ندوة صحفية للديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، في إطار التحضير للمؤتمر الوطني التاسع للحزب التصريح التمهيدي للأمين العام للحزب
السيدات والسادة، ممثلو وسائل الإعلام الوطنية والدولية
أيها الحضور الكريم،
يشرفني، ويسعدني، أن أتقدم أماكم بتصريح تمهيدي لهذه الندوة الصحفية، التي يعقدها الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية في إطار الاستعدادات الجارية تحضيرا لعقد المؤتمر الوطني التاسع للحزب، تحت شعار “مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية“، يومي 30 ــ 31 ماي وفاتح يونيو 2014 ببوزنيقة.
وأود، بداية، أن أشكركم، جزيل الشكر، على تلبيتكم دعوتنا، لنقدم لكم، على الخصوص، مشاريع وثائق المؤتمر الوطني التاسع، التي صادقت عليها اللجنة المركزية للحزب، بالإجماع، في دورتها الرابعة عشرة المنعقدة يومي السبت والأحد 15 ــ 16 مارس 2014، والتي تحدد التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومستلزمات تحديث الحياة التنظيمية للحزب وسبل التواصل والانفتاح على النخب الجديدة الداعمة للمشروع الحداثي الديموقراطي للحزب، ومقتضيات النضال في واجهة العمل الجماهيري.
ويتعلق الأمر بالخصوص بمشاريع الوثيقة السياسية واستراتيجية عمل الحزب، والوثيقة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي سيتم تدارسها داخل هيئات الحزب ومع مختلف الفاعلين المجتمعيين وعموم المواطنات والمواطنين لتعرض للمصادقة خلال المؤتمر الوطني التاسع للحزب، الذي سيلتئم والمغرب يعيش في ظل تحول تاريخي ومستجدات سياسية، وطنيا وعلى الصعيدين الجهوي والدولي، مما يستوجب من الحزب تحيين تحاليله، وتدقيق مواقفه، كما دأب على ذلك خلال مؤتمراته الوطنية، ومنها، المؤتمر الوطني الثامن، الذي انعقد قبل نحو أربع سنوات تحت شعار “جيل جديد من الإصلاحات لمغرب الديمقراطية والتقدم”.
ولقد عملت الوثيقة السياسية، على استدماج كل عناصر المقاربة الشمولية ، بدءاً بالباب الأول المخصص للرصيد الفكري والتراكمات النضالية للحزب، للوقوف أولاً عند التذكير بهوية الحزب الثابتة، ثم عند قضية أساسية تهم جدلية الصراع والتوافق مع ما يستتبع ذلك من معالجة موضوع التحالفات.
ويأتي الباب الثاني للوقوف عند موضوع التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة العربية والمغاربية في سياق ما بات يعرف “بالربيع الديمقراطي”، ومدى آثاره على المغرب، الذي بدا في صورة فضاء متميز يدبر المرحلة بمقومات خاصة به، لم نلاحظها في البلدان الأخرى التي شملها هذا الحراك ( تدبير ناضج لمسألة الدستور الجديد ولتشكيل “حكومة منتخبة”، بقيادة حزب ذي مرجعية دينية ومساهمة حزب تقدمي هو حزبنا، في سياق قرار ديمقراطي ناتج عن نقاش جدي مستفيض، اتسم بالعمق والمسؤولية).
وجاء الباب الثالث مخصصا للوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقضية الحقوق والحريات، ليسلط الأضواء الكاشفة على الثنائية الصعبة ” بين الإكراهات الماكرو اقتصادية والتوازنات الاجتماعية”، مطالباً بسياسة اجتماعية إشراكية وإدماجية. كما استحضر هذا الباب المسألة الثقافية، وقوفاً بمزيد من الدقة عند مستجدات المسألة الأمازيغية.
أما الباب الرابع، فهو مخصص لقضية مصيرية، هي قضية الوحدة الترابية، مع أبعادها التدبيرية ميدانيا،ً والمتعلقة بالعمل الدبلوماسي كذلك، بينما تم تخصيص الباب الخامس والأخير لتحليل متكامل لأهم مواصفات الوضعية الدولية، من حيث أنها تؤثر، بطبيعتها، على الحياة السياسية في بلادنا.
السيدات والسادة،
كما ستطلعون على ذلك، بتفصيل، من خلال الوثائق الموضوعة في متناولكم، فإن المحددات المؤطرة لعمل حزب التقدم والاشتراكية، تقوم على شقين اولهما نظري، وينبني على الثوابت المتجددة في المرجعية التأسيسية، التي بمقتضاها برز الحزب، في شكله الأول كحزب شيوعي، ثم في سياق الإنضاج السياسي والنضالي تحت حزب التحرر والاشتراكية، فحزب التقدم والاشتراكية، حيث ظل الحزب، في كل المحطات التاريخية التي مر منها، حزبا وطنيا، يساريا، اشتراكيا، تقدميا، حداثيا وديموقراطيا، مرتبطا بالطبقات والفئات الكادحة والمستضعفة. وبذلك، تبقى البصمات الاجتماعية حاضرة، بقوة، في هوية الحزب، الذي يجعل من مسألة الحقوق الاجتماعية، إلى جانب الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والمدنية والبيئية، هاجسا محوريا في هذه الهوية.
أما الشق الثاني لهذه المحددات، متمثلا في الممارسة، ضمن علاقتها الجدلية مع النظرية، فإنه يتعلق بالانفتاح وروح المسؤولية، والبناء على ما راكمه الحزب من تجربة وتموقعات، طيلة سبعة عقود من الكفاح، جعلته ينبذ الانحرافات الانتهازية والجمود الفكري والتحجر العقدي، ليظل متشبثا، اشد ما يكون التشبث، بمكوناته الهوياتية، وبممارسة منفتحة على الآخر، ما دام أنها لا تزيغ عن الدفاع عن القضايا الكبرى للوطن والشعب.
وانطلاقا من هذه الثنائية، المتلازمة، يتمحور النهج النضالي لحزب التقدم والاشتراكية ــ في إطار حرص شديد ودائم على استقلالية القرار، وبعد تحليل معمق، وتشاور ديموقراطي نزيه بين أعضائه، من خلال المؤسسات التسييرية المنتخبة ديموقراطيا ــ حول العناوين الاستراتيجية التالية:
é الثبات في الدفاع عن الحقوق السياسية والسوسيواقتصادية والثقافية لأوسع الفئات الاجتماعية، وفي مقدمتها الطبقات الكادحة والمستضعفة.
é الثبات في حمل مشعل الدفاع عن الوحدة الترابية والذود عن السيادة الوطنية.
é الثبات في الكفاح على نهج تعميق الإصلاحات في كافة الميادين.
أيها الحضور الكريم،
إن عبور مرحلة الانتقال الديموقراطي المعقد، التي نحن بصددها حاليا، تتطور بنجاحاتها وإخفاقاتها، في حركية مد وجزر تجعل حزب التقدم والاشتراكية مطوقا بمهمة سياسية صعبة للغاية، إذ يتطلب منه الوضع، المعقد دوليا وجهويا ووطنيا، التحلي بكثير من بعد النظر القائم على التشبث بالثوابت المبدئية، وتدبير التناقضات السياسية، والتمييز بين الأساسي والثانوي، وبين الاستراتيجي والتكتيكي، كي يظل الهدف الأسمى، أي تشييد مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية ، حاضرا، باستمرار، في الكفاحات التي يخوضها الحزب، بل ومتصدرا لهذه الكفاحات.
من هذا المنطلق ينظر حزب التقدم والاشتراكية إلى المستجدات الحاصلة منذ مؤتمره الوطني السابق.
