تدخل تدخل الاستاذ عبد اللطيف اعمو في المناقشة العامة لمشروع قانون المالية 2016

السيد الرئيس،
السيدات و السادة الوزراء،
السيدات و السادة المستشارون،
يسعدني باسم مجموعة العمل التقدمي، أن أساهم في المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2016، وهي مناسبة لمناقشة السياسة العامة والتقييم الإجمالي لها على ضوء التطور العام الداخلي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتفاعله مع المحيط الإقليمي والدولي، وهي مناسبة كذلك للتأكيد على أهمية توافق طبيعة وشكل مناقشة مجلس المستشارين لمشروع قانون المالية مع طبيعة هذا المجلس واختصاصاته بالأولوية حسب الدستور وتركيبته وطبيعة تمثيليته باعتباره امتدادا للهيئات الترابية .
ومن المفروض، أن تعكس دراسة مشروع قانون المالية انشغال هذه الغرفة وقضاياها الأساسية، وكل ما يتعلق بالتنمية المحلية اعتمادا على ما يتضمنه هذا المجلس من فعاليات في كل المجالات عبر تمثيلية رجال الأعمال والمقاولات والغرف المهنية والهيئات النقابية، هذا التميز في التركيبة والتمثيلية وكذا الموقع الدستوري لمجلس المستشارين، يقتضي تميزا في الأداء وانشغالا أكثر بقضايا الفئات الواسعة الممثلة داخل المجلس .
سيدي الرئيس،
إننا ونحن بصدد مناقشة آخر مشروع لقانون المالية في ولاية الحكومة الحالية، لا بد لنا أن نسجل صواب التوجهات الكبرى لهذا المشروع والمرتكزات التي فصلت في الوثائق المرفقة به، وكذلك المبينة في الخطاب التقديمي لوزير الاقتصاد والمالية أمام البرلمان بغرفتيه، ونتوقف كذلك على الأهداف الأربعة الرئيسية التي حددها المشروع والمتمثلة في :
1- الهدف الأول: يتمثل في الدعم التنموي من خلال التركيز على المخططات القطاعية، وأساسا محطات التوسع الصناعي ودعم المقاولة ودعم الاستثمار الخاص والحفاظ على الاستثمار العمومي بنفس المستوى الذي عرفته سنة 2015.
2- أما الهدف الثاني، فيشمل الاهتمام بالجانب الاجتماعي من خلال محاربة الفوارق المجالية والاجتماعية ودعم الفئات المعوزة وتلك التي توجد في وضعية هشاشة والتي لا يمكن إبعادها عن التضامن الوطني .
3- فيما يهم الهدف الثالث مواصلة الإصلاحات المهيكلة من خلال تفعيل القوانين التنظيمية للمالية، وتنزيل قوانين إصلاح منظومة العدالة والإصلاح الجبائي وإصلاح نظام المقاصة ونظام التقاعد، وتفعيل الجهوية المتقدمة .
4- أما الهدف الرابع، فيكمن في الاستمرار في الحفاظ على التوازن الماكرو – اقتصادي وارتباط هذه الأهداف التي نعتبرها استمرارا للأهداف المعلنة في قانون المالية لسنة 2015 .
نرى بهذا الخصوص، أن الحكومة تمكنت من إنجازات لا يمكن إنكارها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحافظت عموما على التوازنات الاقتصادية الكبرى، وعلى الحد الأدنى من السلم الاجتماعي، وواصلت أوراشا مهيكلة، وفتحت الباب أمام ثقافة جديدة في تدبير الشأن العام الوطني، وإنجاز عدد من الإصلاحات الضرورية الهامة.
لكنها في نفس الوقت، عجزت عن تحقيق عدد من الأهداف المعلنة، خاصة في مجالات الحكامة ومحاربة الفساد وإصلاح الإدارة والقضاء والتوزيع العادل للثروات وتحقيق العدالة الترابية والاستجابة لطموحات قطاعية واسعة .
وإننا نأمل، أن تجعل الحكومة من أهداف مشروع قانون المالية لسنة 2016، أداة قوية لتحقيق الإصلاحات والإنجازات النوعية، وأداة للتغلب على العراقيل والمقاومات التي تحد أو تنقص من المجهودات المبذولة والمشاريع الإصلاحية التي هي بصدد الإنجاز.
وفي جميع الأحوال، فإن توقع مشروع قانون المالية لتحقيق معدل نمو بنسبة 3 % سيبقى دون الطموح المعلن عنه في البرنامج الحكومي الذي نال ثقة البرلمان. إلا أنه في نفس الوقت، نرى أن تخفيض عجز الميزانية إلى 3.5 % يعبر عن مجهود كبير بالنظر إلى الظرفية الإقتصادية العامة، كما أن التحكم في نسبة التضخم (1.7 %) يعتبر مؤشرا نسبيا عن التطور الحاصل .
أما الاستمرار في رفع طموح خلق 26 ألف منصب جديد في الوظيفة العمومية وإرساء حجم الاستثمار العمومي في مبلغ 189 مليار درهم على نفس مستوى سنة 2015، وحصر المديونية التي وصلت إلى 64 % من الناتج الداخلي الخام و كتلة أجور في 106 مليار درهم، كلها تعبير عن عزيمة الاستثمار في مقاومة التحديات الظرفية والبنيوية القائمة .
1- الرفع من فعالية المؤسسة التشريعية:
وفي ظل هذه التوقعات، كنا ننتظر أن يتم وضعها في سياق التطور الوطني من أجل الرفع من فعالية المؤسسة التشريعية ومساهمتها في تحسين وتقوية أداة القانون المالي لضمان حسن تنفيذه من جهة، وإصدار قوانين تعبر عن الإصلاح الاقتصادي وتضمن تحقيق شروط التنافسية والتخفيض من كلفة الإنتاج وإعطاء التحفيزات التي تقدمها الدولة مضمونا تتحقق معه المردودية وتوسيع إمكانيات الشغل وامتصاص البطالة من جهة أخرى.
إلا أنه مع الأسف، نلاحظ الاقتصار والاكتفاء بتقديم مشروع القانون المالي في كل سنة أمام البرلمان، كأنه هو الأداة الوحيدة لتفعيل الاقتصاد الوطني.
والحال أنه إذا كان قانون المالية هو الأداة الأساسية في تنفيذ السياسات العمومية، فإن للحكومة أدوات أخرى لها تأثيرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ونسجل من ضمنها بهذا الخصوص :
– ضعف التشريع في المجال الاقتصادي والمقاولاتي وأنظمة الشغل وكل ما يرتبط به، باعتبار أن الحياة الاقتصادية بحاجة إلى تأطير قانوني لإعطاء المدلول الحقيقي والواقعي للشعارات والمبادئ التي كثيرا ما تستعمل في الحوارات دون أن تؤطر تشريعيا لضمان تحقيق الإبتكار والإبداع والتجديد، وكل ما تتطلبه التنمية الاقتصادية من جهد تشريعي إضافي بجانب الجهد المالي والسياسي .
وهذا الضعف هو الذي جعل مشروع القانون المالي يتسم ب :
– مظهر الاستمرارية بشكل أورتودوكسي سواء في منهج إعداد قانون المالية أو في طريقة بنائه، ومقاربته الوحيدة من منظور واجب التخفيف من الضغط الجبائي أو الرفع منه، ووضعه ضمن أولويات التوازن الماكرو- إقتصادي، حيث أن صياغته وتقديمه يوجب أن يتم إعداده خارج القانون التنظيمي للمالية الذي من المفروض أن يكون حدثا بارزا سواء في إعداد القانون المالي أو تقديمه أو مناقشه خلال هذه السنة .
وهذا الجانب يمكن القول بأنه غائب بقوة، وهو ما يمثل مظهر القصور على عدة مستويات، ويجعل الحكومة مهيمنة إلى درجة عدم إشراك البرلمان ليلعب دوره في تحقيق توازن الميزانية وفقا للمادة 77 من الدستور، مما جعل المبادرة التشريعية للبرلمان جد محدودة أمام التعديلات العديدة المقدمة، بحيث أن نسبة التعديلات المقبولة منها جد ضعيفة.
– إن هيمنة النفوذ الواقعي للحكومة على مسلسل صياغة القانون المالي، يجعل المناقشة تكاد تكون مجرد إجراء جزئي وشكلي، وفي كثير من الأحيان ذات طابع محلي، مما يؤكد غلبة الجانب التقنوقراطي لمشروع قانون المالية.
ولا يخفى عليكم، أن تغليب الجانب التقنوقراطي على حساب التوجهات السياسية في ميزانية المالية العمومية، لم يعد يتناسب مع مبدأ المسؤولية والمحاسبة، ويطرح مشكل الحكامة السياسية ويجعلها تحت منظور وزارة المالية التي يظل هاجسها الأساسي الحفاظ على التوازن الماكرو- اقتصادي والتقليص من عجز الميزانية من خلال المفاوضات الخاصة بالميزانيات القطاعية على حساب الوزارات الأخرى، مع تغييب واضح وبين للبرلمان طيلة السنة. إذا ما أضفنا إلى ذلك إشكالية ضعف التشاور داخل مكونات الأغلبية وداخل الحكومة نفسها خلال التحضير لمناقشة قانون المالية .
ونتمنى أن يكون دخول القانون التنظيمي للمالية – الذي يمثل ويحدد شروط تحضير ومناقشة وتنفيذ الميزانية – حيز التنفيذ، فرصة داخل البرلمان لتوسيع النقاش والمشاركة بالشكل الذي يضمن مراجعة جذرية للطريقة التي يتم بها تحضير وتنفيذ الميزانية .
لذلك، فإننا بحاجة إلى تفعيل القانون التنظيمي للمالية من أجل تعزيز الحكامة الديمقراطية التشاركية.
2- النمو الإقتصادي :
إن من الأهداف الأولى التي أكد عليها مشروع القانون المالي، دعم النمو من خلال التركيز على المخططات القطاعية، وأساسا المحيط الصناعي ودعم المقاولات ودعم الاستثمار والحفاظ على الاستثمار العمومي في مستوى مرتفع. وهو ما يعد إشارة قوية تجاه الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بخصوص تصور الحكومة للظرفية العامة ومحددا لحجم المجهود العمومي وطموح الحكومة خلال السنة المالية، مع جعل قانون المالية الضابط للمؤشرات الاقتصادية الأخرى وعلى رأسها التشغيل والإنتاج، وهذا ما جعلها تحدد هدف النمو الاقتصادي في 3 %.
وهذا ما يجعل على كاهل الحكومة عددا من الالتزامات من جملتها:
1- تسريع وتيرة النمو الاقتصادي المنتج لفرص الشغل، وذلك من خلال العمل على الرفع من نسبة تنفيذ برامج استثماراتها والمبادرة إلى حل الإشكالات المعيقة للنمو، سواء تعلق الأمر بالإشكالية العقارية أو الإشكالية الجبائية أو إشكالية الإدارة ومساطرها ومعيقاتها، بجانب تحسين مناخ الأعمال ومراجعة كل التشريعات التي أصبحت لها علاقة بالإنتاج وكلفته وتقويم وتأهيل المقاولة وتنشيط الشغل.
2- رفع التحدي لجعل الاختيارات الاقتصادية الممنهجة طوال الأربع سنوات الماضية، والعمل على الرفع من تأثيرها بشكل إيجابي على المنتوج الاقتصادي الوطني وحجم مفعولها في تقليص الهشاشة البنيوية للاقتصاد الوطني في أفق وضع معالم نموذج اقتصادي تنموي ومندمج حقيقي، يجعل نهضة الإنسان وتطوره محورا له وهدفه الأساسي.
لكن السؤال المطروح هو: هل تتوفر الحكومة على إمكانيات رفع هذا التحدي في سنة مالية ذات طابع انتخابي بامتياز، وهو ما يستلزم مجهودا مضاعفا وإراديا من طرف الحكومة، على الأقل من أجل الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها وعدم التردد، والتحلي بالإقدام في تحمل المسؤولية وعواقبها، خصوصا لما يتعلق الأمر بالإصلاحات ذات الطابع الاستعجالي، كإصلاح صندوق التقاعد، امتدادا للثقة التي تم التعبير عنها في انتخابات 4 شتنبر الماضي، حتى لا يتوقف إيقاع النمو الاقتصادي بسبب التحضير للإنتخابات.
