حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب يؤكد على الدور المحوري للقطاع البنكي، وفق رؤية جديدة للانخراط في مسلسل التنمية الاقتصادية

في كلمة للنائبة البرلمانية فاطمة الزهراء برصات باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب.

أثناء اللقاء الدراسي المنعقد بمجلس النواب يوم الأربعاء 22 يناير 2020 حول موضوع: “تمويل الاقتصاد الوطني: نحو تنمية إدماجية”

السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛

السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم؛

السيد وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة المحترم؛

السيد والي بنك المغرب المحترم؛

السيد رئيس المجموعة المهنية للبنوك المغربية المحترم؛

السيد رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب؛

السيدات والسادة البرلمانيون المحترمون؛

الحضور الكريم؛

يشرفني أن أتناول الكلمة باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية في إطار مساهمتنا في هذا اللقاء الدراسي حول “تمويل الاقتصاد الوطني. نحو تنمية إدماجية” وهو من المواضيع ذات الراهنية لما يكتسيه من أهمية قصوى في خضم إقبال بلادنا على نموذج تنموي جديد.

إن تحقيق نمو اقتصادي وطني سريع ومضطرد، يمر بالضرورة عبر توفير وسائل للتمويل، لذا ينبغي الاعتمادُ بالأساس على تعبئة مواردنا الذاتية، وعلى المقومات والقدرات الاقتصادية، التي يمتلكها المغرب، والاهتمام بشكل أكبر بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتشغيل والمقاولات الذاتية، التي تعد من بين الروافد الأساسية للتنمية في عدد من الاقتصاديات الصاعدة، تفاديا لإغراق البلاد في الديون الخارجية، باستثناء الاستثمارات الخارجية المباشرة، وهــــــــو ما يستوجب ضخ دينامية جديدة في بورصة القيم وإصلاح السوق المالية، وتبسيط مساطر التمويل والمبادرة إلى إنشاء مؤسسة ائتمانية عمومية يُعهد إليها بتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا.

ومن ثمة فإن اقتصادنا، يتعين أن يقوم على دور استثماري وتأطيري وتوجيهي أساسي للدولة، في إطار التكامل والشراكة مع القطاع الخاص، ضمن تخطيطٍ استراتيجي يوضح، بشكل غير جامد وقابل للتكيف، الآفاق والأهداف التنموية ودور مختلف الفاعلين وآجال الإنجاز، للتحكم في عنصر الزمن الذي يتعين استحضار أهميته على الدوام.

وفي سياق هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كأحد أوجه التمويلات المبتكرة الناجعة، يتعين التسريع من وتيرة إنجاز المشاريع والإصلاحات الاقتصادية الأساسية، ومواكبتها بإعطاء الدفعة اللازمة لإصلاح القضاء والإدارة، والحرص على نزاهة وشفافية القرار الاقتصادي، والعمل على تقوية القطاع الخاص على أسس متينة، وعلى أساس المسؤولية الاجتماعية للمقاولة وتقديم الخدمة العمومية، كما يجب أن تقوم هذه الشراكة على أسس الثقة المتبادلة لإرساء آليات دائمة وداعمة لتشجيع الاستثمار المنتج للثروة ولفرص الشغل.

ويتعين اليوم على بلادنا، أن تعطي أهمية كبرى للشراكة بين القطاعين العام والخاص، كآلية من آليات التمويلات المبتكرة، التي تعتمدها ما يزيد عن 50 % دولة في العالم، لما لها من دور في دعم وتسريع التنمية المجالية بشكل متجانس، وتقوم على تقاسم الكلفة والمخاطر بين القطاع العام والخاص، وكذا الاستفادة من النجاعة والديناميكية المتواجدة بالقطاع الخاص، وتوسيع الخدمات والعروض وتسريع التنمية.

اقتناعُنَا، إذن، راسخٌ في أن للدولة دورا محوريا في بناء اقتصاد وطني منتج ومدمج، نظرا لضعف نُضْجِ الرأسمال الوطني الذي، على الرغم من أشكال الدعم المختلفة التي يتلقاها من الدولة، لازال يتوجه أساسا نحو النشاط الاقتصادي المرتبط بالعقار والفلاحة والبناء والسياحة والخدمات، ولا يَجْرُؤُ على المجازفة، إلا نادرا، في المجال الصناعي، ولا ينخرط في الممارسات التنافسية إلا لِمَامًا، كما لا يُحْسِنُ الاستفادةَ من الأسواق التي تفتحها أمامه اتفاقيات التبادل الحر.

وفي هذا الإطار، يتعين الاعتراف كذلك بأن الاستثمار العمومي الذي بلغ مستوياتٍ مرتفعةً بفعل الحجم الهائل للخصاص الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، لم يتمكن من إفراز وتيرة نمو في مستوى الانتظارات والتطلعات، وذلك بسبب كَوْنِ عددٍ من السياسات العمومية في الواقع تغذي نظام الريع بجميع أشكاله وتمظهراته، لا سيما عبر آلياتِ الدعم التي تُخْطِئُ الاستهدافَ الاجتماعي المُفترض أنه جَوْهَرُ وغايةُ هذه السياسات.

كما نعتقد أيضا، أنه يتعين، بشكلٍ أَوْلَوِي، استحضارُ البُعْدِ الإيكولوجي في الإنتاج الاقتصادي، والاعتمادُ أكثر فأكثر على الفرص التي يتيحها كل من الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري والاقتصاد الأزرق، مع الاستمرار بشكل إرادي في الاعتماد على الطاقات المتجددة، والحفاظ على ثروات بلادنا، وصيانة حقوق ومستقبل الأجيال القادمة، خصوصا ما يتعلق بمواردنا المائية وثرواتنا البحرية وغطائنا النباتي.

ويظل الإصلاح الجبائي من أهم المداخل لتمويل الاقتصاد، فضلا عن دوره في إعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، مما يستوجب توسيع الوعاء، ومحاربة الغش والتملص الضريبيين، وإعمال مبدأ مساواة المواطنين أمام التحملات العمومية تطبيقا للمقتضى الدستوري.

كما تعول بلادنا على الدور الوطني والمحوري، الذي يمكن أن يلعبه القطاع البنكي، وفق رؤية جديدة للانخراط في مسلسل التنمية الاقتصادية وتمويل الاقتصاد الوطني، من خلال تيسير وتسهيل الولوج إلى التمويل لدعم المشاريع والمقاولات، خاصة وأن القطاع البنكي ببلادنا أتبث صلابته ومناعته ضد التقلبات الاقتصادية ويتبوأ مكانة هامة على الصعيد الإفريقي، ويساهم في دعم وصمود الاقتصاد الوطني. وهو ما أكده الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الحالية، بحيث وجه دعوة صريحة لهذا القطاع من أجل المزيد من الانخراط الإيجابي في دينامية التنمية، التي تعيشها بلادنا، لاسيما تمويل الاستثمار، ودعم الأنشطة المنتجة والمدرة للشغل والدخل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته