أثناء تعقيبه باسم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، على جواب السيد رئيس الحكومة، عن السؤال الشفهي الموجه إليه، حول تحديات السياسة المائية ببلادنا.
الجلسة العمومية للأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة لرئيس الحكومة حول السياسة العامة، المنعقدة بمجلس النواب، يوم الاثنين 12 دجنبر 2022.
النص الكامل للتعقيب:
السيد الرئيس؛
السيد رئيس الحكومة؛
السيدة الوزيرة، السادة الوزراء؛
السيدات والسادة النواب:
بدورنا في فريق التقدم والاشتراكية، فإننا نهنئ أنفسنا على الإنجاز التاريخي الذي يُحَقِّقه أسودُ الأطلس في مونديال قطر. والذي جعل بلادنا مفخرةً للشعب المغربي قاطبةً، وللعالم العربي، والقارة الإفريقية.
السيد رئيس الحكومة،
نلتئم اليوم، كحكومة وبرلمان، لمناقشة قضيةٍ وطنية ذات أولوية قصوى، هي قضية الماء، والتي نعتبرها، في فريق التقدم والاشتراكية، قضيةً مجتمعية وسياسية بامتياز. قضية لا تَحتَـــمِــلُ المزايدات، ولكنها تتطلب نقاشاً ديموقراطيا. ولا نَشُكُّ، السيد رئيس الحكومة، في سعة صدركم وأريحيتكم. وهي مناسبة نعبر لكم عن تقدير التقدم والاشتراكية لمبادرتكم إلى حضور مؤتمرنا الوطني الأخير. وهي خطوة تُحسبُ لكم، بما تُـــعطيه من دلالاتٍ على صحة العلاقات التي ينبغي أن تكون بين الأغلبية والمعارضة، بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر بيننا.
السيد رئيس الحكومة؛
إنه من البديـــهي أنَّ الماءَ شرطٌ أساسيٌّ للاستقرار وللتنمية. وقد جاء الخطابُ الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان واضحاً في مضامينه، وجازماً في توجيــــهاته، حيث أكد على أنَّ وضعية الإجهاد المائي تقتضي منا التحلي بالصراحة والمسؤولية.
إننا نحمد الله ونشكره على أمطار الخير الحالية، ونسأله تعالى أن يُنعم علينا بمزيدٍ من الغيث النافع.
ومهما كانت السنة ممطرةً أو جافة، على بلادنا أن تَمضي قُدُماً في مشاريعها المائية. ذلك أنَّ كلَّ الدراسات تُؤكد على أن بلادنا تتجه نحو الإجهاد المائي. وأنَّ حصة الفرد من المياه في انخفاض مُطَّرِد. علماً أن تفاوتًا كبيراً يُسجَّلُ فيما يخص توفر الماء بالأحواض المائية. كما أنَّ تأثيرات التغيرات المناخية تتسارع.
إنَّ بلدنا يــــنتمي إلى منطقةٍ تُصَنَّف دوليا ب “البقعة الساخنة”، ولذلك يُعاني من الاختلال المناخي الــمُؤدِّي إلى الظواهر القصوى، والتي من بينها الجفاف. وهي ظاهرة تَمُسُّ معظم بلدانِ البحر الأبيض المتوسط.
هكذا، فمعدل ملء السدود ببلادنا لا يتجاوز حاليا 23.7%. ونشهد عجزاً في التساقطات المطرية، وبالتالي في الموارد المائية. كما تقلصت المساحة المغطاة بالثلوج؛ وتَرَاجَعَ عددُ أيام سقوطها. وينضاف إلى كل ذلك الاستغلالُ المفرط للفرشات المائية، كما هو حال فرشات سوس ماسة، ودرعة تافيلالت، وتادلة، وبرشيد، والحوز، وملوية العليا.
هكذا، فالعاملُ المناخي، وضغط النمو الديموغرافي، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وضعف مردودية شبكات التوزيع. كلها عوامل تُفــضِي إلى وضعية الخصاص المائي الحاد.
السيد رئيس الحكومة؛
انطلاقاً من موقع المعارضة الوطنية البناءة والمسؤولة، التي نــتبناها قولاً وفعلاً، وبَـــرهَنَّا على ذلك من خلال تصويتنا الإيجابي على معظم مشاريع القوانين التي جاءت بها الحكومة.
