عدي شجري يشدد على أن أزمة الماء تعتبر شبحا حقيقيا، مما يقتضي تدبير الندرة، وضمان الأمن المائي الوطني
أثناء مداخلته باسم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب يوم الثلاثاء 18 يوليوز 2023، في أشغال الجلسة السنوية لتقييم السياسات العمومية المخصصة لمناقشة تقرير المجموعة الموضوعاتية حول “السياسة المائية”
النص الكامل للمداخلة:
شكرا السيدة الرئيسة،
السيد الوزير،
السيدات والسادة النواب،
أتشرف بالتدخل، باسم فريق التقدم والاشتراكية، في هذه الجلسة الدستورية المتعلقة بتقييم السياسة العمومية المتعلقة بالماء، وذلك بناءً على التقرير الهام للمجموعة الموضوعاتية التي نُنَوِّهُ بالعمل الجِدِّي والمسؤول لكافة أعضائها وطاقمها الإداري المُواكِب.
وإذا كُنَّا نَعتبرُ هذا العمل قيمةً مُضافة أخرى لِتَراكُمِ التفكير والاقتراح المؤسساتي في مجال تدبير الموارد المائية، وتجسيداً لِتَحَمُّلِ مجلس النواب لمسؤولياته في الاهتمام بهذه القضية المصيرية لبلادنا؛
فإننا، بالمقابل، نتطلَّع إلى أن تتحملَ الحكومةُ مسؤوليتها، أيضاً، في الأخذ بالتوصيات والاقتراحات الواردة فيه، ليس فقط انطلاقاً من واجب احترام عمل المؤسسة التشريعية، ولكن أيضاً بالنظر إلى وجاهةِ وعُمقِ الخلاصات الواردة في التقرير.
ولا بد أن نؤكد، هنا، من أنَّ تدبير الماء هو قضية أساسية بالنسبة لبلادنا، وللنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. كما نؤكد على أنَّ مواردنا المائية تُواجِهُ إشكالاتٍ عويصة تُـــهدِّدُ بالإجهاد المائي الشديد، وذلك بسبب النمو الديموغرافي، والاستنزاف غير العقلاني، وبِفِعلِ التغيرات المناخية، وما تؤدي إليه من ظواهر قصوى. وهي العوامل السلبية التي تنضافُ إلى كون بلادنا تَقَعُ، عِلمياًّ، في البقعة الساخنة من الكرة الأرضية.
وعليه فإنَّه، في مقاربتنا لإشكالية الخصاص المائي، يتعين استحضار أربع محدِّدات أساسية:
أولا: أنَّ الموضوع له طابعٌ استراتيجي، وهو أولوية وطنية قصوى تحظى باهتمامٍ ملكيٍّ سامٍ مباشر؛
ثانيا: الأمر ليس مجالاً للمزايدة السياسية؛
ثالثا: أزمة الماء أزمة بنيوية، لها ارتباط وثيق بالتغيرات المناخية؛
رابعاً: أنَّ الحلول لا توجد فقط في مزيدٍ من التجهيزات المائية، أو في تعبئة الموارد التقليدية، بقدر ما ينبغي تسريعُ التَّوَجُّهِ نحو تعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية، بالإضافة إلى عقلنة استعمال الطلب على هذا المورد الحيوي، وتغيير ثقافتنا جذريا إزاءه. إذ لا بد لنا أن نتحمل المسؤولية الجماعية بهذا الصدد.
السيدة الرئيسة؛
لا أحدَ يمكنهُ إنكار أنَّ سياستنا الوطنية المائية حققت نجاحاتٍ مشهودٍ بها دوليا، خلال السنوات والعقود الماضية، ولا سيما من خلال النظرة السديدة للملك الراحل الحسن الثاني في مجال بناء السدود؛
واليوم، يتعين الحفاظُ على المكتسبات، والإقرار، في نفس الوقت، بأنَّ سياستنا المائية تتطلب نَفَساً جديداً؛ ولا سيما من خلال تسريع إحداث قنوات تحويل المياه، وإصلاح القنوات لتفادي ضياع الموارد المائية، وملاءمة المزروعات مع خصوصيات كل حوضٍ مائي، وعقلنة استعمال الفرشات المائية، وإعمال الصرامة في محاربة سرقة المياه.
ومن الضروري الاسترشادُ بالتَّوَجُّهات التي وضعها جلالة الملك في خطابه السامي، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من هذه السنة التشريعية؛ وأساساً من خلال الابتكار في مجال اقتصاد الماء، وإعادة استخدام المياه العادمة؛ وترشيد استعمال المياه الجوفية، كما ينبغي ضمان آليات التقائية للتدخلات العمومية في مجال المياه، مع ما يتطلبه ذلك من تحيينٍ للاستراتيجيات القطاعية؛ مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار للتكلفة الحقيقية للموارد المائية.
فاليوم، والحمد لله، بفضل تعليمات جلالة الملك، حفظه الله، تَقَرَّرَ رفعُ الاعتمادات المالية المخصصة لبرنامج التزويد بالماء الشروب ومياه السقي إلى 143 مليار درهماً، خلال الفترة 2020 – 2027، بما يوازي أزيد من 20 مليار درهماً في السنة، وهذا يعني أنَّ الحكومة ليس من حقها، اليوم التحَجُّج، بضعف الإمكانيات التمويلية.
كما أنه من غير الــــمُجدي ترويجُ المغالطات فيما يتعلق بإنجاز مشاريع تحويل المياه. فللتاريخ ذاكرة، والإرادةُ والمخططات كانت دائمة موجودة وجاهزة. وأهمُّ ما كان ينقص هو التمويل الذي لم يكن يتجاوز ميزانية تمويل سَدٍّ وحيدٍ أو سَدَّين كبيريْن في السنة.
والجميعُ يعلمُ أنَّ من وقَّع، في سنة 2016، على مذكرة التفاهم المتعلقة بتحويل المياه، مع شركة صينية، هم آنذاك السادة وزراء الاقتصاد والمالية؛ والفلاحة، والطاقة والمعادن والماء والبيئة.
واليوم، على الحكومة مواصلةُ الجُـــهد ورفع وتيرة العمل، من أجل:
ü 1/ إعطاء الأولوية للماء الصالح للشرب. وإحداث آلية مؤسساتية جديدة للتحكيم والضبط والتقنين؛ مع الحد من عدد المتدخلين في قطاع الماء؛
ü 2/ التراجع عن الزراعات المستنزفة للمياه، ومراعاة خصوصية كل حوض مائي. مع التقليص من الزراعات المكثفة، ومن التوسيع اللامتناهي لدوائر السقي؛
ü 3/ التحيين المستمر للمخطط الوطني للماء، بناءً على المعطيات والفرضيات والإكراهات الحالية، بما يجعله مخططاً يتميز بالمرونة والقدرة على التأقلم مع الظروف؛
ü 4/ إخراج النصوص التطبيقية لقانون الماء المتقدم؛
ü 5/ تمكين شرطة المياه من الوسائل اللازمة لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمياه، حيث أنَّ أكثر من 90% من الآبار غير قانونية؛
ü 6/ التخلي نهائيا عن الممارسات التي تنطوي على تراجع الاهتمام والاستثمار في الماء كلما حَلَّ موسمٌ مُمطر؛
ü 7/ عدم اكتفاء سياستنا المائية بالبحث فقط عن توسيع العرض المائي، بقدر ما يستوجبُ الوضعُ عقلنةُ الطلب وترشيده، لا سيما بالنسبة للفلاحة التي تأخذ أكثر من 80% الموارد المائية؛
ü 8/ تسريع المشاريع المهيكلة لمحطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة بعد معالجتها، ومشاريع تحويل المياه؛
ü 9/ الاستثمار في مواجهة تلوث المياه، وضمان جودتها، لا سيما من خلال إعطاء دفعة جديدة لبرنامج تعميم تطهير السائل؛
ü 10/ إبداع مقاربات جديدة في مسألة التمويل، خاصة من خلال تحفيز الشراكة، من دون التفريط في كون الماء يظل حقًّا دستوريا ومِــــلْكاً عموميا وشأناً استراتيجيا تحت مسؤولية الدولة؛
ü 11/ الاستثمار واستعمال التكنولوجيا في مكافحة ضياع الماء، وأساساً إيجاد الحلول لإشكالية تَوَحُّل السدود، والتبخر، وضعف مردودية قنوات الجر، مع تطوير مشاريع تجميع مياه الأمطار،
ü 12/ وأخيرا إدماج حُسن تدبير الماء، أفقيًّا، في القوانين والسياسات العمومية ذات الصلة بالبيئة، والجبايات، والفلاحة، والطاقة، والتعمير وإعداد التراب الوطني.
السيدة الرئيسة؛
السيد الوزير،
من الواضح أنَّ تدبير إشكالية الماء يتطلبُ إجراءاتٍ فورية، بالنظر إلى ضعف نسبة ملء حقينات السدود حاليا. كما يتطلب ذلك تدابير متوسطة وبعيدة المدى، تفادياًّ لأزمة العطش، وتَجَنُّباً لأنْ تتحوَّلَ أحواضٌ مائية إلى مناطق قاحلة، وكذا من أجل تجاوز التفاوتات المسجلة بين مختلف الأحواض المائية.
فلقد باتت أزمةُ الماء شبَحاً حقيقيا، تقتضي تدبير الندرة، وضمان الأمن المائي الوطني، مع ما يرتبط به من أمنٍ غذائي. كما يتطلب الأمر، أيضاً، تغييراً جذريا في ثقافة المجتمع إزاء الموارد المائية.
ولذلك ينبغي أن يتم تغيير الاتجاه، بأقصى درجات السرعة والشفافية والفعالية والمساواة الاجتماعية والتضامن المجالي. فالتحدي المستقبلي الأول سيكون ولا شك هو الماء.
شكرا على إصغائكم
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.