بتواضعها المعهود فيها ،كمناضلة تقدمية ،تربت وترعرعت في مدرسة حزب الكتاب، وبصوت حزين، وكلمات معبرة ،ومنتقاة ،من قاموس الإعتراف بالآخر وبعطاءاته . ألقت الرفيقة ” شرفات أفيلال ” باسم المرأة الإشتراكية والتقدمية بالشمال ،وعضو الديوان السياسي لحزب التقدم والإشتراكية ، كلمة تأبينية في حق المرحوم “محمد شقور “، مستحضرة نضالاته ،وصموده ،ومواقفه السياسية والانسانية ، كقائد سياسي صنديد ومرافع صامد ، من أجل قضايا المواطن المغربي العادلة ، وأب حنون لكل المناضلات والمناضلين في تطوان خاصة وباقي مناطق الشمال عامة . كما عبرت ” أفيلال” عن فخرها كونها تلميذة تربت على يد مناضل وقائد من طينة ” محمد شقور ” وبجانب أبنائه وورثة المرحوم ” محمد شقور ” على درب النضال في مدرسة حزب التقدم والاشتراكية. مستحضرة العديد من المواقف التي ستبقى راسخة في ذاكرة الحزب ، وأشارت لها في الكلمة التي نعيد نشر نصها الكامل :
عبدالحفيظ شنكاو
كلمة الرفيقة ” شرفات أفيلال ” في أربعينية المرحوم “محمد شقور” بتطوان
الرفيق الأمين العام لحزبنا العتيد
أسرة الرفيق الفقيد امحمد شقور
رفاقي البرلمانيات والبرلمانيين ،
السادة رؤساء الجماعات ، وممثلي فعاليات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية وممثلي الشغيلة
رفيقاتي رفاقي
السيدات الفضليات ، السادة الأفاضل.
نلتئم اليوم، في هذه الذكرى الحزينة، ذكرى أربعينية الرفيق امحمد شقور ، المناضل، الإنسان، الأب والمربي. …نلتئم ودموعنا لم تجف بعد، وقلوبنا لاتزال مكلومة بالمصاب الجلل في فقدان رجل قل نظيره. فلا راد لقضاء الله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
منذ تاسع عشر يوليوز الماضي: ذاك اليوم الذي صعدت فيه روحك الطاهرة مطمئنة إلى بارئها، وأنا موزعة بين الرغبة في أن أصمت عن ذكراك وعن مناقبك خوفا من أن لا تكون كلماتي وفية وأمينة في حقك …..وبين أن أصدح بالصوت العالي امتنانا واعترافا لك أيها الرفيق الفقيد.
وها أنذا أمامكم، اليوم، قد حسمت أمري في أن أتحدث وأبوح، لعل تقاسمنا للحزن ولوعة الفراق، تكون عزاءا لنا، ولعل التئامنا هذا يكون فيه شيئ من العون على التسلح بالصبر .
فمن أين أبدأ ؟ وكيف أبدأ ؟
من آخر مرة التقينا في يناير الماضي، حتى وأنت في وضعية صحية حرجة، أبيت إلا أن تحضر إلى لقاء جمعنا، بأمسا، مع منتخبي إقليم تطوان الشاهد على صمودك وثباتك..
لن أنسى أبدا نظرتك إلي، حينها، وأنت توصيني خيرا بالتنظيم الحزبي في الشمال….نظرتك تلك كانت عميقة ونافذة …أحسست أنك كنت تريد أن تقول لي وداعا…ولكنك اخترت كعادتك أن تحمل للوداع طعم الأمانة والواجب، وأن تعاند وضعك الصحي. كيف لا وأنت الذي حياتك كلها مقاومة و نضال ؟
أحاول أن ألتقط الذكريات التي رسخت، لكن الشريط يمر في ذاكرتي كثيفا وبأسرع مما يمكن لي أن أحتمل. لا أكاد أذكر سوى قيما جميلة ودروسا عميقة وحنوا أبويا لا مثيل له.
وكأني أسمعك الآن، ، بعد مغادرتي لتطوان واستقراري بالرباط، تؤكد لمن نلتقيه أنك بمثابة والدي الثاني، وأنك من ساهمت في تنشئتي وواكبت مسيرتي : ياليتك تعرف >مدى ما يفرحني ذلك ويسعدني ويدفعني للفخر… فليس هناك أفضل من أن أكون تلميذة مرضيا عنها، لرجل مبدئي لم يبدل تبديلا.
اسمحوا لي ، يا أفراد أسرتي الثانية: أسرة الرفيق امحمد شقور، اسمحي لي عزيزة وجلال وليلى وأحمد ….اعتذارنا لكم واجب لأننا اقتسمنا معكم طوال هذه السنين الجميلة ، وقت الفقيد وصفاء قلبه ، ونقاء عقله، ..كما اقتسمنا معكم كرمه وعطاءه .
لكن أنا متأكدة أنكم فعلتم ذلك بحب وقناعة، لأن ما أذكاه فينا الرجل من إقدام على البذل ، لا بد أنكم سباقون إليه منا .
أتساءل أحيانا، من أين كانت لك كل الطاقة لتكون ملتزما أشد ما يكون الالتزام نقابيا ومهنيا وصحفيا وسياسيا واجتماعيا ….ثم أعود للجواب البديهي : إنه الإيمان والقناعات ..التي لا يمكن لشيئ أن يقف في وجهها ….فهل يحق أن أتحدث عن ذلك ؟ أنتم تعرفون أن الفقيد تشبع بفكر التحرر والتقدم وبقيم الحداثة والعقلانية، و بإرادة التغيير وبناء مغرب أفضل ، مثل كل كبار هذا الوطن الحبيب، حدث ذلك وظل قائما، منذ الستينات حيث شرف النضال لم يكن ملتبسا ولا مقصودا من وراءه غاية ذاتية، بل كان من وراءه توقع الرصاص والزنازن . ذلك ما صنع من رفيقنا محمد شقور هذه الهامة الشامخة التي نقف اليوم إجلالا لروحها .وذلك ما صنع للرجل هذه المصداقية الكبيرة التي صارت عملة نادرة .
دعني، وروحك في السماء، أتذكر جوانب من إنسانيتك النبيلة ، ومن أريحيتك ومن سعة صدرك …
مقهى نيبون هنا في تطوان تشهد على نقاشاتك الطويلة والعميقة والمفيدة مع رفاقك…لا أنسى أبدا كيف كان صبرك علينا حكيما وبليغا، وكثير منا تأخذه لحظات من اشتداد حرارة الحوار، لكنك تصر على المواصلة وتأبى إلا أن يتحول القول إلى عمل ، وإلى أن يتأطر عملنا بوضوح الرؤية والفكرة.
لم تكتف بأن حملت الحزب في عقلك وروحك، بل أدخلته ضيفا جميلا إلى بيتك كامتداد طبيعي لشارع الوحدة حيث منطلق نضالنا المشترك….يا من عز علينا فراقه، ويا من فقدناه صديقا وأخا ورفيقا .
أذكر أنك، في بيتك الكريم، تصر على أن تقدم الخدمة للرفيقات المجتمعات عندك، موزعا الشاي والحلوى علينا بتواضع المناضلين وكبار النفوس، متحديا التقاليد المحلية المتحفظة على مسألة الاختلاط …..كنت نبيلا وقويا وشهما …فهنيئا لكل من تعلم على يدك أمرا نافعا. .
بيتك جعلت منه وجهة للقادمين من الرفاق إلى تطوان..كيف لا وأنت الكريم ، وأنت الذي طالما اعتبرت حزبك عائلة حقيقية…..
رفيقنا علي يعتة حين تطأ قدماه تطوان كنت تمنعه من حط الرحال في فنادق المدينة: فبيتك، بل غرفتك الخاصة، هي الأجدر باحتضانه، بين أعز من تملك : عزيزة وجلال وليلى وأحمد
أحمد الفتى الذي كان …أذكره وأذكرك، حينما كنت تأتيني به ليلا، مرتديا زي الطلائع الأحمر والأبيض، وتسلمني إياه لنشد الرحال معا إلى مخيم من مخيمات منظمة الطلائع أطفال المغرب. لا زال صوتك يرن في أذني : ” إنه أمانة في عنقك ”
يا ليتك تدري أننا نحن من كنا أمانة في عنقك، وأديت أمانة التنشئة أحسن أداء…فكيف لا نعتني بفلذات كبدك ؟
كثيرون هنا في هذه القاعة، يعرفون أن الفقيد العزيز استمر في مرافقتنا في رحلات الشبيبة المغربية للتقدم والاشتراكية ، بحيوية ونشاط الشباب، وتقاسم معنا أدوار التنشيط الهادف بلحيته الطويلة ونظاراته المميزة ، مؤثثا مشهدا ثوريا رائعا لا يمكن أن يمحى من الذاكرة.
أما حلقات تكوين التلاميذ التي كان يشرف عليها بحرص شديد، فقد كانت فرصة لنا لنتعلم المضامين، ولكن أيضا كانت فرصة لنتعلم معنى وقيمة الانضباط، الذي طالما اعتبره، أحد الركائز الأساسية للعمل النضالي في أوساط الرفاق.
سنظل نفتقدك ونفتقد تلك الأجواء التي مزجت بين الترفيه والتأطير والتكوين.
امحمد شقور: في هذه اللحظات، وعلى الملأ، أخاطب روحك الطاهرة لأقول لك وأنت ترقد بسلام في مثواك الأخير : أشكرك على أن أهديتنا، جميعا، وأهديتني بالخصوص، وقتك ، وعلى أنك كرست جهدك كله للآخرين، وعلى أنك جعلتنا نرتبط بالقضايا التي تهم البسطاء من الناس …شكرا لك لأنك كنت بيننا ..ولأن روحك ودروسك من العمق بحيث لا يمكن أن تفارقنا.
أرقد يا رفيقنا بسلام، فنحن على العهد في مواصلة المشوار، فحتى لو أنك غادرتنا لكن ذكراك ستظل حية للأبد.
فالشجرة التي زرعتها وسقيتها نبلا ونضالا، ليس لها إلا أن تظل خضراء يانعة
