تقدم المستشار عبد اللطيف أعمو ، باسم فريق التحالف الاشتراكي بمجلس المستشارين، بمداخلة ناقش فيها التقرير الأخير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي كان قد تقدم به السيد إدريس اليزمي أمام البرلمان بغرفتيه بتاريخ 16 يونيو 2014، طبقا للفصل 160 من الدستور.
وفيما يلي نص المداخلة التي تقدم بها المستشار أعمو:
“تفعيلا للفصل 160 من الدستور، قدم السيد إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، عرضا أمام البرلمان بغرفتيه، يوم الإثنين 16 يونيو 2014، تناغما مع مبادئ باريس المؤطرة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وانسجامامع مبادئ بلغراد حول العلاقة بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والبرلمانات.
ويسعدني اليوم – باسم فريق التحالف الاشتراكي بمجلس المستشارين – أن أبدي ملاحظاتنا حول التقرير.
لقد ظل الهاجس الحقوقي ملتصقا بالعمل التشريعي، على مستوى مناقشة الميزانيات الفرعية لعدد من القطاعات الحكومية، أو في عمل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بكلتا غرفتي البرلمان، واللتان نظمتا عددا من اللقاءات والأيام الدراسية حول أوضاع حقوق الانسان، أو بمبادرة من مختلف الفرق البرلمانية للمساهمة في إبراز المقاربة الحقوقية في تعاطي المؤسسة التشريعية مع القضايا الكبرى أو بمناسبة التفاعل مع التقارير الموضوعاتية التي تهم أساسا أوضاع السجناء وحماية الطفولة وحقوق النساء وتدبير التعدد اللغوي… وغيره
كما نستحضر بالمناسبة مجهود البرلمانيين في مقاربة قضايا حقوق الإنسان، سواء على مستوى الدبلوماسية البرلمانية أو العلاقات البرلمانية الثنائية أو على مستوى مبادرات شبكات البرلمانيات والبرلمانيين في المجال الحقوقي، كما هو الشأن بالنسبة للمبادرة البرلمانية ضد عقوبة الإعدام.
وسنحاول التعليق على عرض السيد رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على مستويات عدة:
1- على المستوى التشريعي والمؤسساتي:
صادق البرلمان خلال سنة 2014 على عدد من القوانين وفي مقدمتها مشروع قانون العدل العسكري، الذي تضمن إيجابيات كثيرة، لكنه للأسف، لا زال يتضمن عقوبة الإعدام، في تجاهل لمطالب الحركة الحقوقية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحةالتي تتجلى بإلحاح في تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان وتوصياته .
لا بد أن نسجل هنا بأن موضوع إلغاء عقوبة الإعدام الذي ما زال بين شد وجذب داخل المجتمع، لا بد أن يفضي إلى انضمام المغرب – في إطار حوار هادئ ومعقلن ورزين – للبروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، القاضي بإلغاء عقوبة الإعدام، وذلك وفاء للذاكرة الوطنية التي تتجلى في توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ، والتي أسندت مهمة تنفيذها وتنزيلها عبر القنوات الملائمة إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
كما صادقت الغرفة الثانية على مشروع قانون العمال المنزليين، وعلى حذف الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي، الذي كان يسمح لمغتصبي القاصرات بالإفلات من العقاب؛ وعلى مشروع قانون يوافق بموجبه المغرب على اتفاقية مجلس أوروبا حول حماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي، الموقعة في 25 أكتوبر 2007.
إلا أن عددا من مشاريع القوانين وخاصة مشروع القانون المتعلق بإحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، ومشروع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء،المنتظرين في 2013 لم يخرجابعد للوجود.
ونسجل هنا بأن تطبيق المخطط التشريعي للحكومة، شهد تأخرا في إعداد وتنفيذ القوانين التنظيمية الجديدة، وما تتطلبه القوانين الحالية من ملاءمة؛ فيما نسجل كذلك استفراد الجهاز التنفيذي بتقديم القوانين، في حين لم تحظ مقترحات مشاريع القوانين بالأهمية اللازمة، مما ينبأ بتراجع وظيفة البرلمان التشريعية على حساب هيمنة مبادرات الحكومة و الجهاز التنفيذي في مجال التشريع.
وقد سجل تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقادم الإطار القانوني وتعدد الخروقات التي تطال مقتضيات العديد من التشريعات الوطنية، وخصوصا المرتبطة منها بالأشخاص في وضعية إعاقة وبشؤون الهجرة واللجوء … وغيرها.
ونسجل بارتياح كبير أهمية مساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في دينامية حفظ الذاكرة الجماعية، بإخراج مؤسسة أرشيف المغرب إلى الوجود على خطى إصدار قانون الأرشيف، بجانب تنظيم أنشطة إشعاعية ودعم إحداث مراكز ومتاحف متخصصة ودبلومات عليا تهم بالخصوصالدراسات الصحراوية، وإعطاء الانطلاقة لانجاز متحف الريف بالحسيمة ومتحف الصحراء بالداخلة ومتحف الواحات بوارزازات ودار تاريخ المغرب بالدار البيضاء.
وهو ما سيسمح لنا بالتملك الجماعي الواعي لذاكرتنا والإحساس المسؤول بمرجعياتنا الثقافية والتاريخية والهوياتية، والاستفادة الإيجابية من تجاربنا الفاشلة والناجحة في مسار بناء تجربتنا الديمقراطية واستلهام الدروس والعبر منها.
2- على المستوى المعياري:
إضافة إلى تعزيز الممارسة الاتفاقية للمغرب من 2009 إلى 2013، نسجل بارتياح كبير مكتسبات المرحلة الأخيرة من خلال مساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مجال إبداء الآراء الاستشارية ، حيث ساهم المجلس برأيه الاستشاري في مشروع القانون رقم 01-12 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكيةو خاصة المادة 7 منه، خلال سنة 2012.
وفي نفس الإطار، أبدى المجلس رأيا استشاريا بطلب من رئيس مجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 12-19 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلق بالعمال المنزليين (شتنبر 2013)، بجانب مساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في النصوص المعيارية المؤسسة لعلاقته بالبرلمان. كما تقدم المجلس في غشت 2011 بمقترحاته المتعلقة بالقانون 30.11 الخاص بالملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات.
وهذا الجهد على المستوى المعياري يساهم بشكل كبير في تجويد التشريع الوطني، ويساهم في تقوية علاقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بمجلسي البرلمان، ويمكن من التنسيق المؤسساتي من أجل التكامل في العمل الاستشاري.
وهنا لا بد من التنويه بمصادقة مجلس النواب مؤخرا على مشروع قانون 12-125 بالموافقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومشروع قانون 12-126بالموافقة على البروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تعتبر خطوة حاسمة على درب استكمال مسار الانضمام إلى هذين البرتوكولين.
3- على مستوى السياسات العمومية:
إن التحولات المجتمعية العميقة المتمثلة في الانتقال الديمغرافي وتسارع وتيرة التمدن والرغبة الجامحة في ولوج عالم المعرفة، في أجواء عامة تتميز ببروز الشباب كفاعل محوري في الساحة الاجتماعية، يفرض على الدولة تحديات كبرى في مقدمتها التربية والتكوين والتشغيل والصحة، بجانب تحديات بيئية مرتبطة بالاستدامة.
وهو ما يقتضي العمل على تقليص الفوارق الثقافية بين المجال القروي والحضري وتحقيق العدالة المجالية وتعزيز حضور المرأة في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والإداري وتقوية مسار بروز الكائن الفرد.
ومن أولى التحديات الكبرى المرتبطة بهذه التحولات العميقة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة والمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. مما يتعين معه التسريع باعتماد مقاربة تؤصل للمساواة بين الجنسين، والتأكيد على مبدأ المناصفة، والمساواة بين الرجال والنساء، في الحريات والحقوق. كل هذا بجانب إعداد الإطار القانوني المرتبط بمكافحة العنف.
ويعتبر اعتماد مشروع القانون 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز الذيصادق عليه المجلس الحكومي في 19 مارس 2015، خطوة هامة في مسار تعزيز حقوق المرأة وإقرار المساواة بين الجنسين، بالرغم من الملاحظات التي أبديتحوله. والأمل معقود على البرلمان لإنصاف النساء والتعمق في الملاحظات المثارة حول المشروع والعمل على الأخذ بها.
كما يتعين الاسترشاد بمقترحات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في هذا الباب، وخصوصا منها المتعلقة بالنظام الأساسي للهيئة، وكذلك تلك المتعلقة بالإطار المعياري المتعين اعتماده في إعداد القانون والتدابير الحمائية والزجرية المرتبطة به.
وثاني الرهانات الأربعة المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة، تتمثل في مطلب تكريس ضمانات المحاكمة العادلة بما في ذلك الولوج إلى العدالة واستقلال السلطة القضائية ومكافحة التعذيب وضمان حقوق الأشخاص رهن الاعتقال، وتطوير المنظومة الجنائية خاصة عبر إدماج العقوبات البديلة ومراجعة الإطار القانوني للعفو.
ويرتبط الرهان الثالث بتدعيم وتقوية ضمانات الحريات العامة، وضمنها الحق في التظاهر السلمي وحرية الجمعيات وحرية الصحافة. وهو ما يقتضي مراجعة المنظومة القانونية المؤطرة للحريات العامة في أفق توسيع حرية ممارستها وتعزيز دور القضاء في حمايتها.
فيما الرهان الرابع مرتبط بتقوية الإطار القانوني ودعم السياسات العمومية في مجال ضمان حقوق الفئات الهشة (الأشخاص في وضعية إعاقة، الأطفال، المسنين، الأجانب، اللآجئين)
والتحدي المركزي الذي تلتقي حوله كل هاته الرهانات الكبرى يتمثل في تشجيع المشاركة المواطنة في آليات الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، والنهوض بأدوار المجتمع وبثقافة حقوق الإنسان وبالمنظومة التربوية والتكوينية كرافعة للمواطنة ولنشر ثقافة حقوق الإنسان.
ومن هنا تتضح أهمية التعجيل باعتماد الاستراتيجيات الوطنية للطفولة والإعاقة والشباب واعتماد قوانين للهجرة واللجوء ومكافحة الاتجار بالبشر، بجانب اعتماد الخطة الوطنية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، باعتبارها الضامنة للشمولية ولالتقائية السياسات العمومية في المجال الحقوقي.
أما بخصوص إدماج الحقوق الثقافية واللغوية في أجندة السياسات العمومية، فالملاحظ أن تأخر إصدار القانون التنظيمي المرتبط بترسيم اللغة الأمازيغية وإدراجها كلغة رسمية في مختلف المرافق والفضاءات العمومية، بجانب التأخر في إحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، باعتباره مؤسسة دستورية عهد إليها بالحرص على التنوع والوحدة، إضافة إلى تعثر تدريس الأمازيغية؛ وضعف التأطير والتكوين، بجانب عدم إيلاء الإعلام العمومي الأمازيغية المكانة اللائقة بها دستوريا… خلق تدمرا واستياء كبيرين و ولـٌـد مرارة مجتمعية جراء البطء الحاصل ونتيجة التعاطي غير الجدي مع الحقوق اللغوية والثقافية للمغاربة.
ونسجل كذلك أن الوضعية المقلقة لحجم انتشار العنف ضد النساء وارتفاع طلبات الإذن بالزواج دون سن الأهلية المحدد في 18 سنة وتشغيل الأطفال دون سن 18 سنة في تحد لحقهم في التعليم: كلها مظاهر سلبية تمثل تحديا حقيقيا لالتزامات الدولة المغربية.
كما أن محدودية اندماج النساء في سوق الشغل يقتضي مضاعفة الجهد لضمان التمتع الفعلي للنساء بكامل حقوقهن.والمغرب، باحتلاله الرتبة 129 من أصل 136 دولة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، لا يزال في مرتبة متأخرة في مجال الفوارق القائمة على أساس النوع.وهو ما يؤكد بطء تنفيذ مسلسل الحد من الفوارق بين النساء والرجال؛ كما أن مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تبقى جد محدودة.
وفي ارتباط بالتنمية المستدامة، يتعين اعتماد منظومة متكاملة تدمج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في إطار متكامل وحيوي ومتحرك باعتماد منظومة تربوية جيدة داعمة للمواطنة والمساواة والتنمية المستدامة وتعزيز دينامية النهوض بمكونات الثقافة الوطنية من منظور حقوق الإنسان، بجانب تأهيل المنظومة الصحية ضمان اللولوج إلى الخدمات الصحية واعتماد سياسة توفر الشغل وتكرس المساواة مع التوجيه الاجتماعي للسياسة السكنية.
من جهة أخرى، يستلزم رفع تحدي توسيع المشاركة المواطنة في آلية الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، التطبيق الصريح والحازم للمبادئ الأساسية التي تنبني عليها الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة (والتي ينص عليها الفصل 11 من الدستور)، بجانب اعتماد الحق في الوصول إلى المعلومة كشرط من شروط ممارسة المواطنة الحقة ، في انسجام وتناغم مع متطلبات ورهانات التحولات المجتمعية العميقة التي أفرزت نخبا شابة متعلمة ومتمدنة وتواقة للمعرفة وامتلاك المعلومة وتداولها.
وأخيرا، ففي مجال تكريس وتمكين التداول المعرفي التفاعلي بين عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان وعمل البرلمان بغرفتيه، يتعين على المؤسسة التشريعية إيلاء الاهتمام الكافي للمذكرات الاقتراحية والتقارير الموضوعاتية ولدراسات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتبارها مصدر إغناء وإثراء للعمل التشريعي المساهم في الانسجام والالتقائية والتعاون والتكامل المؤسساتي ضمن نموذج مجتمعي ديمقراطي وتنموي، فضلا عن كونه يمثل رأي النخب الخلاقة في البلاد ، ويسعى إلى بناء ضمير وطني يقود المجتمع السياسي إلى ما هو أفضل لتحقيق السلم والانسجام.