مداخلة النائبة نزهة الصقلي في المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2015 الجزء الثاني – المحور الحقوقي – الاحد 16 نونبر 2014
السيدات والسادة الوزراء ؛
السيدات النائبات والسادة النواب ؛
يشرفني أن أساهم في هذه المناقشة العامة باسم فريق التقدم الديمقراطي في بعض الجوانب المتعلقة بالبعد الحقوقي في الجزء الثاني من مشروع قانون المالية لسنة 2015. و هو بعد أساسي يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما فيها الحقوق اللغوية من خلال إعمال اللغة الأمازيغية و الحقوق البيئية، ككل غير قابل للتجزيء.
ويتعلق الأمر هنا بحقوق جميع مكونات المجتمع: الأطفال، المسنون، النساء الرجال، سكان القرى والمدن و المناطق الجبلية ، ومغربيات ومغاربة العالم، و كذلك الأخد بعين الاعتبار الحقوق لبعض الفئات في وضعية هشة كالأشخاص في وضعية إعاقة و الأمهات العازبات و أطفالهن و المعتقلين و المعتقلات و المهاجرين و المهاجرات لأن الدستور المغربي يمنع جميع أشكال التمييز ضد أي أحد.
والسياسات العمومية ليس لها معنى إلا إذا وضعت كل هذه الحقوق بالنسبة لكل مكونات المجتمع في صلب اهتماماتها على أساس الإنصاف و المساواة و التضامن.
وسأبدأ بطرح قضية نعتبرها أولوية في فريق التقدم الديمقراطي يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية، رغم تناولنا لذلك في معرض مداخلتنا الرئيسية أمس، وسأتحدث عنها مجددا في بضع كلمات.
- القضية الوطنية.
لقد احتفلنا منذ أيام بالذكرى التاسعة والثلاثون للمسيرة الخضراء، والتي حصل لي شخصيا شرف المشاركة فيها. وقد وجه جلالة الملك محمد السادس بهذه المناسبة خطابا ساميا للأمة يحمل العديد من الرسائل القوية والجريئة.
ونضم صوتنا إلى الخطاب الملكي، ونقول: كفى من سياسة الريع والامتيازات، وندعو إلى القطيعة مع حكامة التدبير السابق وتمكين أبناء وبنات المنطقة من المشاركة في تدبير الشأن المحلي، في إطار الشفافية والمسؤولية وتكافؤ الفرص، في خضم تفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي لأقاليمنا الجنوبية.
ويتعلق الأمر هنا برؤية واضحة، وخارطة طريق تتطلب منا جميعا تعبئة شاملة مبنية على تقوية الجبهة الداخلية، تنخرط فيها جميع القوى الحية للبلاد.
وندعو في فريقنا إلى فضح الوضع الكارثي والخطير الذي يتعرض له إخواننا وأخواتنا وأبنائنا بمخيمات تندوف، وفتح المخيمات للجمعيات والهيئات الحقوقية الدولية لإحصاء و إطلاق سراح المواطنين المحتجزين. كما نعبر على تضامننا مع إخواننا المطرودين من الجزائر، والبالغ عددهم 45.000 مغربية ومغربي سنة 1975، بطريقة تعسفية وغير إنسانية.
- اصلاح القضاء
إننا نعتبر في فريق التقدم الديمقراطي أن العدل هو أساس بناء دولة الحق و المؤسسات، ونثمن كل الجهود المبذولة في مجال إصلاح منظومة العدالة التي نعتبرها ورشا مهيكلا ذي أولوية بالنظر لارتباطه بدولة القانون والمؤسسات، وتشجيع الإستثمار المنتج للثروة ومناصب الشغل، وندعو في هذا الصدد إلى:
- عصرنة القضاء، وتخليقه وتعزيز استقلاليته؛
- تسريع تفعيل ميثاق إصلاح العدالة، ونتطلع بفارغ الصبر للنصوص التشريعية المتعلقة بالإصلاح وخاصة مشاريع القوانين المتعلقة بإصلاح القانون الجنائي و قانون المسطرة الجنائية من أجل ملائمة هذه النصوص مع دستور البلاد الذي نعتبره بمثابة ميثاق حقيقي للحقوق والحريات و كذلك مع المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب
ونتطلع كذلك إلى قانون جنائي يحمي فعليا السلامة الجسدية والنفسية وكرامة نسائنا وبناتنا ضد كل أشكال العنف والتحرش الجنسي، بدلا عن حماية الأخلاق العامة و نظام الأسر في المجتمع.
