د. عزوز صنهاجي: الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية يحددان مستقبل السياسة بالمغرب

يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة نقاشًا سياسيًا واجتماعياةًغ متصاعدًا حول تداعيات الغلاء، واتساع الفوارق الاجتماعية، وحدود السياسات العمومية في مواجهة التحولات الاقتصادية والمناخية، وبين ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وتزايد الجدل حول اختيارات الدولة في مجالات الفلاحة والدعم الاجتماعي، عاد النقاش مجددًا حول دور الأحزاب السياسية في تأطير الشارع واستعادة الثقة في العمل السياسي.

وفي خضم هذا السياق، يبرز سؤال المعارضة، وحدود قدرتها على تقديم بدائل واقعية، إلى جانب الجدل المرتبط بمستقبل اليسار المغربي، وأزمة المشاركة السياسية، والعلاقة المتوترة بين النخب الحزبية والشباب، وهي قضايا توقف عندها الدكتور عزوز صنهاجي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، خلال حلوله ضيفا على برنامج “حواركم” بجريدة “الشعاع الجديد”، في حديث مطول تطرق فيه إلى تشخيص الوضع الاجتماعي والسياسي، ورهانات الانتخابات المقبلة، ومستقبل اليسار المغربي.

معارضة مسؤولة

استهل عزوز صنهاجي حديثه بالتأكيد على أن حزب التقدم والاشتراكية ينطلق في تقييمه للوضع المغربي من زاويتين أساسيتين؛ الأولى مرتبطة بالتقييم التاريخي العام لمسار المغرب منذ الاستقلال، والثانية متعلقة باللحظة السياسية الراهنة التي يعيشها البلد في ظل الحكومة الحالية.

وأوضح أن المغرب، رغم الأزمات والصراعات والتحولات التي عرفها، استطاع أن يحقق تراكمات مهمة على المستويات المؤسساتية والحقوقية والديمقراطية، معتبرًا أن مغرب الستينيات والسبعينيات ليس هو مغرب اليوم من حيث الحريات والمؤسسات، وهو ما يفرض حسب قوله؛ نوعًا من الموضوعية في التقييم بعيدًا عن منطق التبخيس أو الإنكار.

وفي المقابل، شدد صنهاجي على أن تموقع الحزب الحالي في المعارضة لا يعني تبني خطاب عدمي يعتبر كل شيء سلبيًا، موضحًا أن التقدم والاشتراكية يمارس “معارضة وطنية واقتراحية ومسؤولة”، تقوم على دعم كل ما يخدم المصلحة الوطنية، وفي الوقت نفسه فضح الاختلالات وانتقاد السياسات التي يعتبرها الحزب مضرة بالمواطنين.

وأردف أن المعارضة في نظره، ليست مجرد صراخ سياسي أو تسجيل للمواقف، بل وظيفة ديمقراطية أساسية هدفها مراقبة السياسات العمومية واقتراح البدائل وتحويل قضايا المواطنين إلى قضايا رأي عام، معتبرًا أن التشكيك المستمر في دور المعارضة ومحاولة تبخيسه يمثل فهمًا غير سليم للعمل الديمقراطي.

غلاء متصاعد

يعتبر صنهاجي أن العنوان الأبرز للولاية الحكومية الحالية هو “غلاء المعيشة”، مؤكدًا أن المغرب لم يعرف وفق تعبيره، موجة غلاء مماثلة لما وقع خلال السنوات الأخيرة، رغم كل أشكال الدعم التي أعلنت عنها الحكومة لفائدة قطاعات وفئات مختلفة.

وانتقد طريقة تدبير ملف استيراد الأغنام واللحوم، موضحا أن الحكومة قدمت دعما ماليا وإعفاءات جمركية للمستوردين بهدف خفض الأسعار، غير أن المواطن، بحسب قوله، لم يلمس أي أثر حقيقي لذلك على مستوى أسعار الأضاحي أو اللحوم الحمراء، ما يعني أن المستفيد الفعلي كان فئات محدودة وصفها بـ”تجار الأزمة” أو “الشناقة”.

وأشار إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الدعم، وإنما بوجهته ونتائجه، معتبرًا أن الأموال العمومية كان يفترض أن تنعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمغاربة، بدل أن تتحول إلى امتيازات لفئات محدودة.

وفيما يخص المحروقات، انتقد صنهاجي استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة، معتبرