حسن الدرهم : حان الوقت للانتقال من تثبيت المكاسب الدبلوماسية في الصحراء إلى ترسيخها تنمويا
في حوار مع موقع "العمق المغربي"
أكد البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، حسن الدرهم أن التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية تفرض الانتقال من مرحلة تثبيت المكاسب الدبلوماسية إلى مرحلة ترسيخها عبر منجزات سياسية ومؤسساتية وتنموية ملموسة، مشددا على أن المرحلة المقبلة تستدعي تعبئة الأحزاب السياسية والمنتخبين وفعاليات المجتمع المدني لتنزيل الرؤية الملكية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحويل الإجماع الوطني حول الوحدة الترابية إلى نتائج تنعكس على حياة المواطنين، خاصة بالأقاليم الجنوبية.
واعتبر الدرهم، في حوار مع جريدة “العمق”، أن المشاركة المرتفعة في الانتخابات التشريعية بالأقاليم الجنوبية، ولا سيما بلوغها حوالي 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء مقابل 38.02 في المائة على المستوى الوطني، تحمل دلالات سياسية ومؤسساتية تتجاوز الأرقام الانتخابية، وتعكس انخراط الساكنة في المسار المؤسساتي، لكنها تضع في المقابل مسؤولية كبيرة على المنتخبين للاستجابة لانتظارات المواطنين في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والاستثمار والعدالة الاجتماعية.
فيما يلي نص الحوار كاملا:
كيف تقرؤون القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797، الصادر في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية؟ وإلى أي حد يمكن اعتباره محطة مفصلية في مسار التسوية السياسية، وتكريسا للمكانة التي باتت تحتلها المبادرة المغربية للحكم الذاتي؟
يشكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، محطة مفصلية في المسار الأممي لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية، لما يحمله من دلالات سياسية تعزز مكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا للتفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي، عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
وتكمن أهمية هذا القرار في كونه يفتح آفاقا جديدة أمام العملية السياسية، وينقل النقاش نحو حلول واقعية وقابلة للتطبيق، بعيدا عن الجمود الذي طبع هذا النزاع لعقود. كما أن تجديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026 يندرج ضمن مواصلة الجهود الأممية الرامية إلى الدفع بالمسار السياسي.
وفي تقديري، فإن الأهمية الاستراتيجية لهذا القرار تتمثل في تعزيز موقع المقترح المغربي في مسار التسوية، بما ينسجم مع رؤية المملكة القائمة على الواقعية والتوافق واحترام سيادتها ووحدتها الترابية. ويبقى الرهان اليوم هو تحويل هذا التحول الدبلوماسي إلى تسوية مستدامة تضمن الاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي.
كيف تقرؤون نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالأقاليم الجنوبية، وإلى أي حد تعكس نسب المشاركة مستوى الوعي السياسي وثقة المواطنين في الخيار الديمقراطي؟ وهل تمثل هذه المشاركة رسالة إلى المجتمع الدولي بشأن تشبث ساكنة الأقاليم الجنوبية بالمسار السياسي والمؤسساتي للمملكة؟
إن المشاركة المرتفعة التي شهدتها الانتخابات التشريعية الأخيرة بالأقاليم الجنوبية، والتي بلغت حوالي 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، مقابل 38.02 في المائة على المستوى الوطني، تحمل دلالات سياسية ومؤسساتية مهمة. وباعتباري أحد أبناء الصحراء ونائبا برلمانيا يمثل ساكنة هذه الأقاليم، أرى فيها مؤشرا على حيوية المجتمع بهذه الربوع من أرض الوطن، وحرص شريحة واسعة من المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية واختيار ممثليهم.
فهذه المشاركة لا ينبغي اختزالها في مجرد أرقام انتخابية، بل تعكس انخراطا في المسار المؤسساتي، وتضع في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة على عاتق المنتخبين لتحويل ثقة المواطنين إلى نتائج ملموسة في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والاستثمار والعدالة الاجتماعية.
كما تحمل هذه المشاركة رسالة تتجاوز بعدها الداخلي، إذ تبرز ارتباط ساكنة الأقاليم الجنوبية بالمؤسسات الوطنية ومشاركتها الفعلية في تدبير الشأن العام. وفي سياق قضية الصحراء المغربية، تكتسب هذه الدلالة أهمية خاصة، باعتبار أن مستقبل المنطقة يرتبط أيضا بإرادة المواطنين ومشاركتهم وانتظاراتهم التنموية.
لكنني أؤكد أن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة لا تكمن في ارتفاع نسبتها فحسب، بل في قدرتنا على صون الثقة التي عبّر عنها المواطنون، وترسيخ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق تنمية منصفة وفرص متكافئة. فالمواطنون لا ينتظرون الاحتفاء بمشاركتهم فقط، بل يتطلعون إلى أن تتحول أصواتهم إلى تحسين ملموس في حياتهم اليومية.
ما الأبعاد الاستراتيجية للخطاب الملكي التاريخي لـ 31 أكتوبر 2025؟ وإلى أي حد يشكل هذا الخطاب خارطة طريق حاسمة لمستقبل ملف الصحراء المغربية والترهين السياسي لمختلف الفاعلين؟”
يشكل خطاب جلالة الملك محمد السادس ليوم 31 أكتوبر 2025 محطة مفصلية في تاريخ قضيتنا الوطنية، ليس فقط لارتباطه بالتحولات الدولية وقرار مجلس الأمن رقم 2797، بل لما يجسده من رؤية استراتيجية لمستقبل الصحراء المغربية بعد عقود من التضحيات والنضال.