إننا نريد قانونا جنائيا عصريا مبنيا على التربية والتأهيل، وليس على الإنتقام واستمرار العنف. وفي هذا الصدد، فإننا في حزب التقدم والاشتراكية نعبر عن تشبثنا العميق و المبدئي بمطلب إلغاء عقوبة الإعدام، ونحيي المبادرات التي قامت بها “شبكة برلمانيات وبرلمانيون ضد عقوبة الإعدام”، والتي نشارك فيها بفعالية إلى جانب ممثلي وممثلات العديد من الحساسيات السياسية انسجاما مع مذكرة حزبنا المتعلقة بإصلاح الدستور، كما دافعنا عن هذا المبدأ بمناسبة مناقشة مشروع قانون القضاء العسكري بهذا المجلس.
وفي هذا الصدد، نقدم نداء إلى الحكومة التي نحن نشارك فيها من أجل التصويت لصالح القرار ألأممي المتعلق بإيقاف تنفيذ عقوبة الإعدام، الذي سيعرض للتصويت في الجمعية العامة خلال الأسبوع المقبل.
كما ندعو الحكومة إلى تبني خطة العمل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها لوحة القيادة ومخطط العمل الذي يحقق الالتقائية و الإدماج للبعد الحقوقي في السياسات العمومية.
- قضية حقوق النساء والمساواة
لابد من الإشارة هنا للارتباط الوثيق لحزبنا بقضية المساواة عبر تاريخه. تتوفر بلادنا على الفصل 19 الذي يجسد قوة المساواة والمناصفة من أجل بناء أمة ديمقراطية وعادلة و محاربة الفقر والأمية والظلم والتخلف.
عبرنا بالأمس عن ارتياحنا لإحداث صندوق التكافل العائلي الخاص بالنساء المطلقات، ولكن نرى من المستعجل تبسيط المساطر الإدارية ، وتمكين النساء المطلقات الفقيرات من الإستفادة الفعلية من هذا الصندوق، مع العلم أن 10% فقط من ميزانية هذا الصندوق هي التي تم صرفها.
نحيي كذلك إحداث صندوق مخصص للأرامل في إطار برنامج تيسير، ونعتبر في الواقع أن هذا الصندوق مخصص للأيتام، و في اطار المقاربة الحقوقية ننادي بتوسيعه في أقرب الآجال ليشمل كل الأطفال في وضعية هشة سواء أطفال النساء المتخلى عنهن من طرف أزواجهن أو أطفال الأمهات العازبات، لأن الفصل 32 من الدستور ينص على حق الحماية القانونية والاجتماعية والمعنوية لكل الأطفال بغض النظر على وضعيتهم العائلية.
وفي هذا الصدد ندعو إلى الاستعجال بحماية الأطفال في وضعية صعبة من خلال القضاء على ظاهرة تشغيل الطفلات في البيوت و محاربة ظاهرة تزويج القاصرات.
أما فيما يتعلق بالنساء، فهن في حاجة مستعجلة لدعم قدراتهن الاقتصادية من خلال ولوجهن المتساوي والمنصف لسوق الشغل والتربية و الولوج للخدمات الصحية والسكن والتجهيزات الاجتماعية الأساسية ولحقهن في الأرض، والموارد و حماية النساء والفتيات من كل أشكال العنف والتحرش الجنسي.
وندعو إلى تسريع تفعيل الأجندة الحكومية للمساواة،هذه الخطة الحكومية الثمينة الموروثة عن الحكومة السابقة و المبنية على مقاربة عرضانية و التقائية لمجموعة من القطاعات، والتي تتطلب إرادة سياسية لكل مكونات الحكومة لتفعيلها.
الزمان يمر بسرعة، و أصبح من المستعجل تقوية الحقوق الاقتصادية للنساء، لأن المغرب احتل في سنة 2014 المرتبة 133 من أصل 142 دولة حسب المنتدى الاقتصادي العالمي بسبب ضعف نسبة تشغيل النساء في المغرب و هي الأدنى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
- من المستعجل العمل على تحقيق المناصفة، بيد أن مجموع دول المنطقة تجاوزت عتبة 30% من النساء البرلمانيات: 31,6% في الجزائر ،31% في تونس أما موريطانيا 25,2%، في حين وصلت في السينغال إلى 43% مع حكومة تتميز بالمناصفة وعلى رأسها امرأة.
- من المستعجل النهوض بالنساء في مراكز القرار في الوظيفة العمومية. ففي بلادنا، % 16 فقط من الأطر الإدارية هن نساء، ومن بين هذه الأطر النسائية، نجد 88.3% هن رئيسات مصالح أو أقسام و %11 مديرات، و %6 كاتبات عامات.
من سنة 2012 إلى سنة 2014، من مجموع 430 من المسؤولين الساميين الذين تم تعيينهم من طرف الحكومة، 48 امراة فقط، أي نسبة %11.2، وهو ما يشكل تراجعا كبيرا.
يقال بأن النساء هن اللواتي لا يقدمن ترشيحهن، ولكن لدينا العديد من الشهادات التي تبين أن الشروط المرجعية للتباري تتضمن شروطا تعجيزية في حق النساء المرشحات.
من المستعجل إخراج هيئة المناصفة ومناهضة كل أشكال التمييز التي تنص عليها المادة 19 من الدستور، و نساءلكم أين نحن من المشاورات التي تمت لإخراج مشروع القانون المتعلق بهذه الهيئة,
- المعتقلين
يجب التذكير بأن نزلاء السجون هم مواطنين ومواطنات. العقوبات السالبة للحرية لا تعني الحرمان من الحقوق الأخرى. فرغم المجهودات الهامة التي تمت من أجل تحسين وضعية السجون، نحن واعون بان هناك عجز كبير بسبب الإكتظاظ، مع العلم أن %50 من نزلاء السجون يعدون في الاعتقال الاحتياطي في انتظار إصدار الحكم عليهم.
على تشريعنا أن يتضمن عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية، كما يجب اتخاذ إجراءات صارمة لتحسين التعامل داخل السجون في تناغم من التزاماتنا في مجال حقوق الإنسان، والتوصيات الصادرة عن مختلف التقارير في شأن وضعية السجون.
- المهاجرين ووضعية مغربيات ومغاربة العالم
نثمن المبادرة الجريئة التي اتخذتها الدولة المغربية لتسوية وضعية المهاجرين والإستراتجيات التي تم اعمالها من أجل وضع سياسة حقيقية في مجال الهجرة. وندعو في هذا الإطار اعتبار الهجرة كإغناء مهم لبلادنا على المستوى الإنساني والثقافي والاقتصادي والسياسي، لأن قبول التنوع، عنصر مهم لتطوير الحريات والديمقراطية على غرار الدول المتقدمة التي عرفت كيف تستثمر وتستفيد من القيمة المضافة التي يشكلها المغاربة في بلدان الاستقبال.
وفي هذا الصدد، فإننا نحيي عاليا مغربيات ومغاربة العالم الذين يجب أن تكون مشاكلهم في صلب سياساتنا العمومية، وإعتماد الرؤية الأفقية والشاملة لمعالجتها. كما نحيي انطلاق استراتجية ‘قنصليتي’ من أجل تحسين استقبال والإهتمام بالمغاربة المقيمين بالخارج، ونحث الحكومة على بدل المزيد من المجهودات لمواجهة المحاولات التي تهدد حقوقهم الاجتماعية بعد التقاعد كما هو الحال بجاليتنا بهولندا.
أخواتنا وإخواننا مغاربة العالم يحضون دائما بأحسن استقبال عند عودتهم إلى ارض الوطن، وبدلت مجهودات لتحسين خدمتهم في الإدارات، ولكن من الضروري كذلك ان تكون هذه الخدمات مستمرة وأن تتعزز على جميع المستويات إلى حين عودتهم إلى أرض المهجر،
ومن جهة أخرى لابد من تضافر الجهود بين الحكومة و البرلمان للتسريع بتفعيل مضامين الدستور فيما يتعلق بتمثيلية مغاربة العالم في البرلمان .
- المجتمع المدني
في الختام فيما يتعلق بالمجتمع المدني، وبغض النظر على أن الدستور يعتبره شريكا أساسيا في إعداد وتفعيل وتقييم السياسات العمومية، فإنه يجب القول بأننا نحظى بمجتمع مدني مناضل وملتزم، خصوصا وقد لعب دورا هاما إلى جانب الأحزاب التقدمية من أجل إنجاز الإصلاحات الديمقراطية الكبرى.
المجتمع المدني يشكل قوة لا يمكن تجاوزها في مجال السياسات الاجتماعية ومحاربة الهشاشة في جميع أبعادها. بالنظر لما تشكله هذه الجمعيات من قدرة على التعبئة الاجتماعية و التزامها بقضايا تستحق كل دعمنا فانه يتحتم علينا احترام طابعها الغير حكومي و بالتالي استقلاليتها.
الدولة ملزمة باحترام استقلالية هذه الجمعيات ومواكبتها من أجل تأهيلها لتطوير تدبير شؤونها في إطار من الفعالية والشفافية.
لابد من اعتبار حرية الجمعيات كمبدأ راسخ يجب احترامه، فعلى الجمعيات و كذا على السلطات العمومية أن تشتغل حصريا في إطار القانون وفي احترام تام لمبادئ دولة القانون والمؤسسات.
أما فيما يخص الحوار الوطني حول المجتمع المدني هناك عمل تم القيام به ولكن لابد من فتح الأبواب حتى لا يتخلى هذا الحوار الوطني على جزء هام من المجتمع المدني معروف بعمله و مصداقيته.
شكرا لكم.
