رغم المحاولات الصادقة التي بذلتها بعض مكونات اليسار، ممثّلة في أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي والاشتراكي الموحد والتقدم والاشتراكية، فإن هذه المساعي لم تُفلح في توحيد الرؤى تمهيداً لتنظيم عمل نضالي مشترك. ويمكن اختزال جوهر هذا التعثّر في رؤيتين متباينتين: الأولى تكتفي بالمعارضة النقدية، فيما تدعو الثانية إلى بناء معارضة بديلة.
فالمعارضة النقدية، كما يطرحها الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، تركز على كشف الاختلالات وفضح السياسات العمومية، مع الاستمرار في ممارسة المعارضة داخل المؤسسات وخارجها، عبر أشكال احتجاجية متنوعة.
أما المعارضة البديلة، التي يقترحها حزب التقدم والاشتراكية، فلا تقتصر على النقد، بل تتجاوزه إلى بلورة مشروع مرحلي متكامل اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، يشكّل بديلاً فعلياً للسياسات القائمة، وفق شروط وممكنات المرحلة التاريخية. كما تقوم هذه الرؤية على تحديد القوى اليسارية وغير اليسارية، أي الوطنية الديمقراطية، التي تتقاطع مصالحها جزئياً أو كلياً مع هذا المشروع. ومن هذا المنطلق، يصبح من الممكن الشروع في بناء كتلة اجتماعية وسياسية واسعة، قادرة على التأثير في مجريات الأحداث، وإطلاق ديناميات مجتمعية مستدامة، بما يساهم في تعديل ميزان القوى في اتجاه التقدم وتعميق الديمقراطية. ولا تستبعد هذه المقاربة، متى توفرت الشروط وأفرزت صناديق الاقتراع إمكان ذلك، الانخراط في مفاوضات مع هذه القوى من أجل تشكيل أغلبية حكومية، والمشاركة في تدبير الشأن العام على أساس بديل وطني ديمقراطي وتقدمي.
يتبيّن، إذن، أن الرؤية الأولى، رغم أهميتها في التشخيص وفضح الاختلالات، لا تسعى في المرحلة الراهنة إلى ترجمة نقدها ضمن مشروع سياسي موحِّد. في المقابل، تنفتح الرؤية الثانية على إمكان الفعل المشترك مع قوى وطنية ديمقراطية، يسارية وغير يسارية، بحكم موازين القوى، معتبرةً أن هذا الخيار هو الأقدر على تحقيق التراكم والدفع بالتغيير. غير أنّ هذه المقاربة تظل بدورها محدودة في ظل غياب تحالفات واسعة، إذ بدونها يصعب خلخلة بنية التحالف السياسي المهيمن.
ورغم هذا التباين، خلصت الأطراف المعنية إلى مواصلة التفكير المشترك، وتبادل التجارب والخبرات، والمبادرة إلى تنظيم أنشطة نضالية مشتركة كلما دعت الضرورة إلى ذلك .
غير أن على هذه القوى جميعها ، وهي تتفاعل مع مجريات الواقع، أن تستحضر أنها تحمل في صلبها بُعداً استشرافياً بعيد المدى، تَشَكَّل عبر مسارها التاريخي وأضحى جزءاً من هويتها. فتجاهل هذا البعد، تحت ضغط الممارسة اليومية، قد يحجب ثقل المهام التاريخية وصلابة موازين القوى التي تخترق المجتمع، ويدفع بها إلى الانغلاق داخل قناعات مطلقة أو الارتهان لحسابات تكتيكية ظرفية.
إن تنوّع اليسار هو، في جوهره، تنوّع في الرؤى، غير أن الارتهان لرؤية واحدة داخل كل مكوّن قد يحجب إمكانات الالتقاء مع باقي المكونات، ويُضعف فرص العمل المشترك لتوجيه مجريات الأحداث بما يخدم قضايا الوطن ومصالح الفئات الكادحة الواسعة من شعبنا.
من ثمّ، فإن العمل على توحيد اليسار راهنا ليس ترفاً ولا استجابة لرغبة ذاتية لكل مكون فحسب ، بل هو ضرورة تاريخية موضوعية، تزداد إلحاحاً في سياق يتّسم باكتساح المجال العام من قبل فاعلين جدد، وعلى رأسهم “صنّاع المحتوى”، مقابل تراجع دور الفاعل الحزبي في إنتاج الوعي السليم وتأطير الرأي العام.
كما أن تهميش الرصيد الرمزي والفكري لليسار، أو التعامل معه كإرث قابل للتأجيل، لا يمكن أن يخدم المشروع التغييري، بل يفرغه من أحد أهم مقوماته، والمتمثل في قدرته على استشراف المستقبل وفتح آفاق التحرر.
لذلك، لا يكتسب الحاضر معناه، ولا يكون الانخراط فيه فعّالاً، إلا بقدر ما نستحضر فيه أفق المستقبل، أي الممكن والافتراضي، وثقل المهام التاريخية المرتبطة به. … وهو ما لم تُوفَّق فيه مرة أخرى ، إلى حدّ الآن، قوى اليسار الحاملة لهموم الوطن وانتظارات الفئات العريضة من المواطنين.