في الوقت الذي كان فيه المغاربة ينتظرون من الحكومة إجابات حقيقية حول تبخر ملايير الدعم في جيوب أباطرة الاستيراد، خرج علينا ناطق بلسان التبرير ليتحفنا بنظرية الخيال العلمي. الجهة التي قررت بجرأة غريبة أن تكذب الجميع: كذبت صرخات الفلاحين الصغار، كذبت تقارير المؤسسات، بل وكذبت حتى زملاءها في الأغلبية الحكومية الذين اعتصرهم الحرج السياسي فأقروا بالواقع المر.
لقد دخلنا رسميا زمن العبث السياسي، حيث يصبح الشعب المغربي بكل فئاته واهما، ويصبح الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي دعا الفراقشية صراحة لاتقاء الله في البلاد، مجرد حالم. ويصبح المسؤولون عن الميزانية والفلاحة، الذين اعترفوا بتغول هذه الظاهرة، مجرد ضحايا لتخيلات لا وجود لها إلا في أذهان المواطنين البسطاء. وحده هذا الصوت الحكومي النشاز يرى الفردوس الأرضي الذي نعيشه تحت رحمة وسطاء ينهشون اللحم والمال العام في آن واحد.
لكن، دعونا نتحدث بلغة الأرقام التي لا تعرف الخيال ولا العواطف. الواقع يقول إن هناك كعكة دسمة بقيمة 1300 مليار سنتيم من أموال دافعي الضرائب تم توزيعها على شكل مساعدات وإعفاءات. والواقع يقول أيضا إن هذه الملايير لم تذهب لتبريد جيوب المغاربة، بل استقرت في حسابات 133 مستوردا فقط، بمعدل همزة تصل لـ 40 مليون درهم لكل واحد منهم. والنتيجة؟ الأسعار بقيت نارا، والوسطاء يربحون في الكيلوغرام الواحد ما لا يربحه الكساب الذي سهر الليالي في تربية قطيعه.
إننا أمام مشهد سريالي بامتياز: المال العام يصرف، الاستيراد يتضاعف، الأرباح تتراكم في جيوب حفنة من المحظوظين، والمواطن لا يزال يؤدي الثمن مضاعفا عند الجزار. ومع ذلك، يصر منطق التفرقيش على أن كل هذا مجرد أوهام. إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت هذه المافيا مجرد غول في قصص الأطفال، فلماذا ترتعد فرائص الحكومة كلما ذكرت لجنة تقصي الحقائق؟
لماذا تم إقبار مقترح تشكيل لجنة برلمانية للبحث في وجهة هذه الملايير؟ فالمؤكد أنه إذا كان هناك خيال في هذه القصة، فهو خيال الحكومة التي تعتقد أنها تستطيع حجب الشمس بغربال التصريحات المستفزة. الحقيقة التي يهربون منها هي أن الفراقشية ليسوا أشباحا، بل هم واقع مؤسساتي يتغذى على الريع، يحميه الصمت الحكومي، وتشرعن وجوده التصريحات التي تحاول تنويم شعب لم يعد يبتلع طعم الوعود الزائفة.
ختاما، إذا كانت الفراقشية خيالا كما يزعمون، فلماذا يصرون على إبقاء أبواب المحاسبة مغلقة؟ واش حتى اللجان البرلمانية ولات كتقلب على كائنات فضائية، أم أن الحقيقة الموجودة داخل ملفات الدعم مرعبة لدرجة أن الخيال هو الملجأ الوحيد لتبرير الفشل؟