تم الإعلان خلال أشغال جلسة الأسئلة الشفهية الأسبوعية لمجلس النواب، المخصصة لمراقبة العمل الحكومي، والمنعقدة يوم الإثنين 25 يناير 2021، عن توصل مكتب المجلس بمقترح قانون تقدمت به المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، يقضي بمنع تزويج الطفلات.
وفي هذا الصدد اقترح نائبات ونواب حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، ضمن المادة الأولى لهذا المقترح قانون، أن تنسخ المواد 20، 21و 22 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22 صادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004)، كما اقترحوا ضمن مادته الثانية، أن يدخل هذا القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية.
وجاء في مذكرة تقديم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، لمقترح القانون المشار إليه، أن استمرار ظاهرة تزويج الطفلات في بلادنا تشكل ” إحدى الانشغالات الحقيقية للحركة الحقوقية، حيث عبرت مختلف مكونات القوى الحية من جمعيات وأحزاب سياسية وهيئات حقوقية، ناهيك عن التقارير الدولية وتقارير المؤسسات الدستورية، التي اجمعت على ضرورة وضع حد لهذه الظاهرة، لما لها من نتائج سلبية على الطفلات والأسرة والمجتمع، بالنظر لما تخلفه من آثار نفسية وصحية واجتماعية واقتصادية على الطفلات ضحايا هذا النوع من الزواج، في ظل تحميلهن مسؤولية تدبير أسرة في عز طفولتهن، الشيء الذي يحول دون تمكينهن من مجموعة من الحقوق الإنسانية الأساسية، على قدم المساواة مع باقي الأطفال، وعلى رأسها حقهم في التعليم والترفيه، ناهيك عن حرمانهم من فرص تحقيق الرفاه الاجتماعي في المستقبل”
وذكرت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، بأن مدونة الأسرة مثلت خطوة هامة للغاية وقت صدورها سنة 2004، بخصوص وضعية المرأة والطفل، بفضل ما جاءت به من مكتسبات في سبيل ترسيخ المساواة بين الرجل والمرأة داخل مؤسسة الأسرة، وتمكين الأطفال من مجموعة من الحقوق، لكنها شددت بالمقابل على أن هذه المدونة: ” تركت مساحات فراغ لم تقدم إجابات حقيقية عنها، بما يستحضر المصلحة الفضلى للطفل، وعلى رأسها تزويج الطفلات.”
وأضافت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أنه بالرغم من ” تنصيص المادة 13 من مدونة الأسرة على أنه من بين الشروط الواجب توفرها في عقد الزواج “أهلية الزوج والزوجة”، وتأكيد المادة 19 على أن أهلية الزواج تكتمل بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين، بقواهما العقلية، ثمان عشرة سنة شمسية، بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة 4 باعتبار أن الزواج هو ميثاق تراض و ترابط شرعي بين رجل و امرأة، و المادتين 10 و 11 بتنصيصهما على ضرورة توفر الإيجاب و القبول بين الطرفين”، إلا أن هذه المدونة تنص بالمقابل في المادة 20 على أنه :” لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي” و”مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن”،
ولاحظت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن الاستثناء الذي يخول لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، بأن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية، وعدم التقيد بالقاعدة الأولية المتعلقة بشرط الأهلية المنصوص عليها في المادة 19، يوضح ” أن الأمر يتعلق “بالتزويج” بحمولته القسرية، لانتفاء الأهلية القانونية لدى الطفلات في إبرام عقود الزواج وانعدام الرضا كمحدد أساسي في التصرفات وليس بالزواج الذي يكتمل بالرضائية. “
وذكرت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بأنه نه في الاتجاه نفسه تنص المادة 21 على أن ” زواج القاصر متوقف على موافقة نائبه الشرعي وتتم موافقة النائب الشرعي بتوقيعه مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره إبرام العقد” و “إذا امتنع النائب الشرعي للقاصر عن الموافقة بت قاضي الأسرة المكلف بالزواج في الموضوع”، كما تنص المادة 22 على أنه : “
يكتسب المتزوجان طبقا للمادة 20 أعلاه، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات” و” يمكن للمحكمة بطلب من أحد الزوجين أو نائبه الشرعي، أن تحدد التكاليف المالية للزوج المعني وطريقة أدائها”.
وفي هذا السياق، لاحظت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب،” أنه من خلال الممارسة فإن “المقتضيات “الاستثنائية” لمدونة الأسرة، والتي كان من المفترض أن تجيب عن بعض الحالات الخاصة والاستثنائية، أضحت هي القاعدة، إذ تشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل سنة 2018، أن عدد العقود المتعلقة بتزويج الطفلات بلغ 25.514 عقدا، بنسبة 9.13 بالمائة، من مجموع عقود الزواج المبرمة خلال نفس السنة، وهي النسبة التي تظل مرتفعة جدا، كما تم تسجيل 32.104 طلب زواج سنة 2018 مقابل 30.312 طلبا سنة 2016″
وأشارت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية من جهة أخرى، إلى أنه خلال الفترة ما بين 2011 و2018 حصلت 85 في المائة من طلبات الزواج على الترخيص، مؤكدة على أن هذه “الأرقام الصادمة التي توضح من جهة، استفحال ظاهرة تزويج القاصرات، ومن جهة أخرى توضح أن السلطة التقديرية للقضاء اتجهت بشكل كبير نحو التحويل التدريجي لمبدأ الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يؤكده العدد المرتفع لقبوله لطلبات تزويج الطفلات”
وتابعت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية في مذكرة تقديمها لمقترح القانون تأكيدها على أنه ” حسب نفس الإحصائيات نجد أن نسبة 99 بالمائة من طلبات الزواج خلال الفترة 2007 -2018، تتعلق بالفتيات، مما يؤكد أن الظاهرة تهم الإناث أساسا، لأن نسبة الذكور تظل قليلة جدا.”
وأضاف نائبات ونواب حزب التقدم والاشتراكية ، أنه على مستوى آخر، فإن المعطيات والإحصائيات المستقاة من عدد من التقارير والدراسات المنجزة خلال العقود الأخيرة، لهيئات دولية ووطنية وجمعيات،” أجمعت على خطورة الظاهرة، وانعكاساتها السلبية، لكونها تشكل عائقا حقيقيا يحول دون تحقيق التنمية، بسبب تقليصه لحظوظ الطفلات في تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، خاصة وأن حوالي 99 بالمائة من الطفلات اللواتي تم تزويجهن تتراوح أعمارهن ما بين سن 15 و17 سنة(رأي المجلس الاقتصادي و
الاجتماعي و البيئي لسنة 2019 حول موضوع تزويج الطفلات)، علما أن القضاء على تزويج الطفلات يفرض نفسه باعتباره هدفا من أهداف التنمية المستدامة بحلول سنة 2030″
كما لاحظت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب أنه “بالرغم من خطورة الوضع الذي تعكسه الأرقام المتعلقة بتزويج الطفلات والتي تظل مرتفعة للغاية وتدعو للقلق، فإن الحجم الحقيقي لتزويج الطفلات يظل غير معروف، لأن الاحصائيات لا تأخذ بعين الاعتبار إلا طلبات تزويج الطفلات والزواج المبرم، وبالتالي فإن زواج الأطفال غير الموثق شرعيا، يضيف نائبات ونواب حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، والذي يطلق عليه اسم “زواج الفاتحة”،” يبقى خارج هذه الاحصائيات.” كما شددت على أن هذه المؤشرات والإحصائيات الخطيرة من جهة، والمتغيرات السياسية والتشريعية والاجتماعية من جهة أخرى، تطرح بقوة ضرورة مراجعة مدونة الأسرة من خلال إلغاء الاستثناء، ووضع حد لتزويج الطفلات بشكل نهائي”
وأبرزت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب أن مبادرتها التشريعية تأتي ضمن هذا الاتجاه، من خلال تقديم مقترح قانون يرمي إلى منع تزويج الطفلات، وذلك ” انطلاقا من هويتنا ومرجعيتنا السياسية التقدمية الحداثية و حرصنا الشديد من جهة، على استحضار روح و منطوق دستور 2011 الذي ينص في ديباجته على التشبت بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا، باعتبارها منظومة متكاملة غير قابلة للتجزيء، خاصة و أن حقوق الطفل تعتبر في صلبها، بالإضافة إلى تنصيص الفصل 32 على أنه “..تسعى الدولة لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية”
وجاء في مذكرة تقديم المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب لمقترح القانون أيضا تأكيدها على السعي نحو” تحقيق الانسجام مع مكونات المنظومة القانونية لبلادنا في ارتباط مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، و على رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، و الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، و الاتفاقية الدولية
للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة وبروتوكولها الاختياري الذي عززه الإعلان الدولي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة”
كما أكدت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، على أن مسألة وضع حد لتزويج الطفلات “يظل موضوع توصيات وملاحظات العديد من الآليات الدولية بمناسبة تقديم المغرب لتقاريره الوطنية حول مدى تقدم الوضع الحقوقي بالمملكة، والتي ذكرت منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
– التوصية رقم 43 المقدمة من قبل للجنة حقوق الطفل ضمن الملاحظات الختامية بشأن التقرير الجامع للتقريرين الدوريين الثالث والرابع للمغرب في جلستها 1929، التي عقدت في 19 شتنبر 2014، والتي جاءت كالآتي:” تلفت اللجنة انتباه الدولة الطرف إلى العواقب الوخيمة الكثيرة الناشئة عن الزواج المبكر، وتحثها على الامتناع عن خفض الحد الأدنى لسن الزواج إلى 16 عاما، وعلى اتخاذ تدابير فعالة من أجل وضع حد للزواج المبكر والزواج بالإكراه”
– الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الرابع للمغرب للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 22الصادر في أكتوبر 2015، والتي جاء فيها ما يلي: “تدعو اللجنة الدولة الطرف إلى تعديل مشروع القانون لتحديد الثامنة عشرة سنا أدني للزواج، وإلغاء المادة 20 من قانون الأسرة التي تجيز للقاضي إعطاء الإذن بالزواج قبل السن القانونية المحددة، وهي سن 18 عاما…”
– التوصيات الصادرة عن الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل عن المغرب في جولته الثانية (بتاريخ 25 ماي 2012) وجولته الثالثة (بتاريخ 5 ماي 2017) والتي دعت المغرب إلى مراجعة مدونة الاسرة في اتجاه منع زواج القاصرات.
– حظر تزويج الطفلات الذي كان أيضا موضوع توصيات مؤسسات دستورية وطنية، ومنها على سبيل المثال، رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي كان عنوانه: ” ما العمل أمام استمرار تزويج الطفلات بالمغرب” الذي أصدره في إطار إحالة ذاتية سنة 2019، حيث جاء على رأس توصياته ضرورة نسخ المواد 20 و21 و22 من مدونة الأسرة، وهو نفس الموقف الذي عبر عنه أيضا في تقريره حول فعلية حقوق الطفل سنة 2016.
– التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2019 الصادر في مارس 2020، الذي أكد في التوصية رقم 15 على ضرورة تعديل مدونة الأسرة، وخاصة إلغاء الاستثناء الوارد في المادة 20 الذي يسمح بتزويج الطفلات والأطفال.
هذا وشددت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، على أن استمرار المقتضى القانوني الذي يمكن من تزويج الطفلات” يشكل مدخلا لممارسة العنف باسم القانون وشرعنته، مضيفة أنه يعتبر شكلا من أشكال اغتصاب الطفولة، مؤكدة على استحضارها للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لهذه الظاهرة، مشددة على أن ” المدخل القانوني وحده يظل غير كاف، لكنه ضروري، ويحتاج إلى تظافر جميع الجهود من أجل وضع حد نهائي لهذه الظاهرة التي تنخر المجتمع”
كما اعتبرت المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية من جهة أخرى ” أن التنصيص صراحة على أن أهلية الزواج هي 18 سنة كاملة، وإلغاء الاستثناء الذي أصبح قاعدة لتزويج الطفلات، عبر نسخ ومراجعة الفصول الـ 20و21و22 من مدونة الأسرة بما يتلاءم ومقتضيات دستور 2011، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب، يعتبر مدخلا أساسيا للقضاء على تزويج الأطفال والطفلات، بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل”.
محمد بن اسعيد