ولعل المصادقة على الدستور الجديد، وتشكيل حكومة ائتلاف، بقيادة حزب العدالة والتنمية، ومشاركة حزب التقدم والاشتراكية، تبقى من أهم علامات الفترة الفاصلة بين المؤتمرين الوطنيين الثامن والتاسع للحزب، ولذلك حرصت الوثيقة السياسية، المصادق عليها، كما أسلفت، بالاجماع، على أن تفحص، بما يلزم من دقة وموضوعية، الحراك الديموقراطي الذي عرفه المغرب سنة 2011 ، ضمن الاطار العام لما بات يعرف ب ” الربيع الديموقراطي” بالمنطقة العربية والمغاربية، وذلك من خلال تقييم مسار الإصلاح المرتبط، تاريخيا ونضاليا، بالأحزاب الديموقراطية والتقدمية، وتثمين القيمة المضافة لحركة 20 فبراير، و إبراز التميز المغربي عبر تعاطيه الإيجابي مع هذا الحراك، وما أثمره من دستور جديد بمضامين متقدمة تمت صياغتها وفق مقاربة تنظيمية إشراكية، وأفضى إليه من انتخابات تشريعية، أفرزت حكومة منتخبة، تستند، في تعيين رئيسها، إلى إعمال ملكي للمنهجية الديموقراطية، وتقوم على ائتلاف رباعي يشارك ضمنه حزب التقدم والاشتراكية، بقرار ديموقراطي من لجنته المركزية، إلى جانب فرقاء آخرين مختلفين عنه، وبقيادة حزب مرجعيته الفكرية، ومذهبه السياسي، مختلفان عن مرجعية ومذهبية حزبنا.
هكذا يبدو الائتلاف الحكومي الحالي كمنهجية تفرضها، فضلا عن مهام المرحلة، الخارطة السياسية، التي أفرزتها انتخابات تشريعية تعتبر نسبيا، الأسلم في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية المغربية. وهو ائتلاف يقوم، بوضوح، على برنامج إصلاحي مشترك، وليس على محو الفوارق الإيديولوجية. وهي كلها قضايا تقدم الوثيقة السياسية بشأنها توضيحات ضافية ووافية.
إن مقاربة موضوع التحالفات من قبل حزب التقدم والاشتراكية مقاربة ديناميكية تقوم على مواقف مبدئية وتموقعات سياسية تأخذ بعين الاعتبار مستلزمات توطيد المسار الاصلاحي. واعتماداً على هذا، فإن الحزب يرفض المقاربة السطحية المتداولة لدى بعض الجهات والتي تقدم الفريق الحكومي الحالي على أنه “حكومة محافظة” يتعين مقاومتها انطلاقاً من مواقع إيديولوجية صرفة. ذلك أنها حكومة قائمة، ليس على تموقع إيديولوجي يميني، وإنما على برنامج إصلاحي متقدم، اتفقت عليه مكونات الأغلبية، و يجد حزب التقدم والاشتراكية نفسه فيه.
ومهما كانت الظروف، ومحاولات إجهاض التجربة الحكومية الحالية، فإن حزب التقدم والاشتراكية، الذي ما فتئ يشدد على ضرورة أن يتحمل المعسكر الديموقراطي الحداثي مسؤولياته كاملة في نطاق تحصين الاستقرار المؤسساتي، يعرب عن يقينه بأن المصلحة العليا للوطن والشعب تقتضي حشد كل الإمكانات من أجل إنجاحها، لأننا حزب لم يراهن، أبدا، على تردي الأوضاع وتعفنها، وإنما يعول على تطوير المسلسل الإصلاحي في ظل ظرفية دولية وإقليمية شديدة التعقيد ومتعددة التحديات، وتتطلب من الفاعلين السياسيين قدرا هائلا من بعد النظر وروح المسؤولية، مرجحين مصلحة البلاد على أي اعتبار آخر.
وإذ يرى حزب التقدم والاشتراكية أن التوفر على دستور متقدم في محتوياته أمر هام للغاية، يعتبر أن ذلك غير كاف في حد ذاته، لأنه وثيقة حية لن تعطي أكلها إلا بتنزيل كافة مضامينها وأحكامها وروحها فوق أرض الواقع المؤسساتي، الأمر الذي يطرح ضرورة الاعتناء بالقوانين التنظيمية التي ينص عليها، والتي يفترض فيها أنها تمنحه أبعاده العملية، مما يجعلنا نؤكد على أن إخراج القوانين التنظيمية قبل انتهاء الولاية التشريعية الحالية أمر حيوي، ونشدد على أن روح التوافق التي هيمنت على صناعة النص الدستوري في كل مراحل الصياغة، يجب أن تكون هي نفسها التي تسود، من جديد، على القوانين التنظيمية، لأنها امتداد عضوي للدستور، تثبت معانيه وتؤكد روحه.
وفي هذا الإطار، فإن حزب التقدم والاشتراكية إذ يسجل إقرار الدستور الجديد لمنظومة متكاملة من الحقوق والحريات تروم إرساء دعائم دولة الحق والقانون والمؤسسات، وتهدف إلى توسيع مجالات ممارسة هذه الحقوق والحريات، الفردية و الجماعية، فإنه ( الحزب) يثمن انخراط المغرب في منظومة الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الثقافية، المدنية والبيئية الكونية، لاسيما في المتن الدستوري الجديد ويدعو إلى مواصلة تفعيل وأجرأة هذه الحقوق عبر سن سياسات عمومية مندمجة لتكريس المضامين الدستورية المجددة،وهذه مناسبة لنعرب عن ترحيبنا بإعلان المغرب، خلال الدورة الخامسة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان التي انعقدت مؤخرا بمدينة جنيف السويسرية، عن قراره القاضي بالمصادقة على القرار الأممي حول حرية الدين والمعتقد، وهو أمر كان حزب التقدم والاشتراكية قد ضمنه مذكرته، المقدمة في 28 مارس 2011، للجنة المختصة، في إطار إعداد الدستور الجديد.
وهي مناسبة، أيضا، للتشديد على أن حزب التقدم والاشتراكية، إذ يعتز بانتصار الدستور الجديد لمبدأي المساواة والمناصفة بين الجنسين، فإنه يلتزم بالعمل، من خلال كل الواجهات الحزبية والتشريعية والحكومية، على إعمال تأويل ديموقراطي للمضامين الدستورية في هذا الشأن، روحا ونصا، وذلك بدءا بإقامة هيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز ضد النساء، وصولا إلى تمتيع المرأة المغربية بكل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
كما أن الحزب يلتزم بالعمل الجاد قصد خلق كل الظروف والشروط اللازمة من أجل تطبيق كامل لمقاربة النوع على مختلف مستويات نشاطه السياسي والتنظيمي.
وبالاعتناء نفسه، سيعمل الحزب من أجل تفعيل أسلم للمضامين الدستورية ذات الصلة بتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية للبلاد .
السيدات والسادة،
تجدون ضمن الوثائق المقدمة لكم وثيقة دسمة تقوم، في ظل استحضار مميزات وآثار الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، بتحليل دقيق ومستفيض للوضعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة في المغرب، بمختلف جوانبها. كما تستعرض الوثيقة، بإسهاب، مضامين البديل التقدمي الذي يقترحه حزب التقدم والاشتراكية سبيلا للخروج من الوضعية المتأزمة، وذلك انطلاقا من مرجعيته، كحزب يساري، تقدمي واشتراكي، ومن تموقعه الطبقي كحزب لكل الشغيلة والفئات الفقيرة والمعوزة والطبقات الوسطى والمثقفين المتنورين.
فأمام استمرار الوضعية الاجتماعية، على العموم، في مواجهة عجز هام، بالرغم من الجهود المبذولة في هذا المجال أو ذاك، واقتناعا منه بأنه مهما كانت أهمية التوازنات الماكرواقتصادية والتحكم في عجز الميزانية، يبقى لازما ضمان التوازنات الاجتماعية والتماسك الاجتماعي، ما فتئ حزب التقدم والاشتراكية، باعتباره حزب التغيير والتحول الاجتماعي، يؤكد، داخل الأغلبية الحكومية، على ضرورة الحفاظ على القدرة الشرائية للمستضعفين وعلى إلزامية اتخاذ تدابير لإنعاش الاقتصاد وكذا على خطورة المقاربة المحاسباتية والتقنوقراطية لمعالجة العجز الميزانياتي والمديونية.
وبحكم نظره دائما إلى القضايا المطروحة من زاوية تستحضر كل الأبعاد، يعتبر حزب التقدم والاشتراكية أن الوضع يتطلب اعتماد مقاربة شمولية، تنفذ إلى أصل الداء وجذوره ولا تقف عند المظاهر والانعكاسات، وبالتالي وجب الإلحاح، مرة أخرى، على أن النموذج التنموي المغربي أصبح في حاجة ماسة إلى إعادة قراءة بل وإلى إعادة نظر جدية ومجدية. وهذه رؤية يتقاسمها مع الحزب العديد من المؤسسات والمنظمات الوازنة، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والكونفدرالية العامة للمقاولات المغربية.
وتندرج مقاربة حزب التقدم والاشتراكية في تصور استراتيجي لأجل وضع أسس نموذج تنموي جديد، يستتبع نهجه، بالضرورة، إعادة تأهيل المكانة الاستراتيجية للدولة في التخطيط، وفق رؤية تعتمد على التنمية المستدامة وتهيئة المجال والجهوية، وعلى أساس أن يكون هذا التخطيط مرنا، مكرسا للعملية الديمقراطية القائمة على التشاور والديمقراطية التشاركية وتعزيز الحوار الاجتماعي، ويمنح حيوية أكثر لاختيارات وأولويات السياسة الاقتصادية والاجتماعية، التي تعتبر وسيلة لتعزيز التقاطعات بين الوزارات ودمج مشاريع التنمية، في نطاق الحفاظ على الاستثمارات العمومية في مستوى معقول مع تهيئة الظروف لتجويد فاعليتها و توجيهها نحو الأولويات الوطنية، واستمرار سياسة الأوراش الكبرى، وتبني استراتيجية وطنية لتعزيز القطاع الخاص على أساس المسؤولية الاجتماعية.
في ضوء ما تقدم، يدعو حزب التقدم والاشتراكية إلى إصلاح شمولي للسياسات الاجتماعية، ينطلق من واقع أن السياسات الاجتماعية حتى الآن، على الرغم من أهمية الموارد المرصودة لها والجهود الكبيرة المبذولة، والمكتسبات العديدة المحققة، لم تتمكن من القضاء على العجز الكبير الذي لايزال قائما، سواء على مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية ، أو على صعيد الإدماج الاقتصادي أو الاجتماعي. وهو إصلاح ينبغي أن يسير في اتجاه العمل على تمكين المواطنات والمواطنين مما كرسه الدستور، على قاعدة المساواة بين الجنسين، من حقوق اجتماعية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والسكن والشغل والثقافة والرياضة، مع ضرورة توخي الادماج الاجتماعي والاقتصادي لمكافحة الفقر والإقصاء، إيلاء ما يلزم من عناية فائقة لذوي الاحتياجات الخاصة ( الأشخاص المعاقون، الأطفال المتخلى عنهم والمسنون المعوزون).
إن حزب التقدم والاشتراكية مقتنع تماما بوجود بديل تقدمي حقيقي لمواجهة الأزمة، والذي يتميز بضرورة تبني رؤية شمولية، من جهة، وضرورة جعل الاحتياجات الاجتماعية في صميم كل مشروع للإصلاح، من جهة ثانية. وذلك في أفق انعاش الاقتصاد و التحكم في التوازنات الماكرواقتصادية، وإصلاح نظام المقاصة، ونظام التقاعد، والنظام الجبائي.
وفي هذا الاطار، دأب الحزب، من داخل الحكومة وبحس عال من المسؤولية والتضامن الحكومي، وانطلاقا من أن الهاجس الإنساني والاجتماعي ينبغي أن يكون الملهم الأساسي لأي تدبير، على تقديم اقتراحات واقعية وملموسة، لكيلا يظهر العمل الحكومي وكأنه محدد باعتبارات مالية ومحاسباتية فحسب، مادام أنه يندرج في اطار منهجية استباقية تروم تحقيق العدالة الاجتماعية والنهوض بالاقتصاد الوطني.
ثم إن أخذ القضية الاجتماعية بعين الاعتبار ليس اشكالا في حد ذاته، بل غالبا ما يكون هو الحل. ذلك أنه فضلا عن كون سياسات التقشف، التي تضع الإكراهات المالية في مقابل الإكراهات الاجتماعية، تبقى جائرة وغير فعالة، فإن توسيع نظام الحماية الاجتماعية، بما في ذلك التغطية في التقاعد، والتي تشمل الآن أقل من ثلث المواطنين المغاربة النشيطين والذين يناهز عددهم 11 مليونا، هو الذي سوف يمكن من ايجاد حلول مستدامة للاختلالات المالية بصناديق التقاعد. كما أن العدالة الجبائية هي الكفيلة، من بين أمور أخرى، بتحسين عائدات الضرائب التي تشكل الجزء الأكبر من الموارد المالية لخزينة الدولة ببلادنا.
السيدات والسادة،
مما لا شك فيه أن مسألة الوحدة الترابية للمغرب تحظى بإجماع وطني راسخ، إجماع يلح حزب التقدم والاشتراكية على ضرورة الدفع به إلى أبعد مدى، لأنه يشكل الصخرة العنيدة التي تتحطم عليها مناورات المتربصين بالوحدة الترابية لبلادنا، وتتكسر عليها أطماع الخصوم التوسعية في المنطقة. ففي التفاف كل مكونات الشعب المغربي حول القضية الوطنية يكمن مصدر قوتنا، الذي ينبغي تعزيزه بكل ما من شأنه أن يجعل بلادنا تكبر في عيون أبنائها، ويعطي بالتالي لقضيتنا الوطنية الاولى، وللوطن الغفور الرحيم، جاذبية تتزايد على مر الأيام، وإشعاعا يتعاظم سنة بعد أخرى.
لكن هناك ضرورة لإدراك أن هذا الاجماع الوطني، المتجسد في تعبئة المجتمع المغربي، بكل قواه الحية، وجميع شرائحه الاجتماعية، من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية، القضية المصيرية الأولى لكل المغاربة، من سبتة ومليلية إلى الكويرة وامتدادا إلى حيث يقيم مغاربة العالم، هو إجماع على المبدأ منذ أزيد من ثلاثة عقود. ومن ثمة، فإنه أضحى من اللازم إعادة النظر، بصورة شاملة، دقيقة، موضوعية وبناءة، في الكيفية التي دبرت وتدبر بها الشؤون ذات الصلة بالقضية الوطنية، خاصة في الأقاليم الجنوبية، وذلك في أفق استدراك ما يمكن استدراكه، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه، انطلاقا من أن الواجهة الداخلية أصبحت تستدعي اعتناء جديدا، ومجددا، لتدبير ما ينتصب في المنطقة من المطالب ذات الأصل الاجتماعي، والتي تركب عليها الجماعات الانفصالية، مستغلة أجواء الحريات والانفتاح، في محاولة منها لتأجيج النعرة القبلية.
ويتعين، من جهة أخرى، إعادة طرح المطالب الاجتماعية المشروعة، في سياقها الوطني، وفي الإطار المؤسساتي والقانوني، وذلك من خلال إعمال مبدأ المساواة بين الجميع، في الحقوق والواجبات، وإتاحة الفرص، دون امتيازات أو تمييز، والتصدي الجدي لممارسات وأساليب اقتصاد الريع الذي استفاد منه بعض المنتفعين، والحرص على تجنب الاختلالات، أيا كانت مظاهرها، وحماية المال العام، والتوزيع العادل للثروات، واتباع سياسة إدماجية في مختلف المجالات، بعيدا عن كل نعرة قبلية أو تصلب إقليمي، وفي منأى عن كل ما من شأنه أن يتخذ شكل عناصر للتفرقة.
وهذا يفرض، من حيث تدبير ملف القضية الوطنية ككل، عدم الاكتفاء بالمقاربة الأمنية، وهي ضرورية لحماية أمن المواطنين، وضرورة استحضار المقاربة السياسية الإدماجية، بأبعادها السوسيواقتصادية، والتنموية، والحقوقية، الثقافية، البيئية والتواصلية، أي المقاربة الشمولية المستندة إلى منظور متكامل، والتي تبقى وحدها الكفيلة بالحيلولة دون أي مواقف تمرد أو سلوك متسيب، والقمينة بتمكين الساكنة المحلية، والشباب على وجه الخصوص، من مقومات الكرامة التامة والمواطنة الكاملة والثقة الواعية تجاه الدولة، على أن يكون ذلك كله من خلال تدبير أكثر نجاعة للموارد والثروات المحلية والوطنية، في منأى عن كل أشكال اقتصاد الريع، وفي نطاق الالتزام بالقانون، وبما يتيح تحقيق ما يلزم من إنصاف ومصالحة في أقاليمنا الصحرواية المسترجعة.






