مداخلة النائبة تريا الصقلي في المناقشة العامة لتقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمنظومة الصحية ا

الجلسة العمومية المنعقدة بمجلس النواب يوم الثلاثاء 8 يونيو 2021.

النص الكامل للمداخلة

السيد الرئيس؛

السيد الوزير؛

السيدات النائبات والسادة النواب؛

يشرفني، أن أتناول الكلمة، باسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، في المناقشة العامة لتقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمنظومة الصحية، وهي فرصة نعتبرها مواتية لبسط وجهة نظرنا حول السياسة الصحية ببلادنا.

لقد تساءلنا دوما، عن أسباب تعثر منظومتنا الصحية، والاعتبارات التي تجعل المواطنات والمواطنين في حالة قلق دائم، عندما يتعلق الأمر بخدمات المرفق العمومي الصحي، من حيث الولوج للعلاج والعناية الطبية والاستشفاء.

ونتساءل، عن الأسباب التي تحول دون نجاح قطاع الصحة العمومي. وهل يتعلق الأمر بتراكم الخطط القطاعية دون تنفيذها؟

أم أن الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الإمكانيات المخصصة لهذا القطاع، وما يرتبط بذلك من أسئلة تتعلق بالتدبير والحكامة والتمويل؟

إنها أسئلة عميقة، حيث أن ما وصلت إليه الأوضاع في قطاع الصحة، يسائلنا جميعا كل من موقعه، فتردي الخدمات والعرض الصحي تتطلب إيجابات واقعية وملموسة. وأكيد أن الأمر سيطرح تحديات كبيرة خاصة على مستوى التمويل وتأهيل بنيات الاستقبال أي المستشفيات وغيرها من المراكز الصحية والتمكين من الموارد البشرية.

وباسم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، نشكر مجموعة العمل الموضوعاتية التي نناقش تقريرها اليوم، لأنه صوتنا الجماعي والمشترك الذي يشخص الأوضاع ويحاول الإجابة عن بعض الأسئلة التي تؤرقنا.

ويمكن اعتبار هذا التقرير مرجعا مستقبليا لصياغة تصورات النهوض بقطاع الصحة الوطني، ليكون في مستوى تطلعات وانتظارات المواطنات والمواطنين، إلى جانب النموذج التنموي الجديد، الذي يحمل بدوره أفكارا جديرة بالاهتمام حول قطاع الصحة.

ورغم عمق الأسئلة التي نطرحها، أحيانا بألم، عندما يتعلق بوضعية قطاع الصحة العمومية في بعض المناطق النائية والجبلية والعالم القروي، وبمناطق المغرب العميق، مثلا لما نذهب في قافلة طبية في مناطق نائية، فإننا نعتز بذوي النيات الحسنة، من الأطر الطبية وشبه الطبية وغيرها من العاملين بالقطاع التي يزخر بها قطاع الصحة العمومي، وهي التي أبانت عن تضحيات كبيرة، ولا تزال، خلال تدبيرنا الجماعي لجائحة كورونا، منذ أزيد من ســــــــنة، وحان الوقت لإعطائهم الاهتمام اللازم وتلبية مطالبهم المشروعة، والتفاعل معها بإيجابية.

السيد الرئيس المحترم؛

لقد شاركت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، من خلال عضوية السيد النائب رشيد حموني، في مراحل عمل مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمنظومة الصحية، وساهمت بمسؤولية في صياغة تقريرها المعروض علينا اليوم للمناقشة، والذي نعتبره إنجازا نيابيا مهما في هذه الولاية التشريعية، وأشكركم السيد الرئيس، لحرصكم على إخراج تقريرها إلى حيز الوجود وطرحه للنقاش، كثمرة اجتهاد جماعي مشترك ومؤسس، يجعلنا ننظر إلى المستقبل بكثير من الثقة.

والسؤال الكبير الذي نطرحه هو: كيف نجعل المواطن المغربي فعلا راض عن العرض الصحي، وبلغة الأطباء، ما هي الوصفة الطبية الكفيلة بمعالجة اختلالات قطاع الصحة؟

فالأمر في اعتقادنا، له ارتباط بتجويد الرأسمال البشري في بلادنا، كمدخل أساسي، إضافة إلى شروط أخرى:

الشرط الأول: تحقق الإرادة السياسية:

الإرادة السياسية هي أولى شروط نهضة قطاع الصحة وغيره من القطاعات العمومية، والإرادة التي نقصدها هنا، هي تلك التي تستحضر خدمة المواطن وجعله في صلب كل السياسات العمومية. والتي تكون نتيجة قواعد المشاركة والتشاور في بلورة الخطط والحلول وفي التنفيذ.

الشرط الثاني: واقعية الخريطة الصحية وجاهزية بنيات الاستقبال:

الإصلاح الذي نريده، السيد الرئيس، يتجاوز حتما مرحلة التشخيص وبلورة التوصيات، وهي مرحلة نعرف فيها تضخما ملفتا، وما نتطلع إليه هو حكامة الأجرأة والتنفيذ، وهو ما ينتظره المواطن.

وسياق الحديث هنا، يتصل بالوضعية المتردية لبنيات الاستقبال في مؤسساتنا الصحية. فالمواطن الذي يتوجه إلى المستشفى أو المراكز الصحية في الجبال وفي المناطق النائية، وحتــــى في الحواضر الكبرى أوفي هوامشها، سيصطدم في بعض الأحيان، بواقع حالها، حين تكون مجرد بنايات لا توجد بها الأدوية الكافية، ولا أطباء ولا ممرضين بصفة مستقرة.

ونعتقد أن الحل، يجب أن يبدأ من وضع خريطة صحية يكون معيار القرب من المواطن هو الهدف في وضعها، ويمكن في هذا الصدد، اعتماد التقسيم الجماعي، كخيار لتنزيل مؤسسات الخدمات الصحية العمومية التي تتوفر على الأقل على العلاجات والمستعجلات الأولية وأقسام الولادة.

والجواب يقدمه التقرير الذي بين أيدينا، الذي يتحدث عن تخصيص كل مؤسسة من مؤسسات القرب لحوالي 12000 نسمة ضمن 970 دائرة صحية، ونعتقد أن الخلل يمكن أن يبدأ هنا، لأنه عندما لا نوفر خدمات القرب، إنما ندفع بالمواطن إلى التنقل إلى مستوى أعلى من مؤسسات الخريطة الصحية،

وأعني المستشفيات الإقليمية والجهوية والجامعية، وولوج غرف الانتظار بها، دون توجيه أو فحص قبلي للحالة، وهو ما يؤدي إلى إرتباك التدخل الطبي في هذه المرحلة وفي المراحل التي تليها، ويخلق اضطرابا مزمنا تتعمق مشاكله مع الزمن، بسبب قلة الموارد البشرية وضعف التجهيزات ووسائل التدخل الطبي.

الشرط الثالث: ضمان شروط التكفل الطبي:

نقصد بالتكفل الطبي، ضمان عرض صحي عمومي جيد للمريض، ويتطلب ذلك موارد بشرية وطنية مؤهلة، من خلال تكثيف الجهود لتوسيع الطاقة الاستيعابية للتكوين في المستشفيات الجامعية الحالية وإحداث مستشفيات جامعية أخرى، بمعدل واحدة في كل جهة على الأقل، وفتح آفاق جديدة لولوج الشباب المغاربة إلى المهن الصحية، وذلك لضمان العدالة المجالية والاجتماعية في المستقبل.

وضمان السيادة الوطنية في الأمن الصحي العمومي للمواطنات والمواطنين. ويجب كذلك محاربة الاتجار بصحة المواطن، والفساد والرشوة في قطاع الصحة.

ومما عمق استياء نساء ورجال الصحة، هو كذلك الضغط الكبير الذي تعرفه مستشفياتنا من حيث عدد المرتفقين، وطبيعة الأمراض وتعقد بعضها أحيانا، يقابل ذلك ضعفٌ في وسائل التدخل، من نذرة الأدوية والتجهيزات الاستشفائية، والمستلزمات الطبية والنقل الصحي، وهي مجموعة من الاختلالات التي بسط التقرير معطياتها الإحصائية، وتؤدي إلى المزيد من الشرخ في العلاقة بين المواطن ومؤسسته الصحية، وتساهم في توسيع هوة غياب الثقة في الخطاب والتدخل العموميين.

الشرط الرابع: ورش التغطية الصحية:

لقد حمل مشروع الحماية الاجتماعية الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تحديات كبيرة. وندعو الحكومة القادمة إلى الانكباب بقوة على تنزيل هذا الورش الاجتماعي الضخم، إذ لا نتصور قطاعا صحيا متقدما ومتطورا، بدون تعميم التغطية الصحية، وتشجيع الصناعة الدوائية وتنمية الخدمات الصحية العمومية، وضمان ديمومة التمويل من الطرف الحكومي بشكل متضامن.

الشرط الخامس: التكامل بين القطاع العام والخاص:

لسنا دوغمائيين لمواقفنا، وندعو من هذا المدخل إلى السعي من أجل تحقيق التكامل بين القطاعين الصحيين العام والخاص، انطلاقا من تجارب ناجحة في مجال ترحيل الخدمات الصحية، وهذا لا يمس في شيء هويتنا التقدمية، المدافعة عن قوة القطاع العام والمرفق العمومي.

ونعتقد أن الأهم في هذا السياق، هو إقرار قواعد شفافة وواضحة تؤسس للشراكة في القطاع الصحي الوطني، بشكل يجعله قويا وناجعا، ويضمن ولوجا منصفا للخدمات الصحية، كما يحدث حاليا في خدمات تصفية الدم، أو أمراض القلب، أوطب الأسنان مثلا.

ونشير هنا إلى أن الموارد البشرية في القطاع الخاص، تمثل نصف عدد الموارد البشرية الوطنية العاملة بالقطاع الصحي، ويؤدون مهمة صحية عمومية يعني une mission publique de santé

الشرط السادس: حكامة القطاع:

وهذا شرط أساسي وجوهري، إذ لا نتصور نجاح أية سياسية عمومية في قطاع الصحة، في ظل غياب الحكامة، وتقييم النتائج.

وعموما، لم يعد من الممكن اليوم، أن نقبل التضخم في الخطط الحكومية التي تهم قطاع الصحة، بدون أي مقاربة تشاركية، وتقييم للنتائج التي تم تحقيقها، وما يتم اتخاذه لمعالجة الاختلالات الكثيرة التي كانت موضوع تقارير سابقة للبرلمان ومؤسسات دستورية أخرى.

شكرا