مداخلة فريق التقدم والاشتراكية في مناقشة البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب

 

مداخلة فريق التقدم والاشتراكية

في مناقشة البرنامج الحكومي الذي تقدمت به السيدة رئيسة الحكومة

الخميس 22 أكتوبر 2026

السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛

السيدة رئيسة الحكومة المحترمة؛

السيدات والسادة أعضاء الحكومة المحترمات والمحترمون؛

السيدات النائبات المحترمات، السادة النواب المحترمون؛

أتشرف بأن أتدخل، اليوم، باسم فريق التقدم والاشتراكية، في هذه المحطة الدستورية الهامة، لمناقشة البرنامج الحكومي.

وهي مناسبة لنتوجَّهُ إلى السيدات والسادة النواب بالتهنئة على ثقة الناخبات والناخبين، مؤكدين، كما وَرَدَ ذلك في الخطابِ الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان، على أنَّ “الانتداب البرلماني هو التزامٌ سياسي وتعاقُد أخلاقي يربطنا بالمواطنات والمواطنين، وبالتالي علينا أن نكون في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي نتحملها أمام الله، وأمام المغاربة، وأمام التاريخ”.

ونتوجه إليكم، السيدة رئيسة الحكومة وكافة عضواتها وأعضائها، بالتهنئة على الثقة الملكية السامية، تتويجاً للإرادة الشعبية، في احترامٍ تامٍّ للدستور وطِبقاً له، متمنِّين لكم كامل التوفيق.

وبالمناسبة، لا بد أنْ نؤكد على الدلالاتِ الرمزية القوية لتعيين امرأةٍ على رأس حكومة بلادنا، لأول مرة. حيث نتطلع، في التقدم والاشتراكية، إلى أنْ يُشكِّل هذا الحدث الدَّال قوةً دافعةً لـــــــــمسار المساواة… لا سيما وأنَّ هذا التعيين الملكي السامي يُشَكِّلُ تتويجاً لمسارٍ حزبيٍّ وانتخابيٍّ لكم، كامرأة مغربية، وكسياسية مناضلة، السيدة رئيسة الحكومة.

 

إننا، ونحنُ نتمعَّــــــــــــــــنُ في مضامين البرنامج الحكومي الطموح والمتقدم، لا يَسَعُنا سوى أنْ نتَّـــــــــــــخِذَ موقفاً إيجابيا إزاءه، للأسباب الموضوعية التي سنأتي على بعضِها.

لكن، قبل ذلك، فحزبُ التقدم والاشتراكية، الذي تتواصل نضالاتُهُ وإسهاماتهُ الوطنية منذ 83 سنة على مختلف الواجهات… اتَّـــــخذَ تُجاهَ التجربة الحالية قراراً إيجابيًّا بالمشاركة… وكان قراراً واعيًّا ومسؤولاً.. قراراً حرًّا ومستقلاًّ… قراراً صعباً وشُجاعاً.. وذلك بعد نقاشٍ عميق ومسؤول حول الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها حزبُنا، من حيثُ حجمُ التحديات المختلفة المطروحة، ومن حيثُ مسار الإصلاح، ومن حيث التجاوب مع الانتظارات الهائلة للمغاربة ومع أوضاعهم الصعبة؛

ولا غرابة في أن يخوض حزبُ التقدم والاشتراكية هكذا نقاشاتٍ حادة، لكنها صحية، طالما أن حزبَنا فخورٌ بكونه حزباً ديمقراطياًّ وتقدمياًّ، من ميزاتِهِ التعمُّقُ في التحليل الملموس للواقع الملموس، وفق نِبراسِ مصلحة الوطن والشعب.

وفي السياق الراهن، نعم، كُنَّا فعلاً أمام اختيارٍ صعب، وأمام وضعٍ مركَّبَ، له امتداداتٌ في الماضي، كما في آفاق في المستقبل…والموضوعيةُ اقتضت منَّا، ونحن الذين لطالما دافعنا، ولا نزال، عن فضاءٍ سياسي وحزبي يشتغل ويتطور بشكلٍ حر وطبيعي.. أن ننتصر إلى المقاربة التي تستند إلى أنَّ الأمور والمواقف تُعالَجُ في ديناميتها وتطوُّرها… لا سيما عندما نستحضر المجهودات التي بذَلَــــــــــــــتْــــــــــــهَا كلُّ الأطراف لإعمال المراجعات والاجتهادات والتحولات الضرورية.

إذن، لقد استطاع حزبُنا أن يبلور بالإجماع موقفًا موحداً وسليماً، بالمشاركة.. وهو الطريق الأصعب.

وهذا الموقف يُفَسَّرُ أيضاً بالأجوبة الـــــــــــــمُطَمْــــــــــــئِـــــــــــنَــــــــة التي وَجَدَها حزبُنا خلال المشاورات مع السيدة رئيسة الحكومة، في أجواء الثقة والإرادة في بناءِ تَوَجُّهٍ إصلاحي جديد ومشترك.

ولقد سجلنا، بكل موضوعية، في هذا البرنامج الحكومي الواعِد والواقعي، التفاعل الإيجابي والتطابُق الكبير في الرؤية مع كل القضايا الأساسية التي طَرَحَهَا ولا يزال حزبُ التقدم والاشتراكية.

وأهمُّها: الارتكاز على النَّفَسِ السياسي الديمقراطي؛ وأولويةُ المسألة الاجتماعية، بالنظر إلى ما عرفته القدرة الشرائية من تدهور، وما يتطلبه الوضع المتردِّي من تدابير قوية، ملموسة، مستعجلة وذات أثر إيجابي مباشر على المعيش اليومي لعموم المواطنات والمواطنين، في القرى كما في المدن، وخاصة الفئات المستضعفة والطبقة المتوسطة… وما يقتضيه الوضع من إصلاحاتٍ من شأنها تقليصُ الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.

في هذا السياق، وعلى هذا الأساس، لا يَسَعُنا سوى أن نُــــــــــــــــحَــــــــــــيِّــــــــــي العزم المعلن للحكومة، ضمن برنامجها، على التفاعل الإيجابي مع عددٍ من الأولويات التي نتقاسَمُها، ومنها تلك المتعلقة بــــــــــتوطيد الفضاء الديمقراطي وتقوية الثقة والمصداقية؛ فضلاً عن ضرورة التجاوب السريع والفعال مع الانتظارات، مع ما يستلزمه ذلك من تماسُكٍ للأغلبية، ومن إرادةٍ سياسية قويةٍ لهذا الفريق الحكومي الذي قُدِّرَ له أنْ يواجِهَ هذه الأوضاع الصعبة.

إننا، اليوم، أمام حاجة ماسَّة إلى حكومةٍ في مستوى المرحلة وتحدياتها.. تلتقط إشاراتِ المجتمع، وتُـــــــــــنْـــــــصِتُ إلى نَبْضِه، وتفتح آفاق الأمل، من خلال منجزٍ حقيقي على أرض الواقع.

وهنا لا بد من استحضار الإشارات الدَّالَّة التي يتعين عدمُ الاستخفافِ بها، من قبيل أحداث الهجرة نحو سبتة المحتلة، وحراك جيل Z، والعزوف الانتخابي المرتبط بحالة الغضب وتراجُع منسوب الثقة؛

على هذه الأسُس، السيدة رئيسة الحكومة، ونحن بصدد مناقشة هذا البرنامج الحكومي الذي نَدْعَمُ مضامينَه وننخرط، بشكلٍ واعٍ ومسؤول وبنَّاء، في توجُّهاته والتزاماته، لا بد من أن نؤكد على عددٍ من القضايا:

وفي مقدمتها، هذا الاستياء والغضب الـــــــمُستشري في أوساط مختلفة من مجتمعنا، وهذا العزوف الكبير للشباب، ومخاصمة السياسة والأحزاب والانتخابات والمؤسسات المنتخبة… وهي مظاهر مقلقة تسائِلُنا جميعاً، وتستلزم إجاباتٍ من شأنها إعادةُ الثقة.

لذلك، ندعو الحكومة الجديدة إلى اتخاذ ما يلزم، لأجل تقوية فضاء الديمقراطية والحريات والحقوق، وخلق مناخ إيجابي جديد…. بما في ذلك السعي، بالأسلوب المناسب، نحو إطلاق سراح شباب حراك جيل Z وأيِّ حراك سلميٍّ آخر.

كما نؤكد، السيدة رئيسة الحكومة، على أن هناك ملفاتٍ ينتظرها الرأي العام بكثيرٍ من الاهتمام والترقُّب، في مقدمتها الجدية والحزم في تخليق الحياة العامة ومكافحة كافة أشكال الفساد والريع وتضارب المصالح.

ومن الدواعي الأساسية لدعمنا هذا البرنامج الحكومي أنه برنامجٌ يجسد الإرادة المشتركة للأغلبية في إعطاء نَفَسِ جديد للإصلاح. وأنه يتقاسم معنا الهواجس المرتبطة بعددٍ من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي معالجتها بالفعالية اللازمة وبالسرعة الضرورية، من قبيل: قضايا السيادة الاقتصادية، والتحوُّل نحو التصنيع؛ ومعالجة ثغرات السياسة الفلاحية؛ فضلاً عن قضايا الشباب بارتباط مع الشغل والتكوين والتعليم؛ ومسألة التضخم وغلاء الأسعار بارتباط مع ضرورة تنقية سلاسل التوزيع والتسويق من الوساطة الانتهازية والمفرطة؛ علاوةً على متطلبات التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية؛ وضرورة الرفع من الدَّخل؛ وقضايا التقاعد والمعاشات؛ ومسألة المؤشر واختلالات الدعم الاجتماعي المباشر؛  ومتطلبات الارتقاء بالمرفق العمومي والخدمات العموميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة، ولا سيما المستشفى العمومي والمدرسة العمومية والجامعة العمومية.

في هذا الإطار؛ فإنَّ التَّـــــــــــصَفُّح المتمعن للبرنامج الحكومي يدفعنا للتعبير عن الاعتزاز:

أولاً، بالنظر إلى أنه برنامجٌ متقدم يقوم على الثوابت الجامعة للأمة، بما في ذلك ثابت توطيد الاختيار الديموقراطي. ويستهدفُ تقوية الثقة وتحرير الطاقات المجتمعية؛ ويرتكزُ على مستلزمات ترسيخ وحدتنا الترابية باعتبارها الإطار المرجعي لمرحلة ما بعد 31 أكتوبر 2025؛ على أساس مشروع الحُكم الذاتي في كنف السيادة المغربية، بما يعني ضرورة المضي قُدماً، تحت القيادة الحكيمة والمِقدامة لجلالة الملك، نحو تمتين جبهتنا الداخلية ديمقراطيا واقتصاديا واجتماعيا.

في هذا السياق، ولأن القضية الفلسطينية تكتسي مرتبةَ “قضيةٍ وطنية”، فإننا نجدد تضامُنَنَا المطلق مع الشعب الفلسطيني ونضالاته وصُمودِه، في مواجهة حرب الإبادة ومخططاتٍ التهجير وآلة البطْشْ الإسرائيلية…. وستظل مساندَتُنا للشعب الفلسطيني ثابتةً وقويةً حتى نيْل كافة حقوقه الوطنية المشروعة.

ثانيا: إننا ندعم هذا البرنامج، أيضاً، لأنه برنامجٌ ينطلقُ من مرجعياتٍ متماسكة وقوية تَــــــــــــبْنِي على تقاطعاتِ برامج أحزابنا، في انسجامها، بما من شأنه ترصيدُ المكتسبات وإحداث القطائع مع أعطاب السياسات العمومية.. كما أنه برنامجٌ يستحضر التحديات والسياقات الصعبة، لكن بمنطق العزم على تحويلها إلى فرص، وليس بمنطق التبرير.

ثالثا: لأنه يضع ضمن أَوْلى أولوياته توطيد الديمقراطية ودولة الحق والحريات والقانون والمؤسسات؛ وصيانة الهوية والـمواطــَنــة، وذلك من خلال التزامات دقيقة، بما فيها المساواة وإخراج مدونة الأسرة؛ وما يتعلق بالشأن الثقافي، وبالتفعيل الحقيقي للأمازيغية، وبتطوير الجهوية واللامركزية واللاتمركز في ارتباطٍ مع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والذي ندعو الحكومة إلى تفعيله في ظل الإشراك الحقيقي للمنتخبين وللهيئات المنتخبة.

ثالثا: ندعَمُهُ لأنه برنامجٌ ينطلق من واجب القطع مع الفساد والريع وتضارب المصالح، ومكافحة الممارسات الاقتصادية الفاسدة، بما في ذلك التصدي لاختلالات السوق.

رابعاً: لأنه برنامجٌ يسعى نحو وضع الحماية الاجتماعية على سِكَّتها الصحيحة من حيث الأثر الملموس والاستدامة، بما في ذلك إعادة بناء الدعم الاجتماعي المباشر على أساس الدخل الفعلي، والرفع من قيمته، وجعله مدخلاً للإدماج.

خامساً: لأنه برنامج يُصحِّحُ مُحَدِّدَاتِ ترسيخ الدولة الاجتماعية فعلياًّ، استناداً إلى حماية القدرة الشرائية، وإلى المستشفى العمومي، والمدرسة والجامعة العموميتيْن، وإلى ضمان فِعلية وجودة وعدالة الولوج إلى المرفق العمومي والخدمات العمومية.

سادساً: لأنه برنامجٌ يضع إدماج الشباب ضمن أولى الأولويات، على أساس سياسة مندمجة، ومسار موحَّد، وعلى أساس إعادة الاعتبار للتطوع.

سابعا: لأنه برنامجٌ يتأسس على تأمين السيادة الاستراتيجية وتكريس الإشعاع الدولي لبلادنا. ويلتزم ببناء اقتصادٍ قوي قادر على تمويل طموحه الاجتماعي والسيادي؛ ويستشرفُ ديناميةً اقتصادية واستثمارية كفيلة بخلق ما يلزم من مناصب الشغل اللائق.

السيدة رئيسة الحكومة المحترمة؛ السيدات والسادة المحترمين؛

نعم، إننا نعلم أن التحديات كبيرة…. والرهانات أكبر؛

نعم، نعلم أن الانتظارات سقفُها عالٍ جداًّ… بعد سنواتٍ عسيرة؛

نعم، نعلم أن العالم يعيش على إيقاع التقلُّبات واللايقين؛

لكن، يَحِقُّ لنا، اليوم، أنْ نتفاءل، في إطار الواقعية، ببرنامجٍ يَحمل الانتظارات الحقيقية، ويتوفر على بُذور النجاح.

لتظل مسؤوليتُنا جميعاً، ومسؤوليةُ الحكومة تحديداً، هي فتح الآفاق وأبواب الأمل.

وفي الأخير، ندعوكم، كحكومة، إلى التحلي بأقصى درجاتِ الشفافية والوضوح مع الرأي العام، والتواصل الدائم مع المجتمع، وقول الحقيقة، وتَقَبُّل الانتقاداتِ بصدرٍ رحب.. إذْ لا ديمقراطية من دون معارضة…

ونتمنى لكم كامل التوفيق في المعركة الحاسمة التي ستبدأ الآن: معركة تفعيل وتنفيذ هذا البرنامج الذي نسانده بكل ثقةٍ ووعيٍ ومسؤولية والتزام.

ومن منطلق الانتصار الدائم لقضايا الوطن والمواطنات والمواطنين، سوف لن نتوانى، في فريق التقدم والاشتراكية، عن الوفاء والتضامن في إطار الأغلبية، كما لن نتهاون عن ممارسة أدوارنا البرلمانية النضالية، بالتنبيه والاقتراح والمساءلة والمراقبة، بشكلٍ بناء ومسؤول.

شكراً لكم.