مداخلة النائبة نادية تهامي، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، في الجلسة العامة المخصصة للدراسة والتصويت على مشروع قانون رقم 026.25 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة
تدخل الفريق
في مناقشة مشروع قانون رقم 026.25
يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة
الجلسة التشريعية – الثلاثاء 22 يوليوز 2025
السيد الرئيس؛ السيدات والسادة الوزراء؛ السيدات والسادة النواب؛
ونحنُ نناقش، اليوم، مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، نؤكد على أنَّ الإعلام هو الرِّئَة التي تتنفسُ بها الديموقراطية، ولذلك فَمَسارُهما واحد.
ولقد قُلنا، في فريق التقدم والاشتراكية، على مدى أربع سنوات، عن هذه الحكومة، إنها لا تَقتربُ من القضايا السياسية… لكننا اليوم نقولُ: يا لَــــيْـــتَـــها لم تقتربْ منها؛
لأنها حين باشَرَتْ موضوعَ الصحافةِ وتنظيمَها الذاتي، فإنها فَعَلَت ذلك بمقاربةٍ نُكوصية وتَراجُعيَّة، تتنافى مع الدستور، وتَـــــــهْــــــدِمُ المكتسباتِ الديموقراطية في مجال حرية وتعدد الإعلام، بما يُسيءُ إلى صورة بلادِنا التي تتطلعُ إلى أن تكون رائدةً في محيطِها؛
إننا، في فريق التقدم والاشتراكية، نَعتبِرُ أنَّ الحكومة، اليوم، بصدد التأشيرِ على فضيحةٍ سياسية وديموقراطية ودستورية، كارثيَّة بكل المقاييس (نرفضُها شكلاً ومَضموناً ومَنْهجاً)؛
من خلال إصرارها على الهَـــــرْوَلَــــة الزمنية في تمرير مشروعِ قانونِ إعادةِ تنظيمِ المجلسِ الوطني للصحافة، بشكلٍ أُحَـــادي، وبالاعتماد فقط على الأغلبية العددية، دون توافُـــق، ودون تـــــــــشـــــــــاوُر، ولا إشراكٍ، ودون انتظار التوصُّل بآراء مؤسسات دستورية كان لنا شَرفُ المبادرةِ إلى طَلَبِها؛
مشروع جِئتم به في صيغةٍ تتضمنُ اختلالاتٍ جوهرية، وتراجُعاتٍ فاضحة، وتناقضاتٍ خطيرةٍ مع الدستور؛
والغريبُ العجيبُ، السيد الوزير، وأنتم تعلمون تقديرَنا لشخصكم، أنكم اعتبرتُمْ نَـــفْسَكُم غَيْرَ معنيين بالتشاور… وأنتمْ أعلمُ بأنَّ هذه المبادرة التشريعية آتيةٌ منكم كحكومة، وأنه عليكم تَحَمُّلَ مسؤوليتها وتَبِعاتِها، سياسياًّ، كما ينصُّ على ذلك الدستور؛
والحقيقةُ أننا أمام نصٍّ، مُخجِلٍ لبلادنا، ويُعاكسُ منحى تطوُّرها… وهذا ما يُفَسِرُ أنَّ المشروع مرفوضٌ من معظم مكونات الحقل الإعلامي والحقوقي والديموقراطي. ويكادُ يتبرأ منه الجميعُ ويُنكِرُ مسؤوليتَهُ عن إعداده الجميع، كما لو أنه “منتوجٌ سِرِّيُّ أو شَبَحٌ بلا أصلٍ ولا هُـــوِيَّةٍ ولا نَسَب”: هل الوزارة؟ هل الحكومة؟ هل اللجنة المؤقتة؟ هل أوساطٌ ولوبيات مالية غير مرئية؟
إنَّ النصَّ الذي بين أيدينا يرتبطُ بالمجلس الوطني للصحافة، والذي أبرزُ مهامّه هي الحِفاظُ على أخلاقياتِ المهنة وشَرَفِها؛ وضمانُ حقِّ المجتمع في إعلام حر ومتعدد وصادق ومسؤول ومهني؛ وضمانُ حرية الصحفي في إطار المسؤولية؛
ولذلك، فإنَّ الأصلَ والغايةَ في القضيةِ ليس هو المجلسُ الوطني، لذاتِه، بل الأصل هو الممارسة الصحفية والخِدمة الإعلامية الموجَّهَةُ للمجتمع؛
ولذلك، فإنَّ محورَ القضية الأول وجوهرَها هو المجتمع، أيْ الجمهور، وحقُّهُ في إعلام حر، متعدد، وذي جودة ومصداقية، وحقُّه في الحماية من أيِّ انتهاك لأخلاقيات الصحافة أو لكرامة الناس أو لمعطياتهم الشخصية؛
والمحور الآخرُ في القضية هو الصحفي، لأنه يُجَسِّدُ السلطة الرابعة، ويُسهم في صُنْعِ الرأي العام.. ولذلك يتعين الاهتمامُ بأوضاعه المادية والاجتماعية والمهنية، وبمستوى تكوينه؛ وتدقيقُ شروط اعتماده؛ وحمايةُ حقه في استقصاء المعلومة؛ وعدم انتهاك حريته في التعبير بمِهنية ومسؤولية عن الرأي، دون تضييق، مهما تَكن طبيعةُ هذا التضييق، فبالأحرى حالاتِ التَّــــعرُّض للمتابعة بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر؛
ثم محورُ المؤسسة الصحفية، التي تعيش أغلبُها الهشاشةَ الاقتصادية؛ وتريد حَقَّهَا في الحياة، وفي اعتماد خَطِّهَا التحريري بحرية، دون تأثير ولا إغراء، ولا ابتزاز ولا استغلال، ولا تخويف، ولا إخضاع، خاصة من سلطة المال.. وتريد الحقَّ في الدعم العمومي، بشكلٍ عادل ومتكافئ وشفاف.
وعودةً إلى النص، فَبَعد المكاسب التي كان لحزبنا إسهامٌ في انبثاقها، بكل تواضُع، كانت التجربةُ الأولى بعد دُستور 2011 تحتاجُ إلى الإِنْضاج، لكن كانت هناك أزمة مفتعلة، وكانت هناك عرقلة للانتخابات ولتفعيل التناوب؛
وعوض أن تكون الحكومةُ جزءً من الحلول، جَعَلَتْ نَفْسَهَا جزءً من المشكلة، من خلال التمديد، ثم عبر بِدعة اللجنة المؤقتة، ثم باختلالات الدعم العمومي، وحاليا بمشروع قانون يُرسِّمُ التراجعات، ويُجهِزُ على المكتسبات، ويُفرِغُ الفصل 28 من الدستور من معناه؛
لكن هذا السلوك الحكومي لا يُفاجِئُنا، لأن الحكومة عَوَّدَتْنا على الانزعاج من الانتقاد، مهما كان مصدره، بما فيه الإعلام، ولذلك تحاول تقييده بكل الأساليب، بما فيها وسيلة التشريع؛
والحقيقةُ أنَّ المجلس الوطني للصحافة يَجب أن يعكس التعددية، والاستقلالية، وذاتية التنظيم، وديموقراطية الإفراز، وديموقراطية التدبير، وتمثيلية تنوُّع جميع مكونات الجسم الإعلامي؛
لكن، على عكس ذلك، ها نحنُ أمام مشروع قانون بِتراجُعاتٍ كارثية، كل واحدٍ منها لوحده يُوجِبُ إسقاط المشروع:
- أولًا: إعمال التمييز بين المهنيين في طريقة اختيارهم، من خلال إلغاء مبدأ انتخاب ممثلي الناشرين، وتعويضه بالانتداب، أي بالتعيين؛
- ثانيا: فضيحة إمكانية أن يكون لمقاولة واحدةٍ: عشرون حصة، بناءً على حجمها ورقم معاملاتها. وهذا يجعل المشروع يُكَرِّسُ منطق الغنيمة والسوق، والاحتكار والهيمنة والتغوُّل، والقضاء على التعددية والتنوع… فرقم المعاملات المالي لا يجب أن يكون معياراً للتمثيل في مجلس أهَمُّ اختصاصاتِهِ مراقبةُ الانحرافِ على أخلاقيات المهنة، والتي سببها في الغالب هو سلطة المال وهاجسُ الربح؛
- ثالثاً: مَـــــنْـــحُ المجلسِ صلاحيةَ حَــــجْـــبِ وتوقيف المنبر الإعلامي (ولِحُسن الحظ أنكم تراجعتُم عن هذا المقتضى، كاستجابةٍ وحيدةٍ جوهرية باللجنة لتعديلاتنا)؛
- رابعاً: انتخاب ممثلي الصحفيين عن طريق الاقتراع الفردي الإسمي، عوض نظام اللائحة المهنية، بما يعني إضعافُ الهيئات المهنية والنقابات؛
- خامساً: تفريطُ المشروع في ضمان تمثيلية كل أصناف الإعلام ضمن تمثيلية الصحفيين؛
- سادساً: تراجُعُ المشروع عن تمثيلية الجمهور، أيْ استبعاد ضمير المجتمع؛
- سابعاً: إلغاء مبدأ التناوب على رئاسة المجلس، بما من شأنه أن يُذْكِي التشرذم والنزاع بين مكونات الجسم الصحفي الواحد؛
- ثامناً: تغييب المقاربة التوافقية والتشاورية، كما قلنا.
السيدات والسادة الأفاضل؛
باختصار؛ إننا أمام مشروعٍ يُـــــقْــــبِــــرُ معنى مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة والصحفيين؛
وإننا أمام مشروعٍ ضاقَـــتْ مساحةُ التوافق عليه، وافتَقَدَ التوازُنَ بين تطلعات المجتمع، وبين انتظارات الصحفي، وبين مصالح المقاولة الصحفية؛
على هذه الأسس، فإنَّ فريقَ التقدم والاشتراكية يُعربُ عن رفضه القوي لهذا المشروع الحكومي، بصيغته الحالية، منهجاً وشكلاً ومضموناً.
شكراً لكم.