مداخلة النائبة البرلمانية الرفيقة لبنى الصغيري، باسم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، في المناقشة العامة، لمشروع قانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية.
مداخلة الفريق في الجلسة العامة المخصصة للدراسة والتصويت على مشروع قانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية
الثلاثاء 20 ماي 2025 – العاشرة صباحاً
مدة التحدث: 9 دقائق
السيد الرئيس المحترم، السيد الوزير المحترم، السيدات والسادة النواب المحترمون؛
لقد واكب فريقنا، فريق التقدم والاشتراكية، بدقة، مسلسل إعداد وإخراج مشروع قانون المسطرة الجنائية، بالنظر لأهميته البالغة في هرم المنظومة التشريعية الوطنية، شأنه في ذلك شأن جميع البلدان، حيث يُعتبر أداةَ قياسٍ لكل مجتمع، يقيس من خلالها مدى احترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية بالبلاد، وبالتالي الوقوف على مدى ملاءمة التشريعات المحلية مع مبادئ العدالة الجنائية والاستجابة لها، وفق المواثيق الدولية، مع الحرص بشكل، يقظ وحذر، على عدم تصادُم التشريعات المعتمدة مع مبادئ العدالة الجنائية؛
من هذا المنطلق، فإن الهدف الأسمى من هذا التشريع، يجب أن يكون هو مواكبة التطورات المجتمعية، وما رافقها من تطور في الجريمة بمختلف مستوياتها وأصنافها، مع ما تقتضيه هذه المعادلة من ضرورة خلق التوازن اللازم والضروري، بين حماية وطمأنة المجتمع، وبين ضمان الحقوق والحريات الأساسية، خاصة ما يتعلق باحترام حقوق الدفاع والتقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، وقرينة البراءة، وحماية الأمن القانوني، وعدم إلقاء القبض على أي شخص إلا في إطار ما حدده القانون. وهي مبادئ من صميم حقوق الانسان والحريات في بُعدها الكوني.
وحرصا من فريقنا النيابي على تحقيق هذه المعادلة، صوَّتنا باللجنة النيابية المختصة، وسنصوت في هذه الجلسة العامة، برفض هذا المشروع، وهو ليس رفضاً مُمنهجاً وتلقائيا بالنظر إلى موقعنا في المعارضة، ولكنه رفضٌ مبدئي ومؤَسَّس على مبررات قوية وموضوعية.
فصِلَةً بالمادتيْن 3 و7 اللتين تستأثران باهتمامٍ أكبر، سجلنا ردود الفعل المتشنجة تُجاه المجتمع المدني، والتضييق عليه في مساهمته وحقه في التبليغ عن قضايا المال العام بحرية في نطاق احترام الدستور، وبصورةٍ تتناقض كذلك مع مبدأ استقلالية القضاء، ومع معايير الشفافية والنزاهة والمحاسبة، التي من الواجب أن تخضع لها المرافق العمومية.
وإنْ كنا نفهمُ أنَّ بعض الهواجس المرتبطة بالابتزاز المــــتخفِّي وراء غطاء العمل الجمعوي، هي دافعٌ معقولٌ إلى الضبط التشريعي، لكن ذلك كان يحتاجُ بالأحرى إلى اجتهاد تشريعي، وليس إلى اعتماد الحلول السهلة وغير السوية مُتمثلةً في إقرار العقاب الجماعي لجمعيات المجتمع المدني جميعِها. فالممارساتُ غير السليمة للبعض لا ينبغي أن تكون مبررًا لحرمان كافة الجمعيات الجادة والمواطِنة من المساهمة في الكشف عن القضايا التي تَـــــهُمُّ تدبير المال العام وتقديم الشكايات بشأنها.
ونرفض هذا المشروع، أيضاً، بالنظر إلى ما يحمله من مقتضيات نعتبرها تراجعية أو تقييدية، وغير عادلة، من زاوية خلق التوازن بين طرفيْ المعادلة. وهو نصٌّ يفتقر إلى ما يكفي من النَّفَس والخلفية الحقوقية، ولا يَعكس بالمستوى اللازم، التزاماتِ بلادنا وانخراطها في الدينامية الحقوقية الدولية، والتي تقوم بالدرجة الأولى على مبادئ احترام الكرامة الإنسانية وعلى مبادئ المحاكمة العادلة والمساواة التامة أمام القانون، وترسيخ العدالة الجنائية. كما أنه مشروعٌ لا يُقدم إجابات كافية ومُقنعة على أزمة التشريع المتعلق بالسياسة الجنائية، والتي تبرز من خلال مجموعة من التمظهرات من بينها المنظومة العقابية التي عجزت إلى حد اليوم عن تقليص معدلات الجريمة.
في هذا السياق، تقدم فريق التقدم والاشتراكية، بحوالي 170 مقترح تعديل، لكن للأسف، لم تتفاعل معها الحكومة بالشكل المطلوب. وتهدف تعديلاتُنا في مجملها إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وقرينة البراءة، وتقوية واحترام حقوق الدفاع والتقاضي، وسلامة مبدأ الإثبات، والوقاية من كل أشكال التعذيب، وتقييد مبدأ التقادم في جرائم الفساد، وعدم الإفلات من العقاب، وضمان مبدأ التكافؤ بين سلطتيْ الاتهام والدفاع، والتي تعتبر من أسمى قواعد المحاكمة العادلة، حيثُ لا يمكن التراجع أو تقييد أي حق من حقوق الدفاع، ومن ضمنها حق الاطلاع والحصول على الوثائق المدرجة في ملف الاتهام المتوفرة لدى النيابة العامة وحيازتها، و حق الدفاع في مؤازرة المتهم أو المشتبه به منذ ايداعه بالحراسة النظرية وإلى غاية صدور الحكم عليه، بغض النظر عن نوع الجريمة، دون شروط أو استثناءات مسبقة تَمُسُّ بحقوق المعني بالأمر بحقه في الدفاع. وذلك بالإضافة إلى تقليص الحالات الموجِبة للوضع تحت تدبير الاعتقال الاحتياطي، كتدبير استثنائي، وكذا عدم تقييد حق الولوج إلى القضاء، فضلا عن الزامية التحقيق في بعض الجرائم الخطيرة.
السيد الوزير المحترم؛
حتى لا نُبَخِّسَ الناسَ أشياءهم، أريد باسم فريق التقدم والاشتراكية، أن أحييكم على التحمل الكبير وعلى المجهود المقدر الذي بذلتموه، وإلى جانبكم جميع أطر وزارة العدل، وجميع الأطر من مختلف الهيئات والمؤسسات الوطنية التي ساهمت في إعداد هذا المشروع قانون، والتي تهدف من خلال قناعتها وتصورها له، تجاوز الإشكاليات والاختلالات التي أصبحت محط انتقاد متزايد من طرف المختصين والمهتمين بالشأن الحقوقي ببلادنا، خاصة ما يتعلق بالشكليات والإجراءات، التي تكون لها انعكاساتٌ مباشرة على ضمان حقوق الأشخاص المشتبه بهم أو المتهمين أثناء فترة المحاكمة، بدءًا من مرحلة البحث التمهيدي إلى غاية صدور الأحكام.
كذلك، يُعتبر ارتفاع نسبة الجريمة وتطورها، وأيضاً إكراهُ اكتظاظ السجون، والذي كان موضوع تشريعٍ خاص، من الأسباب الداعية لهذا المشروع قانون، حيث أن ارتفاع معدل الجريمة وخطورتها، أصبح واقعا يفرض نفسه، ويتجاوز الحدود، مما فَرَضَ تبني آليات موازية تواكب التطور العلمي والتقني الذي توظفه الجريمة في صراعها الجدلي والدائم مع الحق والعدالة، بما أصبح يتجاوز أحياناً النسق القانوني والمسطري للقانون الجنائي التقليدي.
السيد الوزير المحترم؛
حتى لا نبخس الناس أشياءهم، مرة أخرى، لا بد من الإقرار بأن هناك العديد من المقتضيات الايجابية، التي ستساهم في تحسين وتثبيت مسار الضوابط الإجرائية لمكافحة الظاهرة الاجرامية، وفق متطلبات المحاكة العادلة، كإنجاز تسجيل سمعي بصري في الجنايات والجنح للمشتبه فيه، وتقليص تمديد مدد الاعتقال الاحتياطي، سواء في الجنايات أو في الجنح، وكذا تدبير الوضع تحت المراقبة الإلكترونية، ووضع آليات للوقاية من التعذيب، فضلا عن توسيع وعاء الجرائم القابلة للصلح، وإحداث آلية للتخفيض التلقائي للعقوبة، وانفتاح النيابة العامة على الرأي العام، فضلا عن تبسيط الإجراءات والمساطر الجنائية وتطوير الوسائل الإلكترونية في مكافحة الجريمة.
ولا تفوتنا الفرصة كذلك، لنتقدم بالشكر الجزيل، للمجلس الوطني لحقوق الانسان، وللهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وللمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، على آرائهم المفيدة بخصوص هذا المشروع قانون، تجاوبا وتفاعلا مع الطلبات التي تقدمنا بها، نحن وبعضُ المكونات النيابية، بهذا الخصوص؛
السيد الوزير المحترم؛
لقد كنا نعول، بصدق، على قناعاتكم السياسية والقيمية والفكرية في صياغة هذا المشروع قانون، لترجيح روح الفلسفة الجنائية، التي تقوم على تحقيق التوازن بين “حَقَّيْنِ” لا يجب التفريط في أحدهما على حساب الآخر، الحق العام، من جهة، كتعبير عن مصلحة المجتمع، وحق المتهم، باعتباره الطرف الأضعف، في محاكمة عادلة، من جهة أخرى، من خلال تمتيعه بما يكفي من ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.
لكن، للأسف، ورغم المجهود المُقَدَّر، نعتبر أننا أضعنا هذه الفرصة التشريعية الهائلة لإحداث التقدُّم المنتظَر، ولمراجعةٍ جذرية وعميقة للمسطرة الجنائية، مراجعة تنتصر لتعزيز الحقوق والحريات ولكرامة الانسان.
شكرا لكم جميعًا.