حسن أومريبط : منظومة التربية والتكوين في آخر أنفاس الولاية الحكومية حصيلة مخيبة لشعارات الدولة الاجتماعية.
تعقيب
فريق التقدم والاشتراكية
في جلسة الأسئلة الشفوية الموجهة للسيد رئيس الحكومة
حول موضوع: الاختيارات الحكومية لتعزيز منظومة التربية والتكوين في بناء المغرب الصاعد
الاثنين 08 يونيو 2026
السيد الرئيس؛
السيدات والسادة النواب؛
السيد رئيس الحكومة؛
قبل البداية، نتمنى لِجميع بناتنا وأبنائنا النجاح والتوفيق في امتحانات الباكالوريا، وفي باقي الامتحانات الإشهادية؛
وهي مناسبة، لنؤكد على أن إعمالَ المراقبة التربوية خلال الامتحانات هي أمرٌ طبيعي، لكن يتعين أن تخضع لمعايير بيداغوجية راقية تبعثُ، عوض إشاعة الجوِّ المشحون والــــــمُربِـــــــــــك، من خلال أساليب وأدوات خَشِنَة ومُزعجة داخل فصول الاختبارات؛
كما أنها مناسبة لتوجيه التحية إلى كافة نساء ورجال التعليم، بجميع فئاتهم، على تضحياتهم الجبارة، في سبيل تكوين وتأهيل الإنسان المغربي…..
السيد رئيس الحكومة؛
إننا، ونحن نناقش أوضاع منظومتنا التعليمية، في آخر أنفاس هذه الولاية، نؤكد، في فريق التقدم والاشتراكية، على أنَّ التعليم هو مسألة مجتمعية مصيرية، لها تداعيات اقتصادية واجتماعية وثقافية… وهو أيضاً مسألة فردية حاسمة من حيثُ الارتقاء الاجتماعي؛
كما نؤكد على أن التقدم والاشتراكية سيظلُّ حاملاً لِــــلِوَاء الدفاع عن مدرسة عمومية مجانية، تُقدِّمُ الجودة، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص…. انطلاقاً من كوْن التعليم يندرج ضمن الخدمات العمومية الأساسية التي لا تقبل التَّبضيع؛
ولذلك، فإن منظومتنا التعليمية، لكي تتجاوز دوَّامة “إصلاح الإصلاح”، فهي تتطلبُ البناء على التراكُم، وعلى الإشراك، عوض منطق القطيعة والانفراد بالقرار….الذي اعتمَدَته هذه الحكومة؛
على العموم، وإنْ كنا نسجل لهذه الحكومة بَـــعضَ إيجابيات، إلاَّ أنَّ الصورة العامة التي سيحتفظ لها بها التاريخُ، هي غلاءُ أسعار كل شيء…. من أضاحي العيد…. إلى اللحوم والخضر والفواكه، إلى الكُتب واللوازم المدرسية… بما أثقل كاهل الأسر المغربية بشكلٍ غير مسبوق سيبقى محفوراً في الذاكرة لأجيالٍ واجيال؛
وسيتذكر التاريخُ لهذه الحكومة أنه، في عهدها، شهدت الساحة التعليمية أضخمَ وأطول احتجاجاتٍ لنساء التعليم، دفاعاً عن حقوقهم المشروعة؛
مثلما سيتذكر التاريخُ خُروجاً عريضاً ضِدَّها لشباب الجيل الجديد، وللطلبة، ولأساتذة التعليم العالي، للاحتجاج ضد اختياراتها؛
اختياراتٌ لا نجدُ تعليقاً أكثر بلاغةً عليها من كلام السيد الوزير حين خاطَبَ الأُسَرَ المغربية بقوله السوريالي “عليكم البحث لأبنائكم عن المدارس التي تُــــقدّم الجودة، وعليكم تَــــقْريب الدوار من المدرسة، وليس تقريب المدرسة من الدوار“!!!.
إننا نعلم أن هذه الحكومة تفتخر بزيادة الاعتمادات المالية المخصصة للتعليم… ممتاز، علماً أن ميزانية التعليم مُقَدَّرٌ لها أن ترتفع في كل سنة منذ الاستقلال إلى اليوم….لكن العبرة بالنتائج وليس بالوسائل…. لأن الملاحَظ هو أن أموالاً عامة ضخمة أصبحت تُصرفُ على برامج ومشاريع التعليم، لكن للأسف دون أثَرٍ ملموس، مما يطرحُ مسألة الحكامة بحِدَّة… ومما لا شك فيه أن الأمر يتطلب تقديم الحساب في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة؛
وعلى ذِكْرِ الحكامة، فإننا نريد من الحكومة أنْ تفسِّر للرأي العام التعليمي، والوطني، خلفيات الإعفاءت والتعيينات بالجملة التي لجأت إليها الوزارة في المدة الأخيرة…. فإذا كان السبب هو فشل المسؤولين الإداريين السابقين، بهذا العدد الكبير، فذلك يعني أنَّ المشروع الحكومي في التعليم قد فشل… وإذا كان المشروع الحكومي قد نجح فسيكون من التناقض إعفاء كل هؤلاء المسؤولين؛
ثم إنَّ ما سيُصلِحُ أعطابَ تعليمنا، ليس المال فقط، بل كيفيات توزيعه… ثم إنَّ الأمرَ يتطلبُ تعبئةً مجتمعية شاملة، وهو ما لا تستطيعُ القيامَ به سوى حكومةٌ سياسية حقيقية، ذاتُ مصداقية شعبية كافية، قادرة على الإشراك والإنصات والإقناع.
على مستوى المنجز الفعلي، نعم، هذه الحكومة أخرجت بعض القوانين المتفرعة عن القانون الإطار….إنه أمرٌ لا يَسَعُنا سوى تثمينه… لكن يتعين الإقرار بأن ذلك جاء متأخراً جداًّ،… أمَّا من حيث مضامين النصوص فهي لا تستجيب لمتطلبات الارتقاء بالمدرسة العمومية، ولا بالجامعة العمومية… وفي الوقت نفسه، فإن تنزيل هذه التشريعات يقتضي إخراجَ عشرات النصوص التنظيمية والتطبيقية التي ستترُكُها هذه الحكومة على جدول أعمال الحكومة المقبلة.
السيد رئيس الحكومة؛
إن هذه الحكومة، المشرِفَة على نهايتها، نالت ثقة البرلمان على أساس التزامات، من أبرزها وَعْدُكُم بتصنيف بلادنا ضمن 60 بلداً في التعليم؛
لكن الواقع، اليوم، يُنبِئُنا بأنَّ تصنيفاتِ تعليمِنا متأخرة جداًّ ومُخجِلة جداًّ في مهارات القراءة والكتابة والرياضيات واللغات…. وذلك على الرغم من تفوُّق بعض التلاميذ والتلميذات، بفضل مجهوداتهم الذاتية، ومجهودات عائلاتهم؛
في هذا السياق، تُجرِّبون وَصفَةَ مدارس الريادة، وتُرَوِّجُونَ لها كما لو أنها الحلّ السحريّ، لكن ينبغي الإنصات إلى صوت البيداغوجيين، والعائلات، والمختصين، والأساتذة، بخصوص ضرورة تقييم هذه التجربة لتجاوز اختلالاتها المتعددة، بل من أجل الوقوف على فشلها الذي أقَرَّهُ ضمنياًّ تقريرُ المجلس الأعلى للتربية والتكوين، بالخصوص، عندما نَبَّهَ إلى صعوبة تعميم هذه التجربة، وإلى أنها لا تُرَكِّزُ على كفايات الإبداع والابتكار والتفكير النقدي كما ينصُّ على ذلك القانون الإطار؛
وهنا، لا بد من إثارة مسألة الكتاب المدرسي، على ضوء ما أثاره تقريرٌ لمجلس المنافسة من اختلالاتٍ في سوق الكتاب المدرسي الذي جعلتموهُ يخضع للمنطق التجاري، وللاحتكار، ولفوضى السِّعر، ولِــــرَداءة الشكل والمحتوى؛
أيضاً، التزمتم بخلق الجاذبية لمهنة التدريس، لا سيما بزيادة 2500 درهماً في أجرة بداية مسار الأستاذ… وهو التزامٌ لم يتحقق بحذافيره؛
مع أننا نثمن المجهود المالي المبذول لتحسين أوضاع الأستاذات والأساتذة، وفي الترقيات والتوظيفات……. ولوْ أنَّ غلاء الأسعار يأتي على الأخضر واليابس…
كما نثمن النظام ىالأساسي الذي يحتاج إلى تنفيذ كافة مقتضياته، بالنسبة لجميع الفئات، دون تسويفٍ أو انتقاء أو إقصاء؛
وفي هذا السياق، جاءت الحكومة ببدعة عَبَثية تتعلق بتسقيف سنِّ الولوج إلى مهن التدريس في 30 سنة، ثم في 35 سنة، دون أيِّ مبرر مُقْنِع يَــــــــــــــــرْبِطُ بين الكفاءة والعُمر؛
فمن سَنُسَائِلُ اليوم حول الضرر الذي لحق بالشباب المقصيين من اجتياز المباراة؟!…. فهل هكذا تريدون أن يَــــثِقَ الشبابُ في المؤسسات وفي القرار العمومي؟!
السيد رئيس الحكومة؛
إن فشلَ هذه الحكومة في المسألة التعليمية هو أكبرُ دليلٍ على أن مفهوم الدولة الاجتماعية ليس سوى مجرد شعارٍ وقِناع بالنسبة إليها؛
ولا يوجد برهانٌ على ذلك أكثر دلالةً من استمرار ما بين 280 و300 ألف تلميذ سنويا في مغادرة المدرسة قبل الأوان، فيما يُجَسِّدُ تهديداً حقيقيا للتماسُك الاجتماعي…
فَأيُّ نجاحٍ هذا الذي تتحدثون عنه!؟ ونحن أمام واقعٍ لم تُعُد فيه المدرسةُ مصعداً اجتماعياً، ولم تعد تضمن اكتسابَ جميع بنات وأبناء الوطن للمعارف والكفايات الأساسية بغضِّ النظر عن أصلهم الاجتماعي أو مجالهم الترابي؛
لا سيما، بالنظر إلى الاختلالات الكبيرة التي تواجهها آلافُ مؤسساتنا التعليمية، وأساساً في المناطق الجبلية والقروية وفي ضواحي المدن؛
إما من دون ربط بشبكة الماء والكهرباء؛ أو من دون فضاءٍ وحُجُراتٍ تُـــوَفِّرُ ظروف التحصيل الدراسي، حيثُ نسبة الاكتظاظ في الإعدادي والثانوي تتراوح بين 13% و15.5%؛ أو كذلك من دون نقلٍ مدرسي…. وحتى المدارس الجماعاتية فقد رَصَدَ بخصوصها المجلسُ الأعلى للحسابات عدداً من الاختلالات التي لا تزالُ معالجتُها في غرفة الانتظار.
لكن التفاوتات في التعلّم تتشكل مبكراً جداً… ولذلك فالتعليم الأولي يكتسي أهمية حاسمة، وقد التزمتم بتعميمه، دون أن يتحقق ذلك، كما لم تتحقق وعود الحكومة المتعلقة بالنهوض بأوضاع المربيات والمربِّين، الذين يعملون، غالباً، في ظروف هشّة، وبعقود غير مستقرة، وبأجور متواضعة.
السيد رئيس الحكومة؛
إن كل هذه الأوضاع عندما لا تتم معالجتها، فذلك يعني توجيه الأسر، ضمنياًّ وقَسرياًّ، نحو التعليم الخصوصي… فقد ارتفع عددُ مؤسسات التعليم الخصوصي بحواليْ 1100 مؤسسة في أربع سنوات الأخيرة فقط؛
نعم، التعليم الخصوصي نعتبره شريكاً بدورٍ تكميلي، كان على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها في تأطيره وتنظيمه وضبط تصرفاته على أساس أنه يتكفل بخدمة عمومية أساسية؛
وذلك عوض الفوضى السارية في تحديد الأقساط والرسوم؛ وعلى مستوى فرض بعض المقرراتٍ؛ وعلى مستوى تحوُّل بعض المؤسسات إلى القيام بدور التجارة وبيع الكتب بأسعار باهظة.
السيد رئيس الحكومة؛
إن الوقت لا يتسعُ للتذكير بكل إخفاقات الحكومة في المسألة التعليمية… لكن باختصار شديد:
نُذَكِّرُكم بأن معدل الأمية هو 27%؛
ونذكِّرُكم بإخفاقكم في النهوض الحقيقي بتدريس اللغة الأمازيغية؛
ونذكِّرُكم بأن عدداً من المدارس في مناطق زلزال الحوز … لا زالت تنتظر إعادة البناء أو التأهيل؛
ونذكِّرُكم بأن التعليم العالي يَعيشُ على إيقاع الاحتقان والتخبط والاكتظاظ، والتراجعات؛
والنتيجة هي أن الهدر الجامعي يناهز 50%، وأنَّ معدلاً قياسياً يسجَّلُ للبطالة في صفوف حاملي الشهادات (19,1% في 2025)، ولدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (37,2%).
هذا هو الواقع، السيد رئيس الحكومة؛
لذلك، فالاعتمادُ على المدرسة العمومية، وعلى الجامعة العمومية، ذات الجودة والمجانية، هو عينُ الصّواب…. لاستعادة ثقة المغاربة في منظومتهم التعليمية، ولجعل النجاح المدرسي رافعة للمساواة وللارتقاء الاجتماعي… ولجعل المدرّس والمجال في قلب المنظومة التعليمية… ولجعل المغرب قوة إقليمية على الصعيد الجامعي والعلمي والتكنولوجي.
وشكراً.