والملاحظ أنه رغم حجم الاستثمارات الاقتصادية الذي وصل إلى مبلغ 189 مليار درهم، إلا أن نتيجة الإنجاز لا تسير بالوتيرة والفعالية المطلوبتين .
والمشكل المطروح على مستوى صرف الإعتمادات، هو الاهتمام بالطابع النوعي للاستثمار، إذ تنعكس أثاره بشكل حقيقي وفعلي على حياة المواطنين مع الحرص على تحقيق الإندماج بالارتباط مع المسألة الجهوية واللآتمركز، إذ أن هاجس الاستثمار النوعي مطروح بحدة خصوصا في ارتباط الاستثمار بخلق فرص الشغل، وهذا له ارتباط عضوي بالجانب الاجتماعي .
إن أهمية الاستثمارات تطرح إشكالية نوعية في عدم قدرتها على خلق مناصب الشغل بالشكل الكافي وبالجودة المطلوبة، فالبطالة في تصاعد: وبدل أن تنخفض – كما هو معلن عنه إلى 8% – من المتوقع أن ترتفع إلى حدود 10.2% في سنة 2016.
وعلى المستوى الاقتصادي، يعتبر العقار أكثر القطاعات جاذبية للاستثمارات الأجنبية بالمغرب بمبلغ 30% (10.8 مليار درهم)، لكنه من القطاعات الاجتماعية التي تخلق فرص الشغل ضئيلة وموسمية.
وهنا لا بد من إثارة الانتباه، إلى عدد كبير من الإعفاءات الجبائية لم تأخذ بعين الاعتبار ضرورة التأكد من أن هذه الإعفاءات تعود فعلا بالجدوى الاجتماعية، ودون الضبط أو المتابعة الدقيقة لانعكاساتها الإيجابية المطلوبة والمتوقعة على صعيد التشغيل أو دعم القدرة الشرائية للمواطنين.
لذلك، نرى أنه يتعين تسريع وتيرة الإنجاز، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب التنموي لضمان مردودية قصوى للاستثمارات، وجعلها ذات آثار ملموسة على الحركة الاقتصادية وعلى ظروف عيش المواطنين.
3- السياسات الإجتماعية وضرورة تطويق الخصاص الإجتماعي المهول :
شكلت القطاعات الاجتماعية رهانات إستراتيجية ضمن أهدافها ومنطلقا معبأ للحكومة، وهذا ما يتجلى من خلال :
1- إطلاق مشروع كبير يهم إنجاز 20800 مشروع في المناطق القروية من المتوقع أن يستفيد منه 12 مليون نسمة موزعين على 24290 دوارا ، بميزانية إجمالية قدرها 50 مليار درهم موزعة على 7 سنوات.
2- الرفع من ميزانية وزارة الصحة من 8 مليارات في سنة 2008 إلى 14 مليار درهم في سنة 2016، مع العزم على ضمان استدامة “صندوق دعم التماسك الاجتماعي ” بما في ذلك تمويل نفقات “راميد” التي تجاوزت 8.5 مليون مستفيدا .
3- الرفع من عدد المستفيدين من المنح الجامعية في التعليم العالي، ليصل عددهم 330 ألف طالب مقابل 280 ألف طالب في سنة 2012 ضمنهم 250 ألف يستفيدون من التغطية الصحية.
4- إعطاء الانطلاقة لسياسة جديدة في مجال السكن وسياسة المدينة مكنت من إدماج المقاربات المجالية والثقافية والبيئية في برنامج البناء وهيكلة المدن وتجديد النسيج العمراني والتحكم الديموغرافي ومحاربة مدن الصفيح والعناية بالتراث المعماري والذاكرة .
ونسجل بارتياح كبير، انطلاق العمل بنظام مساعدة المطلقات ومساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والتغطية الصحية لطلبة الجامعة.
و تبقى قضية تدبير الموارد البشرية مطروحة بقوة، ففي قطاع الصحة، أحدثت الحكومة 2000 منصب جديد، وهو عدد غير كاف بالنظر للعجز المزمن للموارد البشرية في هذا القطاع الذي يحتاج إلى 8 ألاف طبيب و 9 ألاف ممرض وممرضة خصوصا في العالم القروي. وإشكالية العجز في الموارد البشرية مطروحة كذلك وبنفس الحدة في مجال التعليم، وهو ما يحتاج إلى رؤية إستراتيجية متعددة السنوات لمعالجة إشكالية الوظيفة العمومية وإشكالية المرفق العام بصفة شمولية.
ونحن في مجموعتنا، نرى أن تعزيز الفضاء العام وتقويته هو الكفيل بتفعيل مبادئ المرفق العام المتمثلة في المساواة والاستمرارية وتيسير الولوجية لجميع المواطنين حتى نضمن حقا يكفله الدستور .
فعلى الحكومة أن تبدل المزيد من الجهد للرفع من مستوى السياسات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية باعتبار أن هاجسها يقع أساسا على عاتق الأفراد ذوي المقومات المعرفية والمسلحين بالقدرة على الإنتاج والادخار ليسمح لهم بتفعيل التضامن وضمان التكافل الاجتماعي، وعند تعثر المعادلة بين المال والعمل يحصل التراجع.
ومن هذا المنطلق، نرى أن الإصلاح لا يجب أن يتم على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، سواء تعلق الأمر بالمواد أو بالخدمات العمومية، ونعتبر عكس ما يقترحه مشروع قانون المالية بخصوص تذاكر القطار، والمرور من 14% إلى 20% أمر غير مقبول، ويستحسن من منظورنا أن يخفض هذا السعر إلى 10 % تشجيعا للقدرة الشرائية للمواطنين وتحفيزا على استخدام وسيلة نقل صديقة للبيئة.
4- الجهوية:
يعتبر ورش الجهوية بصيغته الجديدة (القوانين التنظيمية للهيئات الترابية) المميز الأقوى – بجانب انطلاق المشروع الجديد للتنمية القروية – لمشروع قانون المالية لسنة 2016، وذلك بعد دخول القانون التنظيمي للهيئات الترابية حيز التطبيق، وانتخاب المجالس المحلية والجهوية وهيكلة أجهزتها التي ستشرع في التنفيذ الفعلي للصلاحيات الجديدة المخولة لها. وهو ما يتطلب بناء علاقة جديدة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالخصوص العلاقة التي يتعين أن يكون لها امتياز بين مجلس المستشارين والحكومة في كل ما له صلة بقضايا التنمية المحلية و الجهوية، وما له ارتباط بالبناء الجهوي للمملكة: علاقة تحكمها الغايات المسطرة في الدستور والقوانين التنظيمية للهيئات الترابية من أجل انطلاق نهضة تنموية شمولية داخل البلاد بكل مقوماتها وثرواتها المادية واللآمادية تجعل الإنسان محورا لها وهدفها الأسمى بقصد الارتقاء إلى مركز الإقلاع والتأثير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في عالم تحكمه قوانين وهواجس لا حد ولا حدود لها.
لقد كان من المفروض، أن يكون مشروع القانون المالي مؤشرا لهذا المستجد في الحياة العامة للبلاد، باعتبار أن النظام الجهوي يشخص هندسة جديدة في هيكلة الدولة ويقربها أكثر من المواطنين، الذين أصبحت لهم مسؤولية في تدبير شؤونهم وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بكل استقلالية وبروح وطنية مسؤولة.
ولا بد هنا، أن نعلن بكل إكبار الخطوة الجبارة الأولى لانطلاق نظام الجهوية الموسعة انطلاقا من الأقاليم الجنوبية وخصوصا بالأقاليم الصحراوية، بإعلان جلالة الملك عن مشروع تنموي جهوي مندمج، تصل متطلباته المالية في المرحلة الأولى إلى مبلغ يزيد عن 77 مليار درهم يشمل الجهات الثلاثة للأقاليم الجنوبية كنموذج لمدلول وغايات التنمية الجهوية المندمجة.
