وداعا “لبؤة الأطلس” هنو العلالي: أيقونة الطب، والسياسة، والعمل الجمعوي

بقلم : سومية منصف حجي

بأي مداد نكتب عن رحيل “لبؤة الأطلس” التي لم يكسر شموخها زمهرير الغربة؟ في رحيل الرفيقة الغالية هنو العلالي معمر، لا نودع مجرد قيادية سياسية أو كفاءة طبية، بل نودع أسطورة مغربية كتبت فصولها الأولى بمداد الإرادة في فيافي “ولماس” الأبية، وانتهت رحلتها كأيقونة خالدة في سجلات النضال الحزبي والجمعوي والمهني.

في زمن كان فيه حلم الفتاة في قرى الأطلس يضيق حتى يلامس حدود عتبة الدار، وفي وقت كانت فيه مغادرة “ولماس” ضرباً من الخيال، شقت هذه الأمازيغية الحرة طريقها بين الصخور والمنعرجات. لم يكن خروجها للدراسة في فرنسا مجرد سفر لطلب العلم، بل كان ثورة صامتة وزلزالاً حطم قيوداً اجتماعية وعقلية ذكورية كبلت أجيالاً من النساء. حملت هنو قريتها الصغيرة في قلبها، وجبال الأطلس في وجدانها، وطارت نحو باريس لا لتنسى هويتها، بل لتعود بسلاح العلم، فكانت الصرخة الأولى لميلاد أول طبيبة نساء أمازيغية مغربية؛ تلك التي اقتحمت هذا التخصص النبيل لتكون الحامية لجسد المرأة المغربية وكرامتها، والمدافعة عن حقها في الحياة.

ولأنها كانت تؤمن أن المرأة هي العنصر الأساسي لبناء مجتمع صالح، لم تكتفِ هنو العلالي بسماع نبض قلبها خلف السماعة، بل كانت تسمع من خلال هذا النبض معاناة الآلاف من الفتيات والنساء اللواتي هُضمت حقوقهن وعانين من التمييز بشتى أنواعه. ومن الطب إلى “هندسة الأمل” في العالم القروي؛ حيث لم يثنِها العمل المهني ولا السياسي عن النزول إلى الميدان، فأسست عام 2006 جمعية “إيلي”، لتعلن حرباً ضروساً ضد الهدر المدرسي الذي يغتال أحلام الفتيات القرويات. ومن خلال هذا الصرح، تربعَت هنو على قمة العمل التطوعي، محاربةً المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ومقدمةً الدعم الكامل للفتيات في منطقة ولماس، مسقط رأسها، إيماناً منها بأن التعليم هو الجسر الوحيد لتمكينهن وتكسير طابوهات التقاليد البالية.

لقد مارست الفقيدة “الطب السياسي” بروح “الحكيمة” التي تدرك أن علة الوطن تكمن في غياب العدالة؛ فكانت في مجلس رئاسة حزب التقدم والاشتراكية ركناً قوياً وقامة أمازيغية رصينة، تمزج بين صرامة التكوين العلمي وبين حكمة الجذور. دافعت عن قيم الحداثة والتقدم بنفس الشراسة التي دافعت بها عن حق الفتيات في التمدرس وحق الفقراء في الصحة، فبقيت وفية لرفاقها ولشعبها حتى النفس الأخير.

يا ابنة “ولماس” البارة، ويا زهرة أطلسية نبتت في صخر التحدي، إن رحيلك في هذا اليوم من يناير 2026 هو انكسار لموجة عالية من العطاء. لكنك لم ترحلي؛ ففي كل “طبيبة نساء”، اليوم، قبس من كفاحك، وفي كل فتاة قروية واصلت تعليمها بفضل جمعية “إيلي” امتداد لإصرارك، وفي كل محطة نضالية من أجل الكرامة صدى من صوتك الرزين.

رحلتِ وتركتِ لنا درساً بليغاً: أن المرأة المغربية، وإن ولدت في أقاصي الجبال، قادرة على أن تلامس عنان السماء، وتداوي جراح أمة بأكملها. نمي في سلام أيتها الرفيقة الغالية، فقد شققتِ الطريق لمن بعدك بدموع الصبر وعرق الكفاح، وستبقى ذكراك منقوشة في وجدان المغرب كأول من حملت مشعل الشفاء في معبد الأنوثة، وأول من رفعت راية النضال والتمكين بوقار الكبار. اليوم يرحل عنا جسدك لكن ذكراك ستظل خالدة في قلوب كل رفيقاتك ورفاقك الذين ظلوا دوما يرون فيك النموذج الأسمى والمثل الأع لى.