حكومة أخنوش حولت برامج الدعم إلى بؤرة جديدة للريع لتسمين اللوبيات بدل تخفيض الأسعار

أحمد العبادي في تصريح لجريدة الوطن

تقييم برامج الدعم التي أطلقتها الحكومة، في القطاعات الحيوية (دعم مربي الماشية، دعم استيراد اللحوم، دعم المحروقات/ مهنيي النقل الطرقي، دعم استيراد الحبوب…)، وانعكاسها على الواقع وحماية القدرة الشرائية للمغاربة

 

أولاً، من حيثُ المبدأ العام، أيُّ حكومةٍ في العالَم، وليس في المغرب فقط، يُمكِن أن تواجِهها أوضاعٌ استثنائية وغير متوقعة، فتلجأ تحت ضغط الاضطرار إلى تخصيص ميزانياتٍ للدعم الاستثنائي المباشر، ويكون الهدف منه هو إنقاذُ فئة اجتماعية أو قطاع اقتصادي من الانهيار التام… بمعنى أن الأمر يتعلق بالدور التدخُّلي والحمائي للدولة المتدخلة.

وقد رأينا هذا التدخل عالميا، بالخصوص وبصورةٍ بارزة، عبر قرارات الدعم العمومي من دول أوروبية وأمريكية للقطاع المالي والأبناك بهذه الدول خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 لتفادي انهيار المنظومة المالية والائتمانية.

من الناحية الفكرية، أعتبِر هذا انتصاراً للفكرة المستمدَّة من الاشتراكية التي تدافع عن دور الدولة الرئيسي وعن حيوية القطاع العمومي في الإشراف وتوجيه القطاعات الاستراتيجية. وكان على المعسكر الرأسمالي والنيو ليبرالي أن يَتواضع ويَعترف بأن حلّ أزمة 2008 كان من منظومة الفكر الاقتصادي التقدمي.

في بلادنا، الحكومة المشرفة ولايتها على النهاية، منذ أن جاءت في نهايات 2021، تصادفت مع ظروف موضوعية صعبة، كأنها لا تنتهي، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والجفاف، وزلزال الحوز، وفيضانات الجنوب الشرقي، ثم فيضانات حوضيْ اللوكوس وسبو؛ والحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، هذه الحكومة جاءت بالتزامات ووعود عالية السقف، خلقت بها انتظارات واسعة، ثم أخلفت تنفيذها، فأدى ذلك إلى احتقان اجتماعي ومجالي؛

ولأنَّ الحكومة الحالية ليس لها رؤية استباقية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وليس لها ما يكفي من بُعد النظر السياسي لمعالجة القضايا الطارئة، وليس لها الشجاعة التواصلية مع الرأي العام لمصارحته بالحقيقة وبالقرارات وتداعياتها….. فقد أفرطت فعلاً الحكومة في اللجوء إلى آلية الدعم العمومي… ليس انطلاقاً من قناعات فكرية وسياسية، وليس انطلاقاً من قناعات بعدالة ومشروعية مطالب معينة… ولكن فقط من منطلق “الإطفائي” في غالب الأحيان.

والأمثلة على لجوء الحكومة الحالية إلى تقديم الدعم، اقتصاديا أو اجتماعيا، كثيرة جدًّا: الدعم المباشر لاقتناء السكن؛ الدعم الاجتماعي المباشر؛ دعم أصحاب التغطية الصحية أمو تضامُن؛ دعم استيراد الأبقار والأغنام والأضاحي واللحوم؛ دعم مباشر لمربي الماشية للحفاظ على القطيع الوطني؛ دعم استيراد الحبوب والقطاني والزيوت والزيتون؛ دعم أرباب النقل؛ دعم أرباب الفنادق السياحية؛ دعم مباشر للأسر المتضررة من زلزال الحوز ومن الفيضانات الأخيرة؛ …… إلخ.

طبعاً، من باب الموضوعية، ولأنني منسجم تماماً مع أفكار وتوجهات المدرسة السياسية التي أنتمي إليها، يجب الإقرار بأن توجيه الدعم العمومي، كما قلتُ سابقاً، ليس فكرة سيئة وليس إجراءً سلبيا، من حيثُ المبدأ… لكن علينا دوماً طرحُ الأسئلة العميقة: هل إجراء الدعم ليس له أي بديل؟ هل مساطر وشروط الاستفادة عادلة ومتكافئة؟ هل التفعيل يتمُّ وفق حكامة جيدة ودون توجيه سياسوي أو استغلال في إطار تضارب المصالح؛ هل الأثر يتحقق بالنسبة للجميع على قَدَم المساواة أم أنَّ فئات ولوبيات هي من يستفيد فقط؟

كما يُطرحُ السؤال الأكبر، وهو التمويل، حيث أن الدعم العمومي تأتي أغلفته المالية من الخزينة العامة، أيْ من الضرائب التي يؤديها المواطن غالباً… إذن هل الحكومة تبتكر وتُبدع حلولاً للتمويل أم أنها فقط تلجأ للحول السهلة والمُكَلِّفَة أيْ الضرائب والاقتراض؟ وفي الوقت نفسه يُطرح سؤال الوفاء بالإعلانات الحكومية، أيْ هل كل الأرقام التي تعلنها الحكومة كأغلفة لتغطية دعم معين تُنفذها بالكامل؟ أم أن الإعلانات أكبر من المنجَز الفِعلي؟

في هذا السياق، من المؤكد أن تقديم الدعم لفئة معينة أو لقطاع معين يجب أن يكون تدبيراً مؤقتاً حتى لا يتحول إلى عبء على المالية العمومية. ولذلك فمسألة الدعم العمومي يجب مرتبطة بمسألتيْن على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية:

المسألة الأولى هي السيادة الاقتصادية، حيثُ أن دعم استيراد الحبوب أو اللحوم أو الأضاحي أو غيرها من المواد الاستهلاكية والغذائية.. مرتبط بالسيادة الغذائية، فلو كان مخطط المغرب الأخضر ناجحاً فعلاً وبالكامل لَكُنَّا حافظنا على مساحات كافية من زراعة الحبوب، ولما أهدرنا مواردنا المائية في زراعات تصديرية مربحة فقط لكبار الفلاحين، ولما انهار القطيع الوطني من الماشية حتى في ظل الجفاف…. ولذلك أقول إن اللجوء إلى الدعم العمومي اقتصاديا تحت الاضطرار يمكن التخفيف منه إذا عَوَّضنا نموذجنا الاقتصادي الحالي المعتمِد على “الاستيراد والتصدير” إلى نموذج بديل يقوم على “أولوية الحاجيات الوطنية لمجتمعنا” أي ننتج ما نستهلك ونستهلك ما ننتج. فالسياسة الفلاحية الحالية، رغم كل أشكال الدعم، ينتج عنها واردات من المواد الغذائية كلفتها مثلاً في 2024 هي 92 مليار درهم، في حين أنه في نفس السنة صَدَّرنا 81 مليار درهم؛ إذن لا سيادة غذائية ولا ربح مالي لبلادنا بسبب هذه السياسة الفلاحية الحالية؛

وما يؤكد فشل الحكومة الحالية في تحقيق السيادة الاقتصادية هو أنه في سنة 2021 كان العجز التجاري لا يتجاوز -200 مليار درهم، لكنه بلغ في2025 حواليْ -334 مليار درهم.

والمسألة الثانية هي حكامة التدبير الحكومي لمسألة الدعم العمومي، وللمسائل الأخرى عموماً، حيثُ تراجعت للأسف بلادنا في مؤشرات إدراك الفساد من المرتبة 73 في سنة 2018 إلى المرتبة 99 في سنة 2024… وهذا التراجُع تُفَسِّرُهُ عدد من الوقائع من قبيل تضارب المصالح، وفراقشية الدعم العمومي في مجالات اللحوم والأدوية والصفقات العمومية وغير ذلك. وحتى عندما أردنا كمعارضة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بخصوص أثر الدعم العمومي والإعفاءات الضريبية عن استيراد الأبقار والأغنام، والذي تزيد بكثير كلفته عن 13 مليار درهم، فإن الحكومة وأغلبيتها عرقلتا ذلك للأسف الشديد، مما يقوّي الشبهات والشكوك.

ومن النماذج الحيَّة على غياب أو ضُعف أثر الدعم العمومي:

دعم استيراد اللحوم المواشي ب 500 درهم لرأس الغنم والإعفاءات الجبائية والجمركية عن استيراد الأغنام والأبقار واللحوم، كلَّف خزينة الدولة ملايير الدراهم، لكن أسعار اللحوم لم تنزل، بل استمرت في التصاعُد، واضطررنا لإلغاء عيد الأضحى السنة الماضية؛

دعم القطاع السياحي والفندقي بملايير الدراهم من المال العام (خارطة الطريق السياحية كُلفتها 6014 مليار درهم من 2023 إلى 2026)، لإنعاش السياحة بعد كورونا، استفادت منه كبار المشاريع السياحية، لكن أسعار السياحة الداخلية ترتفع بشكل مهول خلال الصيف وفي المدن السياحية الكبرى؛

الدعم الاجتماعي المباشر، الذي نسانده مبدئيا، يَهُمُّ حواليْ 4 ملايين أسرة تعيش بنحو 500 درهم في الشهر كإعانة من الدولة، أيْ أزيد من 12 مليون مغربية ومغربي، لكن الحكومة لا تقول لنا كيف تخطط لاستبدال هذه الإعانات ببرامج حقيقية للانخراط في الحركية الإنتاجية؛

دعم أرباب النقل، بحواليْ 8.6 مليار درهم، لم ينعكس أبداً على المواطن، ولا على المهنيين الفعليين والحقيقيين في قطاع النقل، بل يستفيد منه أرباب أساطيل النقل وأصحاب لاكريمات، كما أن الزيادات في أسعار تذاكر الحافلات والطاكسيات بين المدن تعرف فوضى حقيقية؛

دعم مربي الماشية، بشكل مباشر (12.8 مليار درهم برسم 2026 فقط)، لم يصل إلى جميع المجالات الجغرافية وفق مبدأ تكافؤ الفُرص، وأثَّر على حكامة ومصداقية الإحصاءات التي خضع لها القطيع الوطني، كما أن المبالغ التي يستفيد منها المربون الصغار للماشية غالباً ما تذهب من جهة ثانية إلى المضاربين في أسعار الأعلاف التي عرفت زيادات مهولة من طرف مستغلي الأزمات وفي ظل غياب أو ضُعف المراقبة من قِبَل الحكومة؛

أعلنت الحكومة أنها خصصة في سنتيْن 20 مليار درهم لدعم الفلاحين بسبب الجفاف في 2022 و2023، بما في ذلك ما يتعلق بالقروض، لكن الحكومة تضرب تعتيما من حيثُ الإفصاح على درجة ومستوى التنفيذ؛

الدعم المباشر لاقتناء السكن، تصرف فيه الحكومة أيضاً ملايير الدراهم (5.6 مليار درهم إلى غاية أكتوبر 2025)، وهو مبدئيا تدبير جيد، لكن في غياب المراقبة، غالباً يذهب هذا الدعم من الدولة إلى المواطن ثم مباشرةً إلى “النوار”، كما أن أزيد من ثلاثة أرباع الاستفادة تتركَّز في ثلاث جهات من أصل 12 جهة، بما يطرح إشكالية العدالة المجالية في الاستفادة من المال العام الذي يؤديه المواطنون على قدم المساواة؛

الدولة تؤدي حواليْ 9.5 مليار درهم سنويا عن غير القادرين على أداء واجبات التغطية الصحية الإجبارية، لكن في ظل أعطاب المستشفى العمومي فإن حواليْ 90% من نفقات صناديق التأمين الصحي تذهب للقطاع الصحي الخصوصي؛ كما أن ملايين المغاربة لا يزالون خارج التغطية الصحية الفعلية (ما بين 8 و11 مليون مغربية ومغربي غير مستفيدين فعليا)؛

أعلنت الحكومة أنها سترصد 120 مليار درهم من أجل معالجة تداعيات زلزال الحوز، أيْ بمعدل 24 مليار درهم سنويا، بما في ذلك دعم الأسر ودعم إعادة بناء المنازل، لكن في سنتين لم تُنفِق الحكومة سوى حواليْ 16 مليار درهم، بمعدل 8 مليار درهم في السنة…

أعلنت الحكومة أنها خصصت ملايير الدراهم لدعم المقاولات والاستثمار، لكنها لم تصرف ولو درهماً فعليا في شأن ذلك، ونحن على مشارف نهاية الولاية الحكومية.

أعلنت الحكومة عن دعم الشباب، في إطار برنامج فرصة، بكلفة 2.4 مليار درهم، لكن أغلب الشباب حاملي المشاريع لم يستفيدوا، والبعض الآخر يواجه اليوم صعوبات حقيقية بعد تبخر حُلم الاستفادة؛

هناك دعم للفلاحة السقوية وللري بالتنقيط (22 مليار درهم في العشر سنوات الأخيرة)، والبعض يستفيد عن حق، لكن كثيراً من الفلاحات والمنتوجات تتوجه نحو التصدير وليس لخدمة الأمن الغذائي الوطني، كما تتعرض الفرشات المائية للاستنزاف.

وفي الخلاصة:

هذه الحكومة فشلت، بشكل كبير، في جعل الدعم العمومي، الاقتصادي والاجتماعي، يكون له أثر إيجابي ومتكافئ على كل الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية، بقدر ما جعلت هذه الآلية في خدمة فئات ولوبيات تستفيد، كما لو أن آلية الدعم العمومي حَوَّلَتها الحكومة الحالية إلى بؤرة جديدة للريع… كما أن الحكومة لا رؤية لها بخصوص تجاوز مرحلة الدعم الاجتماعي إلى مرحلة انخراط المواطن في العمل والإنتاج… وفي الوقت نفسه فإن آلية الدعم العمومي تعجز الحكومة عن إيجاد وسائل قارة لتمويل كلفتها، وتكتفي بالأساليب السهلة متمثلة في الاقتراض وحصيلة الضرائب.