إن الإعلان عن افتتاح ورش الجهوية، يعبر عن رغبة قوية في تحقيق التنمية النموذجية المستدامة المترجمة للرغبة في الحد من الإختلالات المجالية بين الجهات وتحقيق عدالة ترابية وتنمية مندمجة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية .
كما سجلنا بإيجاب ما ورد في تقديم السيد وزير المالية والاقتصاد لمشروع قانون المالية عن عزم الحكومة في تفعيل القوانين التنظيمية للجهة وباقي الجهات الترابية، وسجلنا بعض الإجراءات للرفع من التحويل الذاتي للجهات وما تم رصده لها داخل مشروع الميزانية الحالية .
لكن الملاحظ، أن مشروع قانون المالية لسنة 2016 ما زال يكرس التفاوتات البنيوية و المجالية منها والاقتصادية والاجتماعية، حيث تستحوذ أربعة جهات ضمن 12 على 80 % من الاستثمارات العمومية وعلى 13.59% من مجموع المشاريع الاستثمارية .
كما تستحوذ لوحدها على 221.174 من مناصب الشغل المحدثة برسم سنتي 2014-2015، كما تستأثر نفس الجهات الأربعة على 63.05 % من المساحة الإجمالية للعقار العمومي المعبأ للاستثمار، وتضم 61.63% من مجموع الموارد البشرية المتاحة للجهات.
يمكننا القول من الآن، أن ما تم رصده من الموارد برسم السنة المالية 2016 من خلال الميزانية العامة للحكومة بموجب مشروع القانون المالي يبقى غير كاف للاستجابة للمتطلبات المستعجلة لانطلاق أجهزة الجهات وتفعيل أدائها .
إذ أن حصيلة 4 مليار درهم كمجموع ما خصص للجهات الإثني عشر (12) يبقى دون المستوى، مقارنة مع التحديات الكبرى التي يمثلها إنجاح مشروع النظام الجهوي المتقدم .
ولقد مر الآن على انتخاب مجالس الجهة وهيكلة أجهزتها ما يزيد عن شهرين، دون أن نعرف أي شيء عن المراسيم التطبيقية التي يتوقف عليها وضع أنظمة تسييرها ووضع عناصر وقواعد إقامة مخطط التنمية الجهوية والمخططات المديرية لإعداد التراب الجهوي، فضلا عن مطلب وضع الموارد البشرية الكافية والضرورية وإعادة انتشار موظفي الدولة والهيآت الترابية للمملكة، ناهيك عن الأجهزة الأخرى المواكبة والمؤطرة لعمل الجهات كوكالات التنفيذ وهيـآت تفعيل برامجها ونظام قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر، وكذا مراقبة تدبير الصناديق ونظام تقييم الأعمال وبرامح المحاسبة وكل القوانين الواردة في الفصل 146 من الدستور .
فالحكومة مدعوة لتقليص الفوارق بين جهات المملكة من خلال التوزيع العادل لثروات البلاد بين 12 جهة، وتفعيل التضامن من خلال تحويل الموارد انطلاقا من الحاجيات الحقيقية للجهات وتفعيل مبدأ الإنصاف الترابي، وهو ما يتطلب الإسراع في تنفيذ الأغراض التي أنشأ من أجلها صندوق التضامن الجهوي بين الجهات وصندوق التأهيل الجماعي المنصوص عليهما في الفصل 142 من الدستور.
وفي هذا المجال، فإن على مجلس المستشارين أن يبادر إلى تشخيص الكيان الجهوي بشكل متقدم يضمن تعزيز مشروعية الدولة في تدبير المجال الترابي وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وحماية البيئة وتعبئة الموارد المحلية. وهو أمر يستلزم الإقدام على إصدار التشريعات للقيام بإصلاحات قانونية ومؤسساتية ومالية ومجالية ترتبط بقدرة الجهة على برمجة مشاريعها التنموية وفق مقاربة تنموية تشاركية استراتيجية تضع أهدافا واضحة لتطوير الاقتصاد الجهوي وتأهيل التموقع الفعال للمجال الجهوي داخل الأسواق الدولية، بهدف جلب الاستثمارات الصناعية والتجارة والسياحية .
