الكلمة التأبينية في الذكرى الأربعين لوفاة المرحوم محمد الطالبي

يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضي مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”.

صدق الله العظيم

رفيقاتي رفاقي

يشرفني أن أتناول الكلمة، نيابة عن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وباسم المكتب السياسي، وكافة مناضلات ومناضلي الحزب في هذا الحفل التأبيني المؤثر، لواحد من الأسماء التي طبعت بحضورها الوازن ومواقفها الانسانية المتميزة، واقع ومسيرة الحزب.

واسمحوا لي، أيتها الرفيقات أيها الرفاق، أن أقول في حق رفيقنا المرحوم محمد الطالبي بعض الكلمات  التي هي خلاصة مركزة لعشرة جمعتنا سويا وعلى امتداد عقود من الزمن، عرفت خلالها الرفيق المحترم قيد حياته عن قرب، ونسجنا معا خيوط صداقة ترسخ بنيانها ونما شامخا على مدار الزمن.

لقد كان الفقيد رحمة الله عليه، رجل مبادئ ونزاهة في الفكر ونظافة اليد، مناضلا سياسيا محنكا، صقلته التجارب، فأمسى ثاقب النظر، عميق التفكير والتأمل، متزنا في التحليل، حصيف الرأي، متشبثا بالمبادئ التي آمن بها لا يحيد عنها، ولو كان في ذلك مساس مباشر لشخصه، وتأثير على وضعه الاعتباري داخل المحيط الاجتماعي والإنساني الذي ينتمي اليه. تراه في كل اللقاءات أو الاجتماعات وفي كل المنتديات كتلة من النشاط والحيوية والبذل والعطاء، والتضحية، مدافعا شرسا عن مبادئ الحزب، حزب التقدم والاشتراكية، الذي آمن بعقيدته وانتظم في صفوفه منذ شبابه الأول (في أوائل الستينات )، وهو بعد طالب نشيط بجامعة محمد الخامس بالرباط.

وشأنه شأن كل رفاقه في تلك الفترة، درس الفقيد الفكر الماركسي اللينيني، دون أن يسقط في التقليد الأعمى للنماذج الأخرى التي لم يؤمن بها قط، بل تمكن بذكاء وألمعية، وبفضل تكوينه في مجال الرياضيات، من حل المعادلات الاجتماعية الأكثر تعقيدا، وتكييف المبادئ الأساسية للاشتراكية مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا.

لقد مارس المرحوم العمل السياسي بمعناه النبيل، حيث ساهم بفضل نضالاته، في تقريب هذا الحزب العريق عقيدة ومبادئ من عامة الناس، حتى صار اسم الفقيد متداولا في دواوير الغرب، وأصبح معروفا لدى الفلاحين والمأجورين، الذين باتوا يعتبرونه واحدا منهم. وقد كانت لي الفرصة في معاينة ذلك عن كثب، خلال إحدى الحملات الانتخابية التي خاضها حزبنا.

لقد تمكن رفيقنا من تحقيق الفوز في الانتخابات الجماعية لسنة 1994، حيث انتزع مقعدا في المجلس البلدي بالقنيطرة، وساهم بشكل ناجح وفعال في تسيير الشأن المحلي بهذه المدينة.

وقد قاده التزامه السياسي،إلى تبوإ أعلى مراتب المسؤولية في الحزب، حيث تم انتخابه عضوا في المكتب السياسي خلال المؤتمر الخامس سنة 1995، الشيء الذي لم يكن بالهين آنذاك، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحزب مثل التقدم والاشتراكية، بل كان يتطلب الأمر مسارا نضاليا حافلا، مع مراعاة التدرج في تحمل المسؤوليات، بصبر وأناة، وعزم وثبات.

كما كان رحمه الله خدوما، يتصف بالنزاهة والاستقامة والدفاع المستميت عن حقوق المستضعفين. ولا غرابة في ذلك معشر الحاضرات والحاضرين، فالأستاذ محمد الطالبي لم تكن تهمه مصلحته الشخصية البحتة، بقدر ما كان همه الأول،  وهاجسه الأساسي خدمة المواطن البسيط، والسعي الجاد والحثيث إلى المساهمة في حل مشاكله بكل ما أوتي من قوة وخبرة، وذلك في صمت ونكران للذات.

