الرسالة المفتوحة رقم 02 من المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية إلى السيد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة

الرباط، في يوم 21 ماي 2024

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

تحية طيبة وبعد؛

عرضتُمُ أمام البرلمانِ حصيلةَ نصفِ ولايتكم الحكومية، حيث اعتبرتُمُوهَا من موقعكم إيجابيةً وغيرَ مسبوقة. ولقد حرص حزبُنا، من خلال فريقه النيابي، على أن يتحلى بأقصى درجاتِ المسؤولية والاتزان في مناقشة الحصيلة المرحلية لحكومتكم، بإقرار الإيجابيات على نُدرتها وشوائبــها، وبإبراز النقائص والاختلالات الكثيرة التي تكتنفها.

ونريدُ بدايةً التذكيرَ بأن حكومتكم، التي جعلتْ من النموذج التنموي الجديد مرجعًا أساسيا لبرنامجها، غَــــيَّـــبَــتْــهُ منذ ذلك الحين، كما يدل على ذلك عدمُ الإشارةِ إليه ضمن الحصيلة المرحلية، بإصلاحاته المختلفة التي ربما تفوقُ طموحَ الحكومةِ وأداءَها، فيما حضرتْ في هذه الحصيلة اختياراتٌ وتوجُّهاتٌ ليبرالية صِرفَة تَـــخجلُ الحكومةُ من الإفصاح الصريحِ عنها، وتَعمَدُ إلى تغليفها بقناعٍ، من خلال الرفع الزائف لشعار “الدولة الاجتماعية”.

إنَّ ما يدفعنا، في حزب التقدم والاشتراكية، إلى أن نتوجه إليكم، السيد رئيس الحكومة، بهذه الرسالة المفتوحة الثانية هو أنَّ حكومَتَكُم تمادَتْ، بإصرارٍ واستعلاءٍ، أثناء مناقشة هذه الحصيلة، في الادعاءِ بتحقيق كل انتظارات المغاربة، وفي اعتمادِ خطابٍ مُفرطٍ في التعبير عن الارتياح والرضى عن الذات، خطابٍ غابت عنه، بشكلٍ مُقلق، الموضوعيةُ، وافتقَدَ إلى التواضع والنقد الذاتي.

وحتى يكونَ الرأيُ العام شاهداً على الحوار الذي نريدُهُ أن يكون صريحاً وبنَّاءً بيننا، اعتمدنا هذه الصيغة التي تندرجُ، بشكلٍ طبيعي، في صميمِ الممارسة الديموقراطية السوية، كشكلٍ من أشكال النقد الشفاف والرقابة المؤسساتية والتعبير السياسي التي خَوَّلَها الدستورُ للأحزابِ السياسية.

إنَّ خطابَ حكومتكم ينطوي على خطورة مؤكدة، لأنه يَفتقدُ إلى الاتزان المطلوب، ويتَّسِمُ بالانفصامِ عن الواقع، ولا يُراعي هُـــمُومَ وآلامَ معظم الناس لتفادي استفزازهم بتضخيمِ مُنجزاتٍ لا يلمسون أثرها على حياتهم. كما أنه خطابٌ يتنافى مع حالة الاختناق التي تعيشها المقاولاتُ الوطنية الصغرى والمتوسطة.  ثم إنه خطابٌ يتناقض، بل ينزعج ويُشكِّـــكُ عملياًّ في مقاصد ومصداقية التقارير والمعطيات المقلقة، اقتصاديًّا واجتماعيًّا، التي تُدلي بها، على سبيل تنبيه حكومتِكُمْ، مؤسساتٌ وطنية رسمية.

أمام ذلك، فإنه من صميم واجبنا ودورنا، السيد رئيس الحكومة، أن نُــــنَـــبِّــــهَ حكومَـــتَـــكُــم، وأن نضع حصيلتها تحت مجهر الحقيقة ومِــــحَكِّ الواقع، لعلكم تشرعون فعلاً في تغيير سياساتكم وفي إنجاز، على الأقل، ما التزمتم به في برنامجكم الحكومي، على أساس أننا لن نكرر ذِكر بعضِ الإيجابيات التي تطرق إليها حزبُنا في مجلس النواب، كما لن نَذْكُرَ كل الإخفاقاتِ، بقدر ما سنكتفي بتسجيل أبرز عشرةٍ منها تبرهن بالدليل الملموس على فشل حكومتكم.

1/ تجاهل خطير من الحكومة لواقع المشهد السياسي والديموقراطي والحقوقي

إنه لمن الخطير جدًّا بالنسبة لمسار البناء السياسي والديموقراطي في بلادنا أن تتجاهلَ حكومةٌ تدَّعي أنها سياسيةٌ مقاربةَ هذا البُعد الأساسي والمصيري، مما يعني أن حكومتَكُم تَعتبرُ نفسَها غير معنية لا ببلورة الدستور، ولا بتوطيد الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان، ولا بقضايا المساواة، ولا بالنهوض الفعلي باللغة الأمازيغية، ولا بمصالحة المواطنين، وخاصة الشباب، مع الشأن العام، ولا بمعالجة أعطاب الفضاء السياسي، ولا بالتصدي للتراجعات المسجَّلة في الحقل السياسي والحقوقي.

فلم تحقق حكومتُكُم أيَّ مُنجَز على هذا المستوى. وعجَزتْ عن اتخاذ أيِّ خطوة لاستعادة ثقة المغاربة في المؤسسات المنتخبة، بل أسهمتْ في مزيدٍ من تردِّي مكانة وصورةِ الأحزاب السياسية. وتجرأتْ على المساس بمبدأ استقلالية الصحافة، ولم تُحَـــرِّكْ ساكناً أمام أيِّ تراجعٍ أو مساسٍ بحرية التعبير. وانحسرَ النقاشُ العمومي في عهد حكومتكم التي تتفادى، إلى اليوم، نداءاتنا المتكررة لأجل فتح النقاش حول الإصلاح الحقيقي لمنظومة الانتخابات منذُ الآن، بما من شأنه حمايةُ الانتخابات والمؤسسات المنتخبة من الفساد والمفسدين ومن الاستعمال الفاحِش وغير القانوني للمال، وخفضُ معدلات العُزوف، ربما لأنها حكومةٌ لا ترى مصلحةً في هذا الإصلاح، وتُـــراهن على اجتياز امتحان انتخابات 2026 بالوصفة نفسها لسنة 2021.

2/ تفاقمٌ خطير للبطالة وخاصة في أوساط الشباب

لقد التزمت حكومتُكُم مع المغاربة بإحداث مليون منصب شغل في خلال خَمْسِ سنوات، لكنها فشلت. وها هي حصيلتها المرحلية صادمةٌ، حيث:

  • ارتفع معدلُ البطالة بشكل غير مسبوق ليقفز من 12.3% في دجنبر 2021 إلى 13.7% في مارس 2024 (36% في أوساط الشباب)؛
  • وبلغ عدد العاطلين مليون و645 ألف شخصاً؛
  • وبَعدَ أن كان عدد الساكنة النشيطة العاملة في دجنبر 2021 هو 10 ملايين و772 ألف شخصاً، فقد نَــــزَلَ هذا الرقمُ في مارس 2024 إلى 10 ملايين و337 ألف شخصاً، بما يعني أن اقتصادنا الوطني فَــــقَـــدَ في زمن حكومتكم 435 ألف منصب شغل؛
  • وقفز عددُ الشباب الذين يُوجدون خارج فضاءات التعليم والشغل والتكوين إلى 4.3 مليون شابًّا؛
  • وانخفض معدلُ مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 18.3%، بعدما التزمتم برفعه من 20% إلى 30%.

إنه فشلٌ ذريعٌ في المقاربات الاقتصادية للحكومة، وعجزٌ بــَــــــــيِّـــــنٌ منها في تطويرِ قُدراتِ المقاولات المغربية، وفي اعتماد تطويرٍ حقيقي لتصنيعٍ حديث، وهو فشلٌ لا يمكن لحكومتكم أن تفسره فقط بوضعية الجفاف الذي رافَقَ جُلَّ حكوماتِ الماضي ببلادنا دون أن تصل وضعيةُ البطالة إلى كل هذا المستوى الخطير.

والأدهى أنه أمام هذا الوضع الكارثي لم تجد الحكومةُ من جوابٍ سوى اللجوء إلى مكاتبِ دراساتٍ، وهو أمرٌ مُحَــــيِّـــــرٌ ويَدُلُّ على ضُعفِ المقاربات السياسية لحكومتكم، في مقابل الاكتفاء ببرامج متواضعة من قبيل فرصة وأوراش مَـــــحدودَيْ الأثر، حيث خَـــــلَـــقَتِ الحكومةُ من خلالهما انتظاراتٍ عريضةً لدى عشرات الآلاف من الشباب، ثم أحـــبَــــطَــــتْــــهُـــم بشكلٍ صادمٍ يُـــفقد الثقة والمصداقية في العمل السياسي وفي تدبير الشأن العام.

3/ فشلٌ في الأهداف الاقتصادية وفي تحسين مناخ الأعمال

لقد التزمت حكومتُكُم بتحقيق نسبة نمو 4%، لكنها فشلت، ولم تحقق سوى ما بين %1 و%3 على مدى سنتيْ 2022 و2023.

وأفلست في عهد حكومتكم رسميًّا أزيدُ من 27 ألف مقاولة صغرى ومتوسطة، دون احتساب عشراتِ آلاف المقاولات الأخرى التي تختنقُ في صمت.

وتعثرت حكومتكم في جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت ب 53% في سنة 2023.

وعجزت حكومتُكم عن تحقيق أيِّ تقدمٍ في جعل الاستثمار الخصوصي يُشكِّــــلُ ثُلُثَيْ 3/2 الاستثمار الإجمالي الوطني. ولم تلتزموا ببلورة التعاقد الوطني حول الاستثمار من أجل تعبئة 550 مليار درهماً من الاستثمارات الخصوصية لإحداث 500 ألف منصب شغل.

وفشلتْ حكومتكم في جعل الاستثمار العمومي في خدمة العدالة المجالية، حيث لا زالت تتركَّـــزُ 60% من الثروة الوطنية المُـــنْـــتَـــجَـــة سنويا في ثلاث جهاتٍ فقط.

كما فشلت حكومتكم في تنقية مناخ الأعمال من الممارسات غير المشروعة، إذ تراجعت بلادُنا في مؤشر إدراك الفساد في 2023 ب 3 مراكز إلى المرتبة 180/97 عالميا. وتراجَعَ مؤشرُ الحرية الاقتصادية إلى 56.8 (ما دون المتوسط العالمي الذي هو 58.6)، لتحتل بلادنا بذلك المرتبة 184/101.

وخالفت حكومتكم القانون بعدم إخراج نظام دعم المقاولات الصغرى المنصوص عليه في الميثاق الجديد للاستثمار.

أما المشاريعُ التي تُمطر حكومتُكم الرأيَ العام بالإعلانات على أنَّ لجنة الاستثماراتِ تُصادق عليها، بأغلفة مالية فلكية، فلا نرى لها أيَّ تقييمٍ حقيقي وشفاف من حيث مدى الإنجاز الفعلي، كما أنها مشاريعٌ ضعيفة المردودية من حيث خلق مناصب الشغل.

ولتفسير هذا الوضع الاقتصادي الكارثي تلجأون إلى التذرُّعِ الانتقائي بصعوباتِ الظرفية الدولية، لكنكم تتجاهلون، بل تُـــهْدِرون، الفرص التي تُتيحُها هذه الأخيرة، وأساسًا منها الانتعاشُ المتنامي للاقتصاد العالمي بعد ركود فترة كوفيد، وارتفاع عائدات السياحة، وعائدات مغاربة العالَم، وارتفاع الموارد الجبائية والرسوم الجمركية، بسبب ارتفاع الأسعار، أي من جيوب الأسر المغربية.

4/ فشل بَــــيّــِن في تحقيق السيادة الاقتصادية

لقد التزمت الحكومةُ بتحقيق السيادة في مجالاتٍ اقتصادية أساسية، لكنها فشلتْ في ضمان السيادة الصناعية، حيث لا تساهم الصناعة سوى ب 15%من الناتج الداخلي الخام، ونستورد جُلَّ حاجياتنا من المواد المصنعة.

والتزمتِ الحكومةُ بتوفير السيادة الغذائية، لكن أدت اختياراتُها في السياسة الفلاحية إلى تصدير الماء عمليًّا، الذي توجد بلادُنا في أمسِّ الحاجة إليه، في مقابل استيراد الحبوب واللحوم والقطاني، وإلى إغناء كبار الفلاحين في مقابل تدمير الفلاحة الصغرى، وإقصاء العالَم القروي من التنمية، وقهر الفلاح الصغير.

ورغم المجهود الكبير المبذول على مستوى الأمن المائي، إلا أن الحكومة مستمرة، من خلال اختياراتها المتعلقة بالسياسة الفلاحية، في الاستعمال السيئ وغير الـــمـُـــعقلن لما يزيد عن 80% من مواردنا المائية الوطنية، وفي استنزاف الفرشات المائية، دون استعدادٍ لإعادة النظر وتغيير المسار.

كما فشلت الحكومةُ في تحقيق السيادة الطاقية، حيث نستورد معظم حاجاتنا الطاقية، بفاتورةٍ تُـــنهك اقتصادَنا الوطني، في غيابِ أيِّ إرادةٍ سياسية أو إجراءٍ عملي لحل إشكالية المصفاة الوحيدة لا سامير وإعادة تشغيلها، بالنظر إلى أدوارها في التخزين والتكرير.

كما فشلت حكومتكم في الحد من الاقتراض المفرط، حيث وصلت نسبة الدين العمومي 86% من الناتج الداخلي الخام.

وفشلت الحكومة أيضاً في التحكم الحقيقي بعجز الميزانية، اللَّــــهُــمَّ من خلال التفافٍ حساباتي يقوم على إدراج موارد الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال، وأرقامِ “التمويلات المبتكرة” التي هي موارد مؤقتة لا تتسم بطابع الاستدامة والبنيوية والشفافية.

5/ عجزٌ عن مواجهة غلاء الأسعار وعن إيقاف تدهور مستوى معيشة الأسر المغربية

لقد التزمت الحكومة بمواجهة الظرفية المتسمة بغلاءٍ غير مسبوق لكل أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، والتزمت بدعم القدرة الشرائية للأسر المغربية، وتوسيع دائرة الطبقة المتوسطة، لكن حكومتكم فشلت في ذلك.

فتأكَّــــدَ، في زمن حكومتكم، انزلاقُ حواليْ 3.2 مليون مواطناً نحو دائرة الفقر والهشاشة.

وتدَّعي حكومتُكُم خفضَ معدل التضخم إلى 0.3%، متناسية أنه بلغ على امتداد سنتيْن مستوياتٍ قياسية من رقميْن بالنسبة للمواد الاستهلاكية الأساسية، ولم تعد أبداً أسعار هذه المواد إلى سابق عهدها (مثلاً أسعار اللحوم الحمراء ارتفعت اليوم إلى ما بين 100 و140 درهماً، وأسعار الغازوال والبنزين تتأرجح ما بين 13 إلى 16 درهماً).

وأغنَتْ حكومتُكُم، بملايير الدراهم من المال العام، أربابَ النقل ومستوردي الأبقار والأغنام، على حساب المواطنين المستضعفين، دون تسقيفٍ لأسعار المواد والخدمات المدعَّمَة، ودون أن ينعكسَ ذلك الدعمُ الانتقائيُّ إيجاباً على المواطنات والمواطنين الذين أفاد 82.5% منهم بتدهور مستوى معيشتهم خلال العام الماضي، و90.4% لا يثقون في قدرة حكومتكم على تحسينه خلال العام الجاري.

كما سمحت الحكومةُ بأن تُواصِلَ شركاتُ المحروقاتِ ممارسة التواطؤات، في استنزافٍ لجيوب المواطنين ومراكمةٍ للأرباحٍ الخيالية، على الرغم من قرارات مجلس المنافسة على عِلاَّتِها. وعجزتْ عن مكافحة المضاربات وتَضارُبَ المصالح، ورفضتْ اتخاذ أيِّ إجراءٍ لتسقيف أسعار الغازوال والبنزين، أو تخفيض هوامش الربح، أو الرفع من الضرائب المفروضة على قطاع المحروقات إلى 40%. وهي كلها تدابير يتيحها لكم القانون.

أما الزيادة في الأجور، فرغم كونها إيجابية، إلا أنها لا تُـــخَــــوِّلُـــكُم كل هذا الانشراح المفرط، طالما أنها زياداتٌ لا تُساوي فارق التضخم وغلاء المعيشة، ناهيكم على أنها جاءت مقرونةً بمنطق المقايضة الذي يُـــثير تخوفاتٍ جدية حول الحقوق النقابية وحول كلفة إصلاح منظومة التقاعد على الأُجَــــرَاء.

6/ فشلٌ في التعميم الفعلي والعادل لورش التغطية الصحية

لقد التزمت حكومتكم بالتعميم الفعلي للتغطية الصحية، لكنها فشلت في ذلك؛

حيث أقصت الحكومةُ 8 ملايين مواطنا مُستضعفاً من مجانية الانخراط، وذلك بمعايير وعتبة مجحفة تفرض عليهم الأداء وهم غيرُ قادرين عليه، إلى درجة تجاهلكم تماماً لوجود هؤلاء الملايين من المغاربة.

أما المسجلون فيواجهون صعوباتٍ حقيقية في الولوج الفعلي والمتكافئ للخدمات الصحية.

كما عجزتْ حكومتُكُم عن خلق جاذبية الخدمة الصحية وجودتها، لضمان اشتراك المهنيين المستقلين، حيث لا يتجاوز عدد من أقبلوا منهم على التسجيل 13%، ولم تُحَصِّلوا سوى 27% من إجمالي الاشتراكات المفترَضة، بما يهدد في العمق استدامة تمويل ورش التغطية الصحية.

وعوض أن تؤسس الحكومةُ عملها على الارتقاء بالمستشفى العمومي، فقد جعلتْ من القطاع الصحي الخصوصي هو المستفيد الأول من صناديق التغطية الصحية، بنسبة تناهز 75% حسب أرقامِ حكومتكم، وأزيد من 90% حسب مصادر أخرى، بما يؤكد توجهات الحكومة المنتصرة للوبيات المال.

7/ عجز عن إعمال العدالة في الدعم الاجتماعي المباشر   

لقد أصبحتُم، اليوم، والحمدُ لله، متفقين مع فكرة تقديم الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المستضعفة، والتزمتم بتفعيلها؛

لكن حكومتَكُم تَـــلْـــتَــفُّ حول هذا الورش، بحرمان ملايين المستضعفين من هذا الدعم، من خلال إعمال معايير وعتبة إقصائية، فقط لخفض الكلفة.

وأوقفت الحكومةُ صرف هذا الدعم عن عددٍ من الأسر شهوراً قليلةً بعد انطلاق الورش.

هذا مع العلم أن الحكومة ألغت أيضًا برامج اجتماعية سابقة (تيسير، دعم الأرامل، مليون محفظة، التماسك الاجتماعي…)، وأنَّ ما تقدمه الحكومة من دعمٍ مباشر لا يرقى إلى مستوى ما وعدت به من مدخولٍ للكرامة بالنسبة للمسنين، الوارد في البرنامج الحكومي.

