تعقيب النائب الرفيق حسن أومريبط، في الجلسة الأسئلة الشهرية للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة الموجَّهَة إلى السيد رئيس الحكومة، حول موضوع: “رهانات إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”

 

تعقيب فريق التقدم والاشتراكية

(السيد النائب حسن أومريبط)

الجلسة الأسئلة الشهرية للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة الموجَّهَة إلى السيد رئيس الحكومة، حول موضوع:

“رهانات إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”

 

 

الإثنين 19 ماي 2025 – الساعة الثالثة بعد الزوال

 

مدة التحدث: 9 د و45 ث

السيد رئيس مجلس النواب؛

السيدات والسادة النواب والوزراء؛

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

هذه لحظةٌ مهمَّةٌ تَـمْــثُـــلُــونَ فيها، أمام ممثلي الأمة، من أجل الخُضُوعِ للمساءلة البرلمانية، طِبْقاً للدستور الذي يَنُصُّ على وُجوبِ الانتظامِ الشَّهْـــــرِي لهذا الامتثال. وهو ما يتعين أن يَسمُوَ على مِزَاجِ الحكومة التي ليس من حقِّها جَعلُ البرلمان مُجَرَّدَ غُرفةٍ لتمرير القرارات أو تسجيلها؛

من حيث الموضوع، فإنَّ قضية التعليم كان من المفترض أن تتصدر فعلياًّ أولوياتِ حكومتكم، التي رفعت “الدولة الاجتماعية”، كشعارٍ فقط، في حين أنَّ الأمر يتعلقُ بالتزامٍ فكريٍّ وسياسي وعملي، يَـــــضَـــــــــعُ الإنسانَ، وليس الربح، في صُــــلْــــبِ السياساتِ التنموية؛

فَوَرْشُ التربية والتعليم ورشٌ مجتمعي مهيكل. وإصلاحُ المدرسة العمومية والاستثمار المُنتِج في مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة هُمَا المدخلُ الأساسُ لإرساء أُسُسِ المشروع المجتمعي لمغربٍ عادلٍ اجتماعيًّا، متضامنٍ مجاليا، ومزدهر اقتصاديا، ومن أجل ترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص والجودة، ولتشجيع تعليمٍ مُـــتَشَبِّعٍ بالثقافة الديمقراطية الحداثية والتنويرية؛

لقد كانت حكومتُكُم محظوظَةً بأنْ وَجَدَتْ أمامَـــهَا مرجعياتٍ جاهزةً لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وأساساً: وثيقةُ النموذج التنموي الجديد التي تنكَّرَتْ لها حكومتُكُم؛ ووثيقة الرؤية الاستراتيجية؛ والقانون الإطار باعتباره تعاقداً وطنياًّ يُلزِمُ الجميع، لكن تَظَلُّ مُعظمُ آلياتِهِ مُعَطَّلَةً أو متعثرةً على لائحة الانتظارات الطويلة في عهد هذه الحكومة التي تَدَّعي إنجازَ كل شيء بشكل غير مسبوق، في مقابِلٍ مُنجزٍ متواضِعٍ وواقعٍ صَعبٍ يُكَذّبُ هذا الاستعلاءَ غير المسبوق؛

إنَّ معالجة أعطاب التعليم يتطلبُ، من بين ما يتطلبُه، استقرارَ وانتظامَ وَتِيرَةِ الإصلاح، والبِناء على التراكُم. لكنكم، السيد رئيس الحكومة، اخترتُم تضخيمَ وتَعوِيمَ المرجعيات، فأضَفْتُم خارطة طريقٍ، وغَيَّرتُم وزيراً بوزير، لتستمر دَوَّامَةُ إصلاحِ الإصلاح… دون جدوى ولا معنى، اللَّهُــمَّ ما صار يُــــــثَـارُ من تخوفاتٍ مجتمعية حقيقيةٍ حول مصير المرفق العمومي المتمثِّل في المدرسة العمومية، باعتبارها ضَمانةً للولوج الفعلي إلى الحق الدستوري والكوْني في التعليم.

السيد رئيس الحكومة؛

عندما نقول لكم إن حكومتَكُم فشلت، فإننا لا نقول ذلك افْتِراءً أو تَشَفِّياًّ أو لأننا مسرورون بذلك، بل نقول ذلك بألَمٍ وحسرة، وبِحِــــــسِّ تنبيهي مسؤول، لأنَّه لا أحد يتمنى الفشل لحكومةِ بلاده. وهو فَشَلٌ مؤكَّدٌ ومسنودٌ بأرقامٍ رسمية، من غير المقبول التهجُّمُ عليها أو الانزعاجُ من الانتقاداتِ المرتكِــــزةِ عليها؛

والمعيارُ البسيطُ والفاصِلُ في تقييمِنا هو تلك الالتزاماتٌ التي أوردتموها في البرنامج الحكومي:

فلقد التزمتُم بتصنيف بلادنا ضمن أحسن 60 بلداً عالميا من حيثُ التعليم، لكنكم أخفقتُم في ذلك بشكلٍ ذريع؛

والتزمتُم بإعادة النظر في البرامج والمناهج والمقررات الدراسية؛ لكنكم لم تقتربوا من هذا الملف الإصلاحي الجوهري أبداً. كما لا تزالُ تغطية المدارس من حيثُ تدريسُ اللغة الأمازيغية ضعيفةً للغاية؛

والتزمتم بزيادة 2500 درهم صافية في أجرة نساء ورجال التعليم، منذ بداية مسارهم المهني، لكنكم تَنَكَّرتُم لذلك، ولم تستجيبوا إلا جزئياًّ، بعد الاستخفافِ والارتباك أمام احتجاجاتٍ تاريخية، على مدى شهور، لأصحاب أنْــبَــلِ وأَشْـــــرَفِ المهن على الإطلاق. كما لجأتم إلى تسقيفٍ إقصائي وغير علمي لِسِنِّ وُلوج مِهَنِ التدريس في 30 سنة؛

والآن، هناك ضرورة قُصوى للتنفيذ الكامل لمُخرجات الاتفاق الاجتماعي القطاعي، بما في ذلك تطبيقُ كافة مقتضيات النظام الأساسي الجديد في أقرب الآجال؛

وهي مناسبة يتوجه فيها فريقُ التقدم والاشتراكية بالتحية والتقدير إلى كافة نساء ورجال التعليم (أزيد من 288 ألف رجل وامرأة تعليم) على تضحياتهم الجسام، ولا سيما إلى أولئك الذين يشتغلون في ظروفٍ أصعب، بالجبال والمناطق النائية وفي ضواحي المدن؛

ومن المؤكد أنَّ أسرة التعليم، بالنظر إلى دورها الحاسم في أيِّ مُقاربةٍ إصلاحية للمنظومة التربوية الوطنية، تستحق أرقى مستويات النهوض بأوضاعها المادية والاعتبارية والاجتماعية والمهنية؛ وتستحق أن تكون شريكاً حقيقيا في الإصلاح… كما صارت اليوم تحتاجُ إلى الحماية من مخاطر المهنة التي تَصِلُ للأسف إلى درجة الاعتداء الجسدي الـــــمُدان مجتمعياًّ؛

أيضاً، التزمتم، السيد رئيس الحكومة، بتعميم المدارس الجماعاتية والنقل والمطعم المدرسييْن، لكن الأرقام المخيفة للهدر المدرسي، ولا سيما في العالَم القروي، وفي صفوف الفتيات، تُـــــعَرِّي الواقع الــــمُرّ (295 ألف تلميذة وتلميذ يُغادرون الدراسة كل سنة، بما يشكِّلُ قنبلةً اجتماعية تُفَاقِمُ أوضاعَ Les NEET الذين يفوق عددهم أربعة ملايين؛

والتزمتُمْ بتطوير الابتكار والتعليم العالي والبحث العلمي، وبإحداثِ مُرَكَّبَاتٍ جامعية. لكن الواقع حاليا يُنبِئُنا بأن الحكومة تملصت من خيار الأنوية الجامعية ومن خيار المُركَّبات الجامعية معاً؛

كما يُنبئنا الواقعُ بنسبةٍ مقلقة للهدر الجامعي، التي تُقارِب 50%، طالما منذ السنة الجامعية الأولى يتبين للطالب ولأسرته أنه، في ظل غياب كلية قريبة، وغياب المنحة أو هزالتها، وعدم توفُّر سرير بحيٍّ جامعي، فإنه لا خيار سوى مغادرة الدراسة اضطراريا؛

كما يُنبِئُنا الواقع بمعضلاتٍ حقيقية يُعانيها حاملو الباكالوريا مع نظام التوجيه؛ وبارتفاع البطالة لدى خريجي الجامعات إلى نحو 30%؛ وبالضُّعف الشديد في معدل التأطير الجامعي؛ وضُعف عدد الطلبة الباحثين (1400 لكل مليون نسمة)؛ وضُعف ميزانية البحث العلمي (0.75% من الناتج الداخلي الخام، في حين يجب أن يتراوح بين 1.5 و2.5 مثل التجارب المقارنة).

السيد رئيس الحكومة؛

إنَّ المدرسةُ العمومية، في عهد حكومتكم، رغم المعالجة “الاضطرارية” نسبيًّا لبعض مطالب أسرة التعليم، ورغم الزيادة في ميزانية القطاع، ورغم اعتماد مدارس الريادة، كتجربةٍ لا تزالُ جنينية، ومحدودة التفعيل، وتحتاجُ إلى التقييم والتقويمِ والتطوير قبل التعميم، إلاَّ أنَّ الحكومة عموماً تبتعدُ أكثر فأكثر عن تحقيق مدرسة الجودة والتميُّز وتكافؤ الفرص؛

هكذا، لا يزالُ المستوى العام للتلاميذ بالتعلُّمات الأساسية في مؤخرة التصنيفات البيداغوجية المتخصصة. والكتابُ المدرسي تشوبُهُ اختلالاتٌ عميقة على مستوى تسويقه ومحتوياته، كما وَقَفَ على ذلك مجلسُ المنافسة؛

ولا تزالُ الحكومةُ تعلنُ، بشكلٍ عجيب، أنها غيرُ قادرةٍ على مراقبة وضبط الممارساتِ غير القانونية السائدة في عددٍ كبير من مؤسسات التعليم الخصوصي، التي يُلجأُ إليها غالباً هروباً من اختلالات المدرسة العمومية، وهي تؤدي خدمةً أساسيةً طابَـعُهَـا عموميٌّ بامتياز (لأزيد من مليون تلميذة وتلميذ)؛

ومن بين هذه الممارسات في بعض المؤسسات الخصوصية: فرضُ الأسعار والرسوم كيفما تريد وبالقَدْرِ الذي تريد، وفرضُ التدريس وفق كتبٍ مدرسيةٍ غير معتمَدة رسميًّا وباهظة الثمن.

وفوق كل ذلك، تعاني الأسر المغربية من الغلاء الفاحش في أسعار مستلزمات الدراسة، وفاقَمتُم الوضعَ بالنسبة للأسر المستضعفة بحذف برنامج مليون محفظة، وتعويضه بدريهماتٍ انتقائية لا تُسمن ولا تغني من جوع؛

ويزدادُ الأمرُ تفاقُماً في المجالات الترابية القروية والجبلية وفي ضواحي المدن والمناطق النائية، حيث تعاني آلافُ المدارس العمومية من غيابِ أبسط المرافق، ومن غياب النقل المدرسي، وضُعف خدماتِ الداخليات، ومن تَعَمُّقِ الفجوة الرقمية، ومن الاكتظاظ الذي ارتفع في عهد حكومتكم من 11 إلى 13 بالمائة بالنسبة للثانوي التأهيلي. وكلها عوامل تُفسر الحجم المهول للهدر المدرسي.

السيد رئيس الحكومة؛

إنَّ تجاهُلَ الحكومةِ لأوضاع المدرسة العمومية ومستلزماتِ إصلاحها الحقيقي، لَهُوَ أفضلُ دليلٍ على التهديد الحقيقي الذي يَطالُ المرفق العمومي في ظل هذه الحكومة؛

وذلك في الوقتِ الذي لا يمكنُ أبداً تحقيقُ مجتمع المعرفة من دون تعليمٍ عمومي جيد، ومن دون اهتمامٍ حقيقي بمربيات ومربّي التعليم الأولي، ومن دون مَحوٍ حقيقي للأمية التي لا تزال تمسُّ رُبْعَ المغاربة البالغين من العمر أكثر من 10 سنوات، وثُلثَ النساء، و38% من ساكنة العالم القروي، وذلك حسب نتائجِ الإحصاء العام للسكان والسكنى الأخير.

في الختام، نقول لهذه الحكومة إنها استنفذت زمَنها السياسي دون نجاحاتٍ تُذكَر، وسيسجِّلُ التاريخ عليها أنها اهتمت بلوبيات المال أكثر بكثير من أُسرة التعليم؛ وأنها مَـــــنَـحَـتْ بِكَرَمٍ منقطع النظير ملايير الدراهم لمستوردي المواشي، ولأرباب النقل وأرباب مَفْرَخات الرخويات، وغيرهم من محظوظي الحكومة.. ملايير كان من الممكن ضَخُّها في إصلاح منظومة التعليم والبحث العلمي… لو كانت فعلاً حكومةً اجتماعية.

شكراً لكم.