كما كان رحمة الله عليه، مناضلا نقابيا من الطراز العالي في صفوف الاتحاد المغربي للشغل، حيث كان مدافعا أمينا عن حقوق الطبقة العاملة، وعن وحدتها، كما تمكن من المساهمة في تفعيل أطروحات الحزب المرتبطة بعلاقته مع النقابة، والمتمثلة في الاحترام الكامل للاستقلالية في اتخاذ القرار، مع الرفض التام لكل محاولة للاختراق أو التدجين. وهكذا عاش رفيقنا متوازنا في انسجام كامل بين صفتيه الاثنتين السياسية والنقابية.

بالإضافة إلى كل ما قيل في حق الفقيد، فقد كان رحمه الله، أبا مثاليا، لكونه استطاع تخصيص حيز من وقته لتتبع ورعاية أبنائه، وذلك بفضل تضحيات ومساعدة زوجته، ويحق لأسرته أن تفخر به وبنجاحه في إتمام رسالته على أحسن وجه.

وأنتهز هذه الفرصة، أيها الحضور الكريم، لأتقدم بتعازي الصادقة والحارة إلى زوجة المرحوم المحترمة، ورفيقة دربه، التي كانت دائما الى جانبه في كل نضالاته، مساندة له، ومتحملة بكل صبر لتبعات ما كان يخوضه زوجها المحترم من نضالات في سبيل الصالح العام.

وقد كان بيتها قبلة لكافة المناضلين، ومن أبرزهم الرفيق المرحوم علي يعتة، ورفيقنا اسماعيل العلوي أطال الله عمره، وغيرهم كثير. واتسمت دائما بحسن الاستقبال، وحفاوة الترحاب بمقدمهم، كعادة ربات بيوت الأسر المغربية العريقة. فلها ألف شكر وألف عرفان وتقدير، ومتمنياتنا لها ولأفراد عائلتها المحترمة بجميل الصبر والسلوان، وبدوام الصحة والعافية. وعزاؤنا في المرحوم واحد.

رفيقاتي، رفاقي، أيها الحضور الكريم

لا تفوتني المناسبة، وحزبنا يستعد لعقد مؤتمره الوطني التاسع نهاية شهر مايو المقبل، ونحن نستحضر جميعا خصال هذا الرفيق المناضل الذي كرس حياته خدمة للوطن والشعب، والذي ضحى بالغالي والنفيس، متجاوزا كل أنانية، أن أؤكد لكم، أن هذا الحزب الذي تربى فيه المرحوم سي الطالبي، وناضل في صفوفه، هو نفس الحزب اليوم؛  فقد ظل حزبنا،وهو الوريث الشرعي لحزب التحرر والاشتراكية، والحزب الشيوعي المغربي، متمسكا بهويته اليسارية الاشتراكية التقدمية، إذ لا شيء تغير، باستثناء السياقات التاريخية ومقتضيات المرحلة التي تفرض علينا، في انسجام تام مع مبادئنا وهويتنا، التأقلم مع الواقع. فحزبنا لم يكن يوما حزبا جامدا أو دوغمائيا، بل عرف دوما كيف يستوعب التطورات الحاصلة في مجتمعنا بإدراكه العلمي للدينامية التي تتحكم في تطوره ، والتناقضات التي تخترقه.

وهذا هو السر الذي مكن حزبنا ، خلال مساره الممتد على ما يزيد عن سبعة عقود من الزمن، من تجاوز كل العقبات، والخروج من الاضطرابات التي تعترض سبيله، أكثر قوة وأكثر استعدادا لمجابهة التحديات التي تواجهها بلادنا في شتى الميادين.

وإذا كان حزبنا يحظى اليوم بحضور متميز، على جميع الأصعدة، وفي مؤسسات الدولة، بدءا من الحكومة والبرلمان، إلى حضوره في الجماعات المحلية، وفي جمعيات المجتمع المدني، فإن الفضل، كل الفضل، يرجع لمناضلين أمثال السي الطالبي، وهي مناسبة لنترحم على أرواح قادتنا الكبار الذين فارقونا، تاركين لنا كنزا نضاليا وفكريا لا ينضب، ونذكر منهم الرفيق علي يعته، والرفيق عبد السلام بورقية، والرفيق عبد الله العياشي، والرفيق عزيز بلال، والرفيق شمعون ليفي، والرفيق شعيب الريفي، وغيرهم كثير، دون أن ننسى الأحياء منهم أطال الله في عمرهم، كالرفيق اسماعيل العلوي، والرفيق محمد مشارك، والرفيق عبد المجيد الدويب.

وختاما، أتقدم بالشكر الجزيل لكل من فكر وسعى وساهم في تنظيم هذا اللقاء، وصنع هذه اللحظة الفارقة في سجل العلاقات الإنسانية والرفاقية العالية، لحظة تأبين الرفيق محمد الطالبي رحمه الله.