انطلاقاً من هذا الموقع، نُحيِّـــي مجهوداتكم في مواجهة وضعية الجفاف، وإخراجكم للبرنامج الوطني الأولوي للماء. وهو البرنامج الذي نتطلع إلى حُسن وسرعة ونجاعة تفعيله.
كما نُعرب عن إدراكنا التام للصعوبات الموضوعية التي تقف في وجه تدبير الماء. وندعوكم إلى بذل مزيدٍ من الجهد من أجل التغلب عليها.
في نفس الوقت، لا بد من الاعتزاز بما راكمته بلادُنا من خبرةٍ هائلة في تخطيط وتدبير الموارد المائية. وهو ما مكَّن بِـــلادنا من اجتياز فترات جفافٍ حادة. كما أننا نتوفر على قانون متقدم للماء. وعلى عدد مهم من السدود الكبرى والصغرى، ومَحطات معالجة مياه الشرب، بما فيها محطات تحلية مياه البحر؛ بالإضافة إلى منشآت تحويل المياه.
ومع ذلك، فالسياسة الوطنية في مجال المياه استنفذت ذاتها، وباتت أزمةُ الماء في بلادنا شبحاً حقيقيا، تقتضي تغيير الاتجاه، لأجل تدبير الندرة، وضمان الأمن المائي الوطني، مع ما يرتبط به من أمنٍ غذائي.
ولأنَّ الثقافة السياسية للتقدم والاشتراكية تَــــنــبُـــذُ الاكتفاء بالنقد، وتتأسس على ربطه بالاقتراح، فإننا نعتبر أنَّه حان الوقتُ لتعديل نموذج الإنتاج الفلاحي المستنزِف للماء، والمُعتَمِد حاليا على التوسيع، عوض التثمين، وعلى الفلاحة التصديرية.
علينا، إذن، مراجعة نموذجنا الفلاحي، حتى لا نكون بلداً يُصَدِّرُ الماء، ونحن نعتقد بالخطأ أننا نُصدِّرُ منتوجات زراعية.
وذلك يقتضي الجرأة السياسية في اتخاذ مثل هذا القرار الذي يعطي الأولوية للماء الصالح للشرب، وذلك بالموازاة مع توجيه فلاحتنا نحو تلبية الاكتفاء الذاتي الوطني، والحفاظ على مواردنا المائية. علماً أن الفلاحة الآن تستنزف أكثر من 80% من الموارد المائية. فالمسؤولية تقتضي أن تكون التنمية الفلاحية متلائمة مع قدراتنا المائية.
كما تستدعي وضعية الإجهاد المائي إجراء التَّـــحَوُّلِ نحو البدائل المائية غير التقليدية، كتوسيع إنجاز محطات التحلية؛ وإعادة استعمال المياه العادمة بعد معالجتها، وكذلك تجميع مياه الأمطار.
ويتطلب الأمر، أيضاً، تغييراً جذريا في ثقافة المجتمع إزاء الماء. غير أنَّ الأمر هنا لا يتعلق فقط بالتحسيس، ولكن أساساً من خلال تطبيق القانون بصرامةٍ في التصدي للاستعمال غير القانوني للماء. وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة الارتقاء بشرطة المياه.
وفوق كل ذلك، من المعلوم أنَّ المشاريع المائية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، لا تستطيع تَـــحَــــمُّـــلَـــــهَا الميزانية العامة لوحدها. وهو ما يجعل الحكومة أمام مِحَكِّ البحث عن التمويلات الضرورية، لا سيما عن طريق الشراكة بين القطاعيْن العمومي والخصوصي، دون التفريط في كون الماء يظل حقًّا دستوريا ومِــــلْكاً عموميا وشأناً استراتيجيا تحت مسؤولية الدولة.
ونظراً للتفاوت الكبير في الموارد المائية بين الأحواض المختلفة، فمن الواجب تسريع إنجاز مشاريع كبرى لتحويل ونقل المياه من أحواض الوفرة إلى أحواض الندرة، في إطار التضامن الوطني والمجالي.
السيد الرئيس،
ونحن نتقدم بهذه الأفكار والاقتراحات، نريد أن تكونوا متأكدين من أنكم ستجدوننا إلى جانبكم في كل الإجراءات التي ستعود بالنفع على المواطنات والمواطنين، من خلال سياسةٍ مائية ناجعة، لأنَّ هذا هو معنى كوننا فريقاً نيابياًّ بنَّاءً ومسؤولاً.
وشكراً.