني خَسِرَ هذه السنة حواليْ 297 ألف منصب شغل، وبلغ عددُ العاطلين مليون و625 ألف شخص، ووصلت نسبة البطالة رقماً قياسيا هو 13.5% عموماً و38.2% في أوساط الشباب.

وهي مناسبة لكي نُذَكِّرَ الحكومة بـأننا نَبَّهناها في حينه إلى هشاشة برنامج أوراش وبرنامج فرصة. وها هي الأخبارُ تتناسَلُ اليوم حول مآسي وضحايا “فرصة”، وحول المحسوبية الواسعة في برنامج “أوراش.

وحتى نظلَّ موضوعيين، لا بد من التنويه بإجراءات دعم السكن، مع ضرورة مراقبة وزجر المضاربات. وأيضاً التنويه بتدبير الجفاف، وسرعة إنجاز الشطر الأول من تحويل المياه.

كما نُنَوِّهُ بالإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لبعض المواد الأساسية (لكن للأسف في مقابل الرفع منها بالنسبة لمواد أخرى). وكُنَّا نأمل في تَجَاوُبِ الحكومة مع تعديلاتنا التي انصبت على إضافة مواد أساسية أخرى إلى لائحة الإعفاء.

هذا مع العلمِ أنَّ معدل الأسر التي أعلنت تدهور مستوى معيشتها حالياًّ بلغ 86,1 %، كما يُسجِّلُ الرقمُ الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعاتٍ متواصلة. وهذا يُكَذِّبُ تصريحاتِ الحكومة بتحسُّن الأوضاع المعيشية.

بناءً على ذلك، فإننا نعتقدُ أن هذه الحكومة، بالإضافة إلى ضعف تواصلها وحضورها السياسي، فإنها جاءت بقانونٍ مالي، في سنتها الثالثة، لا يرقى إلى مفهوم “الدولة الاجتماعية” ولا إلى وثيقة النموذج التنموي.

فلا توزيع عادل للخيرات؛ ولا تَحَوُّل اقتصادي نوعي، ولا جديد في تأهيل العنصر البشري؛ ولا إصلاح ضريبي عادل وشامل، ولا إصلاح لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية؛ ولا إدماج للقطاع غير المهيكل؛ ولا إنقاذ لأنظمة التقاعد؛ ولا مناصب شغل قارة، ولا دعم للمقاولة، ولا مواجهة للفساد والريع، ولا إخراج فئات من الفقر والهشاشة، ولا نجاح في دعم الفلاحين الصغار، ولا في خلق طبقة وسطى فلاحية، ولا تحسين فعلي للقدرة الشرائية للمغاربة، ولا حوار اجتماعي منتج للحلول؛ ولا إجراءات لضمان السيادة الغذائية، ولا مخزون استراتيجي كافي، ولا دعم حقيقي للمنتوج الوطني.

لكن، يظل الغائبُ الأكبرُ عن عمل الحكومة هو الإصلاح الديموقراطي، علماً أنّه من دون توطيد الديموقراطية، فكلُّ مكتسباتنا التنموية مُعَرَّضةٌ لمخاطر التَّــــلاشي.

من جهة أخرى، لا تزالُ نِسَبُ النموِّ متواضعة، والفرضيات المعتمَدَة لا تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية والجفاف البنيوي.

كما لا يزالُ عجزُ الميزانية ضاغطاً على ماليتنا العمومية. وتظل المديونية إلى حد الآن في ارتفاعٍ متواصل، بما يهدد بِرَهْنِ مستقبل الأجيال اللاحقة.

السيد الرئيس؛ السادة الوزراء، السيدات والسادة النواب؛

لأنَّ مشروع قانون مالية 2024 هو مشروعٌ، في اعتقادنا، لا يَــــــفِــــــي حتى بالتزامات البرنامج الحكومي، وبالأحرى أن يكون جواباً شافياًّ على الأوضاع الاجتماعية المقلقة والصعوبات الاقتصادية المتصاعدة؛ فإننا نعلن رفضنا له، ومواصلة النضال من أجل إقرار البديل الديموقراطي التقدمي.