يمثل حزب التقدم والاشتراكية تجربة حزبية فريدة في السياق السياسي المغربي، من حيث تطوره التاريخي، وتماسكه النسبي، وقدرته على البقاء ضمن معادلة الفعل السياسي رغم محدودية قاعدته الانتخابية. وهو حزب نادر المثال في المشهد الحزبي المغربي، حيث استطاع التحول من تنظيم شيوعي عقائدي إلى حزب يساري إصلاحي منفتح، دون أن يفقد تماما هويته، ولا أن يذوب كليا في منطق الدولة، رغم مشاركته المتكررة في الحكومات.
تاريخيا، كان الحزب يحمل اسم الحزب الشيوعي المغربي، وتعرض لمنع وملاحقة، قبل أن يتخذ لنفسه صيغة جديدة سنة 1974 تحت اسم حزب التقدم والاشتراكية، في محاولة للمواءمة بين المرجعية اليسارية ومستلزمات العمل السياسي القانوني في إطار الملكية الدستورية. وهذا التحول، لم يكن انزياحا عن المبادئ، بل تكتيكا استراتيجيا مكنه من الاستمرار والتأثير، ولو في هوامش الفعل الحكومي والتمثيلي.
منذ التسعينيات، انخرط الحزب في مسلسل بناء التوافقات السياسية، وشارك في حكومات التناوب، واحتل مناصب وزارية في عدة مراحل، غير أن ما ميز سلوكه خلال هذه المشاركات هو حرصه على الحفاظ على استقلالية نسبية في الخطاب، وعلى مسافة نقدية من منطق السلطة، وهو ما جعله يصنف دوما ضمن “أحزاب الدولة” لكن دون أن يتهم بالتذويب أو الانخراط الكلي. وقد تعززت هذه الصورة أكثر في عهد قيادة محمد نبيل بنعبد الله، الذي جمع بين خطاب يساري متزن، وحضور سياسي هادئ، وقدرة على بناء علاقات توازن مع كل من القصر وباقي الأحزاب.
ورغم تواضع نتائجه الانتخابية مقارنة مع الأحزاب الكبرى، فقد تمكن الحزب من الاحتفاظ بتمثيلية محترمة، سواء داخل البرلمان أو في المجالس المنتخبة، ما يعكس نوعا من الوفاء الشعبي المحدود لكنه صلب، لدى فئات تعتبر الحزب صوتا عقلانيا في زمن الشعبوية والابتذال السياسي. وقد ساعده في ذلك استثماره الذكي في الملفات الاجتماعية، وحرصه على انتقاء خطاب مسؤول، لا ينخرط في المزايدة، ولا ينساق وراء الاستقطابات الحادة.
إلا أن المحطة المفصلية الأهم في مسار الحزب جاءت مع خروجه من الحكومة سنة 2021، بعد عقدين من التواجد المتواصل في الجهاز التنفيذي. هذا الخروج لم يكن مفروضا عليه، بل اختار الحزب موقع المعارضة بإرادة سياسية واضحة، مرجعا قراره إلى ما أسماه غياب شروط الإصلاح، وانحراف التوازن السياسي داخل الحكومة الجديدة نحو منطق الهيمنة العددية. ومنذ ذلك الحين، تبنى الحزب خطابا معارضا متزنا، يقوم على النقد الموضوعي والمقترح البديل، لا على الصراخ السياسي أو الشعبوية، ما جعله يكسب نوعا من الاحترام حتى لدى خصومه، باعتباره صوتا معارضا ذا مصداقية.
وقد مثل سلوك الحزب في المعارضة نموذجا جديدا لحزب يساري يوازن بين الواقعية السياسية والوفاء للقيم، حيث تمكن من الانخراط في عدد من المعارك التشريعية والاجتماعية، من موقع التأثير لا الضجيج، وحرص على بناء تحالفات ظرفية داخل البرلمان، دون أن يتخلى عن استقلالية قراره السياسي. كما أن خطابه في القضايا الكبرى، من قبيل إصلاح التعليم، وتدبير الأزمة الاقتصادية، وغلاء الأسعار، ظل منسجما مع تقاليده الفكرية، دون انغلاق أيديولوجي، أو تبعية شعبوية.
وعلى مستوى القيادة، حافظ الحزب على نوع من الاستقرار المؤسساتي، إذ لم يعرف هزات تنظيمية أو انشقاقات حادة، وهو ما يعكس متانة بنيته التنظيمية، وقدرته على إنتاج شرعية داخلية متوازنة. وتعد شخصية نبيل بنعبد الله عنصرا محوريا في هذا التوازن، لما راكمه من خبرة سياسية وعلاقات مؤسساتية، رغم ما يثار من تساؤلات حول مستقبل الحزب بعده، في ظل محدودية وجوه القيادة البديلة، والحاجة إلى تجديد النخب والخطاب في آن واحد.
أما بخصوص موقع الحزب في الاستحقاقات المقبلة، فإن السؤال يظل معلقا على قدرة الحزب على توسيع قاعدته الانتخابية، وتطوير آلياته التنظيمية والتواصلية، دون التفريط في هويته اليسارية الإصلاحية. فالحزب يبدو مرشحا لأن يحافظ على موقعه كقوة سياسية وسطى، قادرة على التأثير لا على القيادة، وعلى لعب دور “الميزان الأخلاقي” داخل الحقل السياسي، خاصة إذا استمر تفكك اليسار وتراجع الأحزاب التقليدية.
غير أن سيناريو تطور الحزب ليصبح قوة بديلة أو طرفا فاعلا في تحالفات سياسية مستقبلية، يظل رهينا بمدى انفتاحه على طاقات جديدة، واستثماره في القضايا المجتمعية التي تمس الشباب والفئات المهمشة، وتوفيره لرؤية سياسية جريئة تعيد الاعتبار للعمل السياسي النبيل. فهل يستطيع الحزب الحفاظ على تميزه دون أن يتحول إلى هامش محترم؟ وهل يملك أدوات التجدد دون التنازل عن المبادئ؟ وهل يستطيع أن يقدم، في الزمن الانتخابي القادم، مشروعا مجتمعيا ينافس فعليا في صناعة القرار، لا فقط في نقده؟ تلك أسئلة جوهرية ستحدد ما إذا كان الحزب قادرا على أن يكون يسارا إصلاحيا للمستقبل، لا مجرد بقايا يسار الماضي.