نادية تهامي : الحكومة لازالت تصر على مشروع يقبر معنى التنظيم الذاتي للصحافة

 

مداخلة
فريق التقدم والاشتراكية
في الجلسة العامة المخصصة للدراسة والتصويت على
مشروع قانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

 

الجلسة العامة – الاثنين 04 أبريل 2026

 

السيد الرئيس المحترم؛
السيد الوزير المحترم؛
السيدات النائبات والسادة النواب المحترمون؛

أتناول الكلمة، باسم فريق التقدم والاشتراكية، في هذه الجلسة التشريعية العامة المخصصة للدراسة والتصويت على مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد قرار المحكمة الدستورية، الذي أسقط العديد من المقتضيات، وذلك بمبادرةٍ من مكونات المعارضة في مجلس النواب الموقَّر؛
ولقد شَكَّلَ قرار المحكمة الدستورية، جوابا عميقًا، للذين اتهموا المعارضة بالمزايدة والمبالغة… كما أثبتَ تَــــوَالِـــــي الوقائع فعلاً أنَّ مواقفنا إزاء الصيغة السابقة لهذا القانون كانت مواقف صائبة ووجيهة، حينما أصرَرْنا على توصيف تلك الصيغة بأنها تراجعية ونكوصية وتتنافى مع الدستور، وتَـــــــهْــــــدِمُ المكتسباتِ الديموقراطية لبلادنا في مجال حرية وتعدد الإعلام، وتنسِفُ أُسسَ ومقوماتِ التنظيم الذاتي والديمقراطي والمستقل للمهنة، بما جعلها صيغةً مرفوضةً من قِبَل معظم مكونات الحقل الإعلامي والحقوقي والديموقراطي، طالما أن هاجسَها هو الوصول إلى تشريعٍ مَصَالحي لفائدة اللوبي المالي، على حساب التطلُّعِ نحو تعميمِ صحافةٍ وطنية جيدة، عميقة، مسؤولة، بيداغوجية، تَحترم حياة الناس، وتتقيد بوازِعِ الأخلاقيات قبل بُنُودِ القانون، وتَحرص على الارتقاء بالذوق الجمالي المشترك وبالذكاء الجماعي للمغاربة؛

لكن، على عكس ذلك، فالحكومة أصَرَّت آنذاك، ولا تزال تُصِرُّ إلى حدِّ الساعة، على مشروعٍ يُـــــقْــــبِــــرُ معنى مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة والصحفيين…. مشروعٍ تَضِيقُ مساحةُ التوافق عليه، ويَفتَقدُ التوازُنَ بين تطلعات المجتمع وبين انتظارات الصحفي وبين مصالح المقاولة الصحفية؛
وها هي الحكومة، اليوم، تزيد في تعنتها، من خلال إصرارها على الالتفاف على قرار المحكمة الدستورية، وعلى العمل ب “أضعف الإيمان”، أيْ على ترك النص كما هو دون تغييرٍ لا في الجوهر ولا في الهندسة، والاكتفاء بتغيير ما هو غير دستوري صراحةً فقط، والإبقاء على كل ما تنتقده فعالياتٌ مختلفة من مقتضيات تَخدِشُ روحَ الدستور ومقاصدَهُ، وتَمُسُّ بالاستقلالية والتعددية والديمقراطية وبذاتية التنظيم… حتى ولو كان ليس فيها ما يخالف الدستور بشكلٍ صريح ومباشِر؛
ولذلك، نعتقد جازمين أن الحكومة لم تستوعبْ، أو لم تُرِدْ أن تستوعب، أنَّ قرار المحكمة الدستورية لم يكن تصحيحًا جزئيا وتقنيًّا في بعض المواد، بل إنه يشكل، في العمق، تنبيها إلى اختلالاتٍ تمسُّ جوهرَ فلسفة التنظيم الذاتي للمهنة؛
إننا، اليوم، والولاية الحكومية-التشريعية على مشارفِ نهايتها، في غِــــــنىً، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، عن أسلوب الترقيع التقني، حيث اقتصرت الحكومة على مقاربة التصحيح الأدنى، في مقابل استمرار ذات الإشكالات البنيوية التي تمسُّ جوهر التمثيلية المهنية داخل المجلس، وعلى رأسها تغييب التنظيمات النقابية والمهنية من آلية انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين والناشرين، وعدم الحسم الصريح في مبدأ التعددية بالنسبة للناشرين؛

وفي الواقع، المشروعُ الحكومي الجديد_القديم يتضمن اختلالات أخرى، منها الإبقاء على اعتماد التصويت الفردي بالنسبة لممثلي الصحفيين، وهو، فضلا على أنه يجعل القانون قائما على نمطيْن مختلفيْن في اختيار ممثلي الصحفيين والناشرين، فإنه يُــــلغي مبدأ شمولية تمثيلية الصحفيين، بتغييب ضمانات حضور ممثلين عن كل قطاعات الإعلام، وبتَـــــعَمُّد إضعاف حضور نقابات الصحفيين ومساهمتهم في التأطير العام وسط الجسم المهني؛
إن الأمر هنا لا يقتصر على مجرد اختيار تقني لآلية انتخابية، بل يعكس تصورًا فردانيا للتمثيل، يقوم على اعتبار الصحافي فاعلًا معزولًا داخل الحقل المهني، في مقابل إقصاء البنيات التنظيمية التي تؤطره… وهي هيئات لها مكانة دستورية؛
السيد الرئيس؛ السيد الوزير؛ السيدات والسادة النواب؛
لا يمكن لفريقنا النيابي، الذي ينتمي إلى حزبٍ كان له، بكل تواضُع، شرفُ الإسهام في نشأة وتكريس فكرة وأداة التنظيم الذاتي والمستقل والديمقراطي لقطاع الصحافة والنشر…. لا يمكنُهُ أن يكون جزءً من هذا التاريخ السلبي الذي تحاول كتابَتَهُ هذه الحكومة ضمن هذا المسار؛

ولذلك، نجدد نداءنا إليكم، السيد الوزير، من أجل استدراك الأمر، والمبادرة إلى فتح نقاش مع كافة الفرقاء، من أجل إفراز مشروعٍ يضمن التمثيلية المتوازنة والمتعددة لمكونات الفضاء الإعلامي، ويكرِّسُ الدور الأساسي والدستوري للنقابات المهنية، مع تعزيز الديمقراطية المهنية والتشاركية في الإفراز وفي التدبير، واعتماد نظام عادل لتوزيع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين يضمن مشاركة مختلف التعبيرات المهنية داخل القطاع، بما يعكس تنوعه ويعزز مشروعية المجلس، وكذا اعتماد اللجنة المشرفة على الانتخابات وفق مقتضيات أكثر حزماً ووضوحاً من حيث الحياد والتجرد والاستقلالية؛

هكذا، تأسس ويتأسَّسُ، رَفَضُنا لمشروع القانون على أسباب متعددة ووجيهة، من أبرزها التمييز بين المهنيين في طريقة اختيارهم، واعتماد حجم ورقم المعاملات كمحدد رئيسي لإعداد الهيئة الناخبة لناشري الصحف، وهو ما يُعتبر ضربةً كبيرة للتنظيم الذاتي للمهنة وتكريساً لتغوُّل المال على حساب النزاهة والجودة والمصداقية والمهنية، وتكريساً أيضاً لمنطق الغنيمة والسوق، والاحتكار والهيمنة، والقضاء على التعددية والتنوع…
لهذه الأسباب، وغيرها، سنصوت برفض هذا المشروع قانون.
وشكراً.