مداخلة النائب حفيظ الترابي في مناقشة عرض السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المحاكم المالية أمام البرلمان

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

يسعدني، أن أتقدم باسم فريق التقدم الديمقراطي، بهذه المساهمة المتواضعة في مناقشة عرض السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، المقدم أمام البرلمان بغرفتيه، تطبيقا لمضمون دستوري يندرج في إطار العلاقة بين المؤسسات الدستورية.

ومما لاشك فيه، فإن مناقشة هذا العرض، تعتبر مناسبة دستورية وسياسية هامة، يتم من خلالها إطلاع البرلمان ومعه الرأي العام الوطني، على بلورة وتفعيل السياسات العمومية وعلى تدبير المالية العمومية ومدى عقلنتها وترشيدها وفق مبادئ الحكامة والشفافية في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة والمسائلة.

وإذا كان العرض الذي تقدم به السيد الرئيس الأول للمجلس للأعلى للحسابات أمام أعضاء البرلمان السنة الفارطة، هو الأول من نوعه في العهد الدستوري الجديد، ومن تم كان طبيعيا أن يتركز النقاش العمومي والإعلامي حول أسلوب التعاطي الحكومي والبرلماني مع مضمون العرض، أكثر من تركيزه على القضايا الأخرى، فإن الخلاصات الواردة في عرض هذه السنة، تجعلنا نركز على محتوياته وعن الملاحظات المسجلة بالنسبة للمالية العمومية، كما تعطينا  هذه الخلاصات تصورا عن الجوانب الأساسية لتطور هذه المالية  وعن الظرفية المالية والاقتصادية وكذا عن الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة في مجالات أساسية وجوهرية من قبيل المديونية العمومية وتقليص عجز الميزانية وعدم توازن أنظمة التقاعد والوضعية الراهنة للوظيفة العمومية ومواضيع أخرى.

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

إن المعطى الجوهري العام الذي يمكن استخلاصه من عرض السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، هو أن الحكومة الحالية بذلت مجهودات كبيرة  من أجل استرجاع عافية الاقتصاد الوطني من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات، والتي كانت قاسية أحيانا،  إلا أنها انعكست إيجابا وبشكل جلي على المالية العمومية وعلى عدة مستويات، من قبيل مستوى عجز الميزان التجاري ومستوى عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات ومستوى الاحتياطات الدولية ومستوى تحملات المقاصة ومستويات أخرى، علاوة على أن منهج تدبير المالية العمومية والمؤسسات العمومية، يجسد إرادة الإصلاح الحقيقية، وأن  حسن تدبير المالية العمومية يعد من الإصلاحات التي بذلت بشأنها مجهودات كبيرة.

وإذا كان  تأثير الظرفية الاقتصادية التي تميزت بتراجع أسعار النفط في السوق الدولية، إيجابا على مستوى عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات وعجز الميزانية، فإنه في المقابل، لا تزال المالية العمومية تعاني من اختلالات مرتبطة أساسا بنفقات الاستثمار والدين العمومي، والتي تتطلب من مؤسسات الدولة تطوير سبل تدبير ميزانياتها لتكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها سواء تجاه المقاولات أو اتجاه المواطنين المستفيدين المحتملين من مشاريع الدولة الإنمائية. كما نسجل بأنه بالرغم من التحسن الظرفي  لعجز الميزانية، فقد واصلت ديون الخزينة ارتفاعها وكذلك الشأن بالنسبة للدين العمومي، بما في ذلك دين المؤسسات العمومية. ووجبت الإشارة، إلى أننا في فريق التقدم الديمقراطي، نعتبر بأن مسألة الدين لا يجب أن ننظر إليها بشكل سلبي، طالما يتم ربط المديونية بتمويل الاستثمار بالمالية العمومية و توجيه الدين الخارجي للاستثمار الذي تتولد عنه فوائد كافية لتغطية فوائد الدين واستخدامه والحيلولة دون استخدام المديونية لحاجيات التسيير.

وفي ما يخص إصلاح أنظمة التقاعد، فإننا في فريق التقدم الديمقراطي نؤكد على موقفنا الثابت بهذا الخصوص، والمتمثل في كون هذا الإصلاح ينبغي أن يشكل محطة فاصلة في التأسيس لمنظومة متكاملة للاحتياط الاجتماعي باعتباره أساس وقاعدة المجتمع المتضامن.

وتعزيزا للجهود الحكومية المبذولة على هذا المستوى، فإننا ندعو في فريقنا، إلى مباشرة الإصلاح الشمولي لمنظومة الاحتياط الاجتماعي، والعمل على تجاوز العجز المسجل في الصندوق المغربي للتقاعد عبر اتخاذ الإجراءات المعيارية المتعلقة بسن الإحالة على التقاعد، مع مراعاة الطابع المضني والقاسي لعدد من المهن، ومبالغ مساهمة المنخرطين وطريقة احتساب المعاشات، وتحسين الحكامة، وتوسيع قاعدة المنخرطين، وذلك في أفق توحيد أنظمة التقاعد على أساس قطبين اثنين، قطب عمومي وآخر خصوصي، وفي إطار من التشارك والتشاور مع الفرقاء الاجتماعيين من خلال آليات الحوار الاجتماعي القائم على الجدية والمسؤولية.

وما يجعلنا نؤكد على استعجالية هذا الإصلاح، هو ما قد  يشكله عجز أنظمة التقاعد من خطر على مستقبل وحقوق المؤمنين، ويربك دور الدولة القانوني والأخلاقي في الوفاء بالتزاماتها تجاه المعنيين بالأمر، باعتبارها الساهرة على ضمان الحقوق، والمسئولة عن تدبير صناديق التقاعد.

ومن النقط التي  أثارت اهتمامنا في فريق التقدم الديمقراطي ضمن العرض المقدم من قبل السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، ما يتعلق بما تعانيه الإدارة العمومية من اختلالات، مرتبطة أساسا بضعف ترشيد استعمال أعداد الموظفين وسوء توزيعهم، وكذا صعوبات الولوج للمرفق العمومي، خاصة في المجال القروي والمناطق النائية، كما نسجل استئثار نفقات الموظفين بميزانية الدولة، نتيجة اختلال بنية الأجور والنفقات المتعلقة بالموظفين، وعدم عدالتها، علاوة على اختلال التوازن بن مكونات منظومة الأجور.

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

إن المطروح اليوم على بلادنا بقوة، هو تفعيل استراتيجيات ناجعة لتجويد الحكامة وتدبير مختلف مؤسساتنا الوطنية، وإدارة المالية العامة عبر إشعاع المعلومة الاقتصادية والمالية من خلال قوانين ومساطر واضحة توضع رهن إشارة الجميع، وكل ذلك في إطار تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة وتعزيز الشفافية والمحاسبة، من جهة، وتقعيد التفاعل الايجابي بين مؤسسات الدولة من خلال مساعدة المجلس الأعلى للحسابات للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، والإجابة عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة، من جهة أخرى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته