بين “مطحنة” الغلاء وهواجس “التقنوقراط”: حزب الكتاب يقرع أجراس الإنذار في مغرب السرعتين
بقلم: عبد الهادي بريويك
في لحظة سياسية فارقة، تأتي ممهورة برمزية “فاتح ماي”، أفرج المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية عن بلاغ صادر عن اجتماع مكتبه السياسي الأسبوعي المنعقد يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026، يتجاوز في حمولته مجرد الإخبار الأسبوعي في تحليله لمختلف الأوراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة وطنيا ودوليا، ليتحول إلى “وثيقة مرافعة” شاملة، تضع الأصبع على مكامن الخلل في الأداء الحكومي والتشريعي، وترسم معالم رؤية يسارية مجددة لمفهوم الدولة والمجتمع.
فاتح ماي: صرخة في وجه “حكومة الغلاء”
لم يكن استحضار الحزب لذكرى العيد العالمي للعمال مجرد طقس بروتوكولي، بل جاء كقراءة سوسيوسياسية لواقع الطبقة الشغيلة التي وصفها البلاغ بأنها “تئن”.
هنا، يمارس “حزب الكتاب” دوره كقوة اقتراحية ونقدية، محذرا من الهوة السحيقة بين الشعارات الرسمية وواقع “القدرة الشرائية” التي أجهز عليها التضخم. إنها تحية نضالية مغلفة برسائل سياسية مشفرة لمدبري الشأن العام: الاستقرار الاجتماعي لا يستقيم في ظل التهميش المعيشي.
قانون الجهات: لا تنمية بلا “ديموقراطية ترابية”
المحور الأكثر عمقا في البلاغ هو التناول “الراديكالي” (بمفهومه الفكري النبيل) لمشروع القانون التنظيمي للجهات. الحزب هنا يضع يده على “الجرح التدبيري”؛ فبينما تسعى الحكومة نحو “النجاعة” و”المرونة” كشعارات تقنوقراطية، ينبه التقدم والاشتراكية إلى أن أي إصلاح يقلص من صلاحيات المنتخبين أو يفرغ المؤسسات من جوهرها الديموقراطي هو ارتداد عن روح دستور 2011.
وفي سياق البلاغ ذاته يرفض الحزب صراحة مفهوم “التنمية الجافة” التي تقودها الإدارة وحدها، ويصر على أن “التدبير الحر” والمنتخب “الكفء والنزيه” هما صمام الأمان لتقليص الفوارق المجالية في “مغرب السرعتين”. إنها معركة الدفاع عن “السياسي” في مواجهة زحف “التقني “.
البعد الدولي: رصانة “الدبلوماسية الحزبية”
لم يغفل البلاغ دور الحزب كفاعل دولي، حيث اتسمت لغته بالصرامة تجاه “الدور الخبيث” للكيان الإسرائيلي في تعميم التوتر بمنطقة الشرق الأوسط. هذا الربط الذكي بين هشاشة السلم العالمي وغلاء أسعار الطاقة والمواد الخام دوليا، يعكس فكرا يساريا يدرك ترابط المصائر؛ فالحرب في الجنوب اللبناني أو غزة ليست مجرد حدث عسكري، بل هي عامل ضاغط على قفة المواطن المغربي البسيط عبر سلاسل التوريد.
خلاصة القول
إن بلاغ 28 أبريل 2026 هو “بيان استنهاض” بامتياز؛ يدعو فيه حزب التقدم والاشتراكية إلى مصالحة حقيقية بين “النجاعة التدبيرية” و”الديمقراطية التمثيلية”. هو بلاغ يسعى لإعادة الاعتبار للعمل السياسي كفعل أخلاقي ونضالي، في زمن يبدو فيه أن الأرقام والموازنات قد طغت على حساب الإنسان والعدالة الاجتماعية.