8/ تعثرات مؤكدة في برنامج دعم اقتناء السكن

وبخصوص الدعم المباشر لاقتناء السكن، الذي نسانده مبدئيا، فبالإضافة إلى الفرق الكبير بين الأرقام المعلنة (110 ألف أسرة سنويا بكلفة 9.5 مليار درهماً سنويا) وبين ما هو منجزٌ فعلاً إلى حد الآن (60 ألف طلب فقط، وتصفية ما يكافئ 600 مليون درهماً فقط من كلفة الملفات المعالجة)؛

فإنه توجد تدابير ضرورية لم تتخذوها كحكومة لتحقيق الهدف، وأساساً محاربة ظاهرة الأداء غير المصرح به “النوار”، وضمان إقبال المنعشين العقاريين على إنتاج ما يلزم من عرض سكني، وخاصة السكن الاجتماعي، وتحريك الآليات والمبادرات العمومية لتوفير هذا الصنف من السكن.

وفي غياب ذلك، فإن هذا الوضع يُلزِمُ الحكومةَ باتخاذ التدابير الضرورية لتحويل هذا الإجراء إلى نجاحٍ فعلي يُلبِّي حجم الانتظارات، على أساس التكافؤ الاجتماعي والمجالي.

9/ الحاجة مُــــلِـــحَّـــة لإحداث قانون تمويل الحماية الاجتماعية

باستحضار ما صرحت به حكومتُكُم من تخصيصٍ لزهاء 50 مليار درهماً سنوياًّ للتغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر ودعم السكن، على المدى القريب؛

وبالنظر إلى ما سجلناه من ثغراتٍ كبرى في التفعيل، ومن إقصاءٍ لملايين الأسر المستَحِــقَّــة للاستفادة من كُـــلِّ أو بعضِ مكونات الحماية الاجتماعية؛

فإن حزبَ التقدم والاشتراكية يُطالبُ حكومتكم بإحداث “قانون تمويل الحماية الاجتماعية”؛

وذلك لأجل ضمان الاستدامة والشفافية، وحتى تتضح للعموم، بجلاءٍ، المبالغُ المالية التي ستُصرفُ فعلياًّ بهذا الشأن؛

ولأجل أن تبرهن الحكومةُ على أنها ليست بصدد إعلاناتٍ مُضَخَّمَة تخلق انتظاراتٍ عريضة، وتُفضي في نهاية المطافِ إلى خيبة أمل شرائح واسعة من المواطنات والمواطنين.

10/ إصلاحاتٌ أساسية غائبة عن الحصيلة

إلى جانب كل إخفاقات حكومتكم، فإنها أيضاً:

لم تباشر الإصلاح الجبائي الشامل والعادل، بما فيه مواجهة التملص والتهرب الضريبيين، وتقييم ومراجعة الامتيازات الضريبية.

وفشلت الحكومةُ في إدماج القطاع الاقتصادي غير المهيكل الذي يشكل نحو 30% من الناتج الداخلي الخام، من خلال الإدماج التحفيزي للقطاع غير المهيكل المعيشي من جهة، ومحاربة مكوناته المُضِرّة بالاقتصاد الوطني والنسيج المقاولاتي، من جهة ثانية.

وعجزتْ عن إصلاح صندوق المقاصة في اتجاه الاستفادة الحصرية للمحتاجين إلى الدعم.

ولم تشرعْ بعدُ في إصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، ولا في إصلاح صناديق التقاعد.

أما التحول الإيكولوجي والاقتصاد الأخضر فيظلان خطاباً بلا تدابير حقيقية.

 

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

هذه فقط بعضٌ من إخفاقاتِ حكومتِكُم، وتوجدُ أخرى كثيرةٌ لا يتَّسِعُ المجالُ لذكرها كلِّها، بما يستدعي فعلاً تغيير سياساتكم في اتجاه تقوية الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية وجعل الإنسان فعلاً محوراً للتنمية.

وفي سبيل ذلك، على حكومتكم أن تأخذ بتوجهاتٍ مُغايرة أكثرَ نجاعة، وأساساً منها، بشكلٍ مقتضَب لا يهدف في هذا المقام إلى تقديم بدائل مفصَّلَة:

  • إعطاء نَفَسٍ ديموقراطيٍّ للفضاء السياسي وتنقيته من الفساد؛
  • الرجوع إلى توصيات النموذج التنموي الجديد، وتكريس دور الدولة الــــمُـنَـمِّــيَّـة، لتحقيق إقلاعٍ اقتصادي حقيقي، يُقوِّي القدرات الإنتاجية لبلادنا، ويَــضمن السيادة في المجالات الحيوية، ويَصُـــونُ المرفق العمومي من التفكيك ومن توجُّهاتِ الخوصصة؛
  • الاعتماد على تصنيعٍ قوي وحديث، وعلى نسيجٍ مقاولاتي منظَّم وتنافسي ومسؤول ومُدَعَّم، ويتمتع بمناخٍ سليم للأعمال، بعيداً عن الريع وتضارب المصالح، بما يكفل إحداث ما يلزم ويكفي من مناصب الشغل القارة واللائقة؛
  • إجراء إصلاحٍ جبائي عادل وشامل، على قاعدة القانون الإطار؛
  • المراجعة الجذرية للسياسات الفلاحية، بما يَجعلُ السيادة الغذائية والأمن المائي أوْلى الأولويات؛
  • إقرار العدالة الاجتماعية والمجالية، والإعمال الحازم للتخطيط الإيكولوجي في السياسات العمومية، والعناية الحقيقية بالعالَم القروي؛
  • تسريع إصلاح منظومتيْ الصحة والتعليم ارتكازاً على المستشفى العمومي والمدرسة العمومية؛
  • التجاوز السريع للاختلالات التي تُعيقُ التفعيل الأمثل لورش الحماية الاجتماعية، وضمان استدامته، ومعالجة وضعيات الإقصاء من الاستفادة؛
  • بلورة منظومة متكاملة وناجعة لإدماج ملايين الشباب الذين يوجدون في وضعية “لا شغل، لا تكوين، لا تعليم”.

 

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

قبل الختم، وبالنظر إلى راهنية الموضوع، نتمنى أن تتعاطى حكومتُكم مع حالات الاحتقان الاجتماعي، ومع التعبيرات الشعبية الاحتجاجية المشروعة والمسؤولة، وفق مقاربة الإنصات والحوار. وفي مقدمة هذه الحالات، اليوم، الوضعية المتأزمة والخطيرةُ التي تعيشها كليات الطب والصيدلة منذ خمسة أشهر، دون تحركٍ ناجعٍ من حكومتكم، وأيضاً حالاتُ الأساتذة الذين عَــــرَّضَتْهُمْ الحكومة للتأديب عقاباً لهم على ممارستهم للحق الدستوري في الإضراب.

وفي الأخير، نتمنى أن تتفهم حكومتُـــكُم تَـــركِـــيزَنَا على النقائص، في مقابل خطاب الارتياح المُــــطْـــلَــق، وأن تأخذ تنبيهاتِ وملاحظاتِ حزبنا واقتراحاته، التي أوردناها في هذه الرسالة المفتوحة بإيجازٍ شديد، بعين الاعتبار، بغاية تعامُــلِ حكومتكم موضوعيًّا مع الواقع، وبأفق تغيير الاختيارات والمقاربات في اتجاه الإصلاح الحقيقي، ارتكازاً على ما حملته حصيلةُ حكومتكم من إيجابيات، وتصحيحاً لما تخللتها من سلبيات، لأجل الإذكاء الفعلي لعناصر الثقة والأمل في أوساط الأسر المغربية.

 

مع خالص التقدير وصادق التحيات.

عن المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية

الأمين العام: محمد نبيل بنعبد الله