نزهة مقداد تطالب الحكومة بفتح آفاق جديدة لتطور الإدارة المغربية لمواكبة التحولات والمتغيرات التي تعرفها بلادنا

أثناء مداخلتها باسم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب يوم الثلاثاء 18 يوليوز 2023، خلال مناقشة تقرير المجموعة الموضوعاتية حول “الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة”

النص الكامل للمداخلة:

شكرا السيد الرئيس

السيدة الوزيرة؛

السيدات والسادة النواب المحترمين؛

يطيب لي أن أتناول الكلمة، باسم فريق التقدم والاشتراكية، في إطار مناقشة تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية حول تقييم الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة 2018-2021. وهو التقرير الذي يعَبِّرُ حقيقةً عن المجهود الكبير للسيدات والسادة النواب، عضوات وأعضاء هذه المجموعة، لتجميع المعطيات والبيانات المتعلقة بالخطة الوطنية لإصلاح الإدارة، من خلال جلسات الاستماع، مع مختلف المتدخلين والمعنيين بهذه الخطة، وكذا الزيارات الميدانية لكل من جهة طنجة تطوان الحسيمة، وجهة فاس مكناس وجهة الداخلة وادي الذهب، إضافة إلى تنظيم عدة لقاءات دراسية

وعلمية، تُوِّجَتْ بمجموعةٍ من الخلاصات والتوصيات. وهو ما أَسْفَرَ عن إعداد وثيقة شاملة ومتكاملة وموضوعية، تكتسي طابعا علميا وتقنيا وإداريا، وستصبح مَرْجِعاً مهما، سينضاف إلى إنتاجات مجلسنا الموقر.

وبالرجوع إلى المحاور التي تم الاعتماد عليها لإعداد تقرير التقييم حول الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة، والمتمثلة في تقييم ملاءمة الخطة الوطنية لحاجيات الإصلاح؛ وتقييم التكلفة المالية والبشرية؛ وحدود تفعيل مشاريعها؛ ثم تقييم الحكامة التدبيرية والمؤسساتية وآليات وضمانات استدامة نتائج هذه الخطة. فقد مَكَّنَتْ هذه المحاور أعضاءَ مجموعة العمل من إعداد جُمْلة من التوصيات، من شأنها فتح آفاق جديدة لتطور الإدارة المغربية ومواكبتها للتحولات والمتغيرات التي تعرفها بلادنا.

السيد الوزيرة؛

لقد ظهرت بوادر الإصلاح الإداري منذ الثمانيات من القرن الماضي. وتم تشخيص وجرد العديد من المشاكل التي تُواجهها الإدارة، والتي تجاوزت المشاكل القانونية وإصلاح الهياكل الإدارية في مرحلة أولى، إلى مشاكل واختلالات بنيوية، تمثلت أساسا في عدم فعالية المساطر، وفي التسيير البيروقراطي، بمفهومه السلبي، وفي تعدد مصادر اتخاذ القرار والتمركز المفرط، وضعف مردودية الموارد البشرية. وهي الاختلالات التي ظَلَّ جُزْءٌ منها، يُلازِمُ الإدارة المغربية إلى يومنا هذا.

 

ومع تزايد أهمية الإدارة، كآلية أساسية في تحقيق التنمية الشاملة، أصبح هاجس إصلاحها، من ضمن أولويات السياسات العمومية. بل حظي هاجس إصلاح الإدارة بالاهتمام السامي لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وعَبَّرَ عنه في العديد من المحطات الدستورية. ونذكر منها على سبيل المثال: الخطاب السامي الذي ألقاه جلالته في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، حيث حَمَلَ مضامينَ ورسائلَ قوية وتوجيهاتٍ حَكِيمَة لإصلاح الإدارة،

إيماناً من جلالته، بأن النجاعة الإدارية معيار لتقدم الأمم، وتساهم في النهوض بالتنمية، و جلب الاستثمار الوطني والأجنبي، وتعزيز الثقة التي يحظى بها المغرب.

إنَّ إِنْجَاحَ هذا الورش الهام، يتطلب حكامةً سياسية قوية، ويستلزم أن يتم حملُهُ وتبنِّيه من قِبل كل الإدارات العمومية، المُطالَبَة اليوم بالانخراط بقوة في مسار الجهوية المتقدمة، كشكلٍ متقدم اختاره المغرب للتنظيم الترابي للدولة، وتعبيرًا حقيقيًّا عن وضع سياسة منسجمة للتهيئة المجالية والترابية.

ولا بد كذلك من استحضار أهمية اللاتمركز الإداري والحكامة الترابية التي تكتسي راهنية، بحكم ما تُبادِرُ إليه بلادُنا من إعادةٍ للنظر في البناء الإداري، بشكل يواكب التطور الحاصل على مستوى هياكل الدولة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا وديمغرافيا.

على هذا الأساس، يتعين وضع تصور شامل يَجمع ما بين اللامركزية باعتبارها آلية مؤسساتية وتدبيرية، واللاتركيز كنمط تقني يسمح بإعادة توزيع الصلاحيات داخل أجهزة الدولة، وما يواكب ذلك من نقلٍ للاختصاصات، مع تعبئة الوسائل المادية والبشرية؛

السيدة الوزيرة؛

إن إصلاح الإدارة، الذي يُعتبر بطبيعته مَرِناً ومتحرِّكا، ومَهْمَا رُصِدَتْ له الإمكانيات والخبرات، فإنه سيظل جامدا ومُنْتِجاً لنفس الاختلالات، إذا لم تكن الموارد البشرية إحدى أَوْلَى دعاماته وأُسُسِهِ، ذلك أنَّ الإصلاحات التي خَضَعَ لها النظامُ الأساسي للوظيفة العمومية، تمت بمقاربة تجزيئية تَحَكَّمَ فيها هاجس “الإرْضَاء”، والهاجسُ الميزانياتي، ولم تُواكبها إجراءاتٌ عملية لتحقيق الإصلاح الحقيقي، كما هو الأمر مثلا بالنسبة للتشغيل بالتعاقد، الذي قد يستجيب للحاجيات الآنية والضاغطة لبعض القطاعات التي تعاني من خصاص كبير في الموارد البشرية كالتعليم، لكن دون أن يُشَكِّلَ ذلك حلاًّ مناسباً، لا سيما بالنظر إلى تعميقه للهشاشة في الشغل وعدم العدل والمساواة بين الموظفين العموميين.

ولقد راكمت الوظيفة العمومية، منذ صدور النظام الأساسي الخاص بها في سنة 1958، العديد من الاختلالات والنواقص، جعلت الموارد البشرية العمومية، رهينةً لمنظومة قانونية جامدة غير محفزة، وغير مواكِبة لأوراش الإصلاح التي تم تأطيرها بالعديد من المفاهيم، كالمفهوم الجديد للسلطة، والتدبير العمومي الجديد، والجهوية المتقدمة، وإدارة القرب، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

في هذا السياق، أصبح من اللازم إعادةُ الاعتبار للموارد البشرية للإدارة والارتقاءُ بها، عبر سياسة طَمُوحَة للتكوين، ومراجعة نظام تدبير المسارات المهنية، في تجاه الإنصاف، وعلى أساس الكفاءة، وتصحيح الفوارق العميقة على مستوى الرواتب، وسن سياسة اجتماعية مُحَفِّزة، وإرساء مناهج للتدبير على أساس النتائج ومحاربة كل أشكال التبذير وسوء التدبير، وتنظيم إعادة انتشار الموظفين، مع الأخذ بعين الاعتبار البُــعد الاجتماعي، عبر تحفيزات وإجراءات تثمينية للمناصب الجهوية والإقليمية، وتطوير القواعد والنُّظُم المتعلقة بالتوظيف وولوج مناصب المسؤوليات، لتحسين الشفافية وضمان تكافؤ الفرص، وتسقيف رواتب وامتيازات المسؤولين الكبار للإدارة وللمقاولات العمومية، وربط مهامهم بعقود الأداء الناجع، وبتدقيق الأهداف والحصول على نتائج، ومحاربة الاغتناء غير المشروع، ومأسسة افتحاص وتدقيق جميع التنظيمات العمومية وكل الهيئات التي تستفيد من الدعم العمومي.

لقد اعْتَبَرَ التقرير الخاص بالنموذج التنموي الجديد، أنَّ التكنولوجيا الرقمية هي الوسيلة الفعالة لزيادة الثقة بين المواطن والمقاولات والدولة، وذلك من خلال تسهيل وضمان مرونة أكثر في العلاقة بينهم، وتعزيز الشفافية، من خلال وضع مساطر مُبَسَّطة وواضحة وخدمات ذات جودة عالية.

ولا تفوتنا الفرصة، بهذه المناسبة، لاستحضار مغاربة العالم، وما يحظون به من رعاية سامية خاصة، من أجل تبسيط كل الترتيبات والمساطر الإدارية وتسهيل جميع الإجراءات القنصلية والادارية المطلوبة، والتجاوب بطريقة ناجعة مع طلباتهم وانتظاراتهم. سواء داخل الوطن أو خارجه.

السيد الرئيس المحترم،

السيدة الوزيرة المحترمة،

السيدات والسادة النواب المحترمون؛

سيكون للتحول الرقمي، بالتأكيد، وَقْعٌ على الحد من الفساد وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، حيث أثبتت الدراسات والتجارب المقارنة أهمية وُجُود علاقة إيجابية وقوية، بين تراجع حالات الفساد وتوسيع الرقمنة. وهو ما يستدعي تعميم التحول الرقمي للإدارة، دون تردد أو تباطؤ، وتفعيل آليات وأحكام تبسيط المساطر الإدارية والتبادل الالكتروني بين الإدارات، وإحداث وتعزيز أنظمة التدبير الداخلي لبعض الهيئات العمومية، وإضفاء الطابع اللامادي على الخدمات المُوَجَّهَة للمواطنات والمواطنين في العديد من الإدارات والهيئات العمومية.

شكرا لكم على حسن الإصغاء

شكرا السيدة الوزيرة