5- صندوق التنمية القروية:
لقد جعل خطاب العرش في 30 يوليوز 2015 من إحداث “صندوق التنمية القروية” مطلبا اجتماعيا ومجتمعيا ملحا في ظل استمرار الهشاشة والفقر والإقصاء الاجتماعي .
ولا شك أن الحكومة وضعت مخطط عمل مندمج يقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية وتوفير الوسائل التمويلية الأساسية للورش الاجتماعي الطموح بهدف تحسين أوضاع المواطنين في وضعية هشاشة في المناطق النائية والمعزولة وفق جدول زمني دقيق أقره مشروع قانون المالية 2016 في المادة 30 الخاصة بصندوق التنمية القروية .
وهنا لا بد أن نسجل بإيجاب مبادرة خلق صندوق التنمية القروية الذي سيخصص له غلاف مالي يصل إلى 55 مليار للسبع سنوات القادمة من أجل معالجة الإشكالات المرتبطة بالعالم القروي وإخراج 24000 دوار من واقع الهشاشة والعزلة.
وانطلاقا من مبدإ الحق في الولوج إلى المعلومة، نتمنى أن يتم تمكين البرلمانيين وممثلي الأمة من محتوى الدراسة التي قامت بها وزارة الداخلية، والتي شملت كل جهات المملكة، حيث تم تحديد أزيد من 29 ألف دوار، في 1272 جماعة وأكثر من 24 ألف دوار تعاني من الخصاص، حتى يتمكن البرلمان من متابعة ومواكبة هذه المشاريع، في إطار المراقبة البرلمانية للجهاز التنفيذي.
ويهمنا أساسا في مجموعة العمل التقدمي إنجاز المشاريع المعلن عنها في إطار صندوق التنمية القروية وضمان استفادة الساكنة القروية من ثمار النمو، وعلى هذا الأساس تقدمت المجموعة بمقترح قانون يرمي إلى إنشاء هيئة وطنية خاصة بالتنمية القروية.
6- الإصلاح الجبائي :
وكيفما كان مستوى الإصلاح الجبائي الذي لم يظهر إلا بشكل خافت من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2016 على غرار القوانين المالية السابقة، فإن توصيات المناظرة الوطنية ما زالت لم تعرف طريقها إلى التشخيص والتنفيذ، لا من خلال القوانين المالية والمراسيم التنظيمية المتعلقة بتنظيم الاقتصاد وإنعاش الشغل، ولا من خلال الممارسة الإجرائية والتنفيذية والإدارية في تدبير المالية العمومية، فيبقى بذلك إصلاح النظام الجبائي وإعادة هيكلته مطلبا قائما وملحا من شأنه أن يعزز ثقافة الملك العمومي المشترك لدى كافة المغاربة ويدفعهم إلى المشاركة في الأعباء العمومية وإنعاش المواطنة وتحقيق نسبة عليا من الثقة و العمل في المستقل .
ولا نظن أن الإلتجاء إلى الأساليب التي لن تضيف إلا المزيد من البطء وإثقال كاهل الملزمين كإجراء رفع أجل التقادم إلى 10 سنوات أو التقدير في تشديد العقوبات الجبائية وغير ذلك من الإجراءات التي لا نعتقد أنها قد تكون مفيدة .
ذلك أن من المنطلقات الأساسية للإصلاح الجبائي أن لا وجود لتناقض بين مبادئ العدالة الاجتماعية والجبائية وقضية النجاعة الاقتصادية والمردودية المالية. فكلما كان النظام الجبائي عادلا، كلما تحسنت المردودية المالية.
ولدينا مشكل حقيقي مرتبط بالتملص الضريبي. ذلك أن 60 % من الشركات تعلن عجزها الدائم. وأغلب المداخيل الجبائية تؤديها نسبة قليلة من الشركات. وهذا ليس عادلا.
والأكيد أن تفعيل توصيات المناظرة الوطنية حول الجبايات التي انعقدت سنة 2013، والتي ما زالت حبرا على ورق، من شأنه أن يرفع من مستوى الإصلاح في هذا المجال.
كما أن ترشيد النفقات الجبائية التي تستنزف ميزانية الدولة، واعتماد تقييم حقيقي حول مدى نجاعة هذه النفقات، أمر ضروري.