ومن موقعي كنائب برلماني ينحدر من الأقاليم الجنوبية، أقرأ هذا الخطاب باعتباره انتقالا من مرحلة تثبيت المكاسب الدبلوماسية إلى مرحلة ترسيخها وتحويلها إلى منجزات سياسية ومؤسساتية وتنموية مستدامة، في إطار السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.
لقد أكد جلالة الملك أن ما تحقق لا ينبغي أن يكون مدعاة للاكتفاء بالاعتزاز، بل حافزا للانخراط في مرحلة جديدة عنوانها البناء والاستقرار والتعاون الإقليمي. كما أن الخطاب يحمل دعوة واضحة إلى الأحزاب السياسية والمنتخبين والبرلمان والمجتمع المدني لتجاوز الحسابات الضيقة، وتوحيد الجهود حول القضية الوطنية، والعمل بمسؤولية من أجل صيانة المكتسبات.
وأعتقد أن من أبرز رهانات المرحلة المقبلة جعل هذه المكاسب تنعكس إيجابا على حياة المواطنين، من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتعزيز العدالة الاجتماعية، خصوصا بالأقاليم الجنوبية.
كما أستحضر قرار الملك جعل 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت اسم “عيد الوحدة”، بما يحمله من رمزية وطنية وتاريخية.
هل يمكن اعتبار عيد الوحدة مناسبة تتجاوز الاحتفال العابر، لتجسد من جديد التلاحم الذي يربط المؤسسة الملكية بالشعب المغربي، خصوصا أن الأمر يتعلق بقضية قادها الملك بحكمة، مستندا إلى تعبئة مختلف القوى الحية بالمملكة؟
بكل تأكيد، فعيد الوحدة ليس مجرد مناسبة وطنية عابرة، بل هو تعبير عن مسار تاريخي متواصل تتجدد من خلاله أواصر التلاحم والوفاء بين العرش والشعب، حول الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها الوحدة الترابية للمملكة.
وتنبع رمزية هذه المناسبة من ارتباطها بقضية وطنية قادها جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بحكمة وبعد نظر، مستندا إلى دبلوماسية فعالة وتعبئة وطنية شاملة أظهرت قوة الجبهة الداخلية والتفاف مختلف مكونات الشعب المغربي حول قضية الصحراء المغربية.
كما رى أن هذه القضية لم تكن يوما مجرد ملف سياسي أو نزاع إقليمي، بل قضية هوية وذاكرة مشتركة، ارتبطت بتضحيات أجيال متعاقبة وإرادة وطنية راسخة في بناء مغرب موحد وقوي.
غير أن القيمة الحقيقية لعيد الوحدة لا تكمن فقط في استحضار ما تحقق، بل في استيعاب مسؤوليات المرحلة المقبلة، من خلال تعزيز الوحدة الداخلية، وتحقيق الإنصاف المجالي والتنمية المستدامة وتكافؤ الفرص، خصوصا بالأقاليم الجنوبية.
إن عيد الوحدة هو تجديد للعهد بين العرش والشعب، وتأكيد على أن التلاحم الوطني، حين يسنده عمل مؤسساتي مسؤول، يشكل رافعة أساسية لصيانة المكاسب وبناء المستقبل.
في ظل التحولات المفصلية التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، ما المطلوب اليوم من الأحزاب والمنتخبين في الأقاليم الجنوبية لتنزيل الرؤية الملكية وتعزيز خيار الاستقرار والتنمية اتجاه إخواننا بتندوف؟
إن دعوتي إلى الأحزاب السياسية والمنتخبين وفعاليات المجتمع المدني، خصوصا بالأقاليم الجنوبية، هي أن نستوعب جميعا أن المغرب دخل مرحلة جديدة في مسار قضيته الوطنية، تقتضي الانتقال من تثمين المكاسب الدبلوماسية إلى ترسيخها من خلال العمل الجاد والمسؤول، والانخراط الفعلي في تنزيل الرؤية الملكية السامية.تحليل سياسي
لقد رسم جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، معالم هذه المرحلة بحكمة وبعد نظر، ومن واجبنا أن نكون سندا لهذه الرؤية، عبر سياسات عمومية منصفة، ومبادرات ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين، وتفتح آفاق الشغل والاستثمار أمام الشباب، وتعزز الثقة في المؤسسات.
كما أدعو النخب الفكرية والثقافية والإعلامية وفعاليات المجتمع المدني إلى الإسهام في ترسيخ الوعي الوطني، ومواجهة التضليل بخطاب مسؤول يجمع بين الاعتزاز بالهوية المغربية والإنصات لانشغالات المواطنين وانتظاراتهم المشروعة.
أما إخواننا المغرر بهم في مخيمات تندوف، فإن رسالتنا إليهم هي رسالة أخوة وطمأنينة وأمل، بعيدا عن الخصومة والإقصاء. فالوطن يتسع لجميع أبنائه، والعودة إلى حضنه تتيح فرصة المشاركة في بناء المستقبل، في إطار السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي. وينبغي أن تكون هذه الرسالة صادقة، قائمة على الثقة والكرامة والمصالحة، ومسنودة بآفاق حقيقية للتنمية والاستقرار.
خلاصة القول، أن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من مرحلة تثبيت المكاسب إلى مرحلة ترسيخها، وجعل الإجماع الوطني قوة دافعة لبناء مغرب موحد، قوي بمؤسساته، متماسك بأبنائه، ومنصف لجميع جهاته.