وتشكل النفقات الجبائية المرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة حصة الأسد بالنسبة لباقي الضرائب بنسبة44,57 % متبوعة بالضريبة على الشركات بنسبة 20,89 %
وفي غياب أي دراسة تقييمية دقيقة مع اعتماد دفاتر التحملات يصعب تدقيق مدى فعالية وجدوى هذه النفقات وضبط الأهداف المتوخاة منها. فالبيانات الموثوقة والمفصلة بشكل كاف تسهل الرؤية وفهم السياسة الاقتصادية العامة. في نفس الوقت، فهي تسمح بالحكم على درجة مصداقيتها وأهميتها.
7- إصلاح نظام المقاصة:
بقدر ما تشكل السنة المالية 2016 منعطفا لتحصيل النتائج المالية من خلال تفكيك منظومة المقاصة خصوصا في شقها المتعلق بدعم المحروقات وبالخصوص في نطاق استغلال الظرفية الإيجابية التي واكبت إلغاء دعم استهلاك المواد النفطية، وما ترتب عنها من إجراءات المواكبة للدعم الاجتماعي، فإنه لابد من التأكيد على أن صندوق المقاصة يعتبر مكسبا تاريخيا للشعب المغربي.
وأن إصلاحه يجب أن يستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات على مستوى المساهمة المنصفة في تحمل كلفة الإصلاح، مع إدماجه ضمن إصلاح شامل للسياسات العمومة الاجتماعية، دون أن تستشعر المواطن المستهدف بالدعم، بأنه أصبح يثقل على كاهل المجتمع .
فالتفكير في رفع الدعم على ما تبقى من المواد الأساسية كالسكر يجب أن يكون حذرا في ظل الإرهاصات الظرفية التي لم توفر بعد ما يكفي من الضمان لاستمرار السلم الاجتماعي كما كان عليه.
8- إصلاح نظام التقاعد:
تسجل مجموعة العمل التقدمي التأخير الملموس الحاصل على مستوى أصلاح أنظمة التقاعد، وما قد يترتب عنه من مخاطر محدقة بالمالية العمومية، وما يهدد في العمق استدامة المالية العمومية وضمان الحقوق الأساسية للموظفين والأجراء حاضرا ومستقبلا.
ولم يظهر من خلال مشروع القانون المالي لسنة 2016 إقرار إجراءات عملية تساعد كافة المستفيدين من أنظمة التقاعد لما يحقق حدا من الحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية .
كما أنه لا يتضمن ما من شأنه أن يسد الفراغ الحاصل من خلال التأخير في أصلاح صناديق التقاعد.
ونظن أنه لم يعد هناك مجال للتردد وربح المزيد من الوقت، بل هناك حاجة إلى الحسم بشكل قطعي من أجل استدراك ما قد يحصل من هفوات ومخاطر على مصالح المقبلين على التقاعد.
ونرى أنه لا بد من الحسم في هذه المسألة في أقرب الآجال، حتى يتوقف النزيف الذي أصبح ينخر جسم صناديق التقاعد، وبالخصوص “الصندوق المغربي للتقاعد”.
تلكم سيدي الرئيس، السيدات والسادة الوزراء، السيدات والسادة المستشارون، بعض القضايا التي إرتأينا التركيز عليها في هذا التدخل دون أن يعني ذلك إهمالنا لعدد من القضايا الأخرى التي كان بوسعنا إبداء وجهة نظرنا حولها، والتي عبرنا عن آرائنا بشأنها من خلال مناقشتنا وتدخلاتنا في كافة اللجن القطاعية المتخصصة، وغرضنا هو أن نساهم في تأطير وتحسين مشروع مالية سنة 2016 الذي نعتبره قنطرة مفصلية في المرحلة الانتقالية التي نعيش سنتها الأخيرة بعد استكمال كل الهياكل المتعلقة بتنزيل الدستور.
وغرضنا هنا هو التعبير عن آرائنا وملاحظاتنا ومقترحاتنا من أجل إغناء هذا المشروع وتوفير كافة الشروط لحسن تنفيذه في أحسن الظروف وفي أفضل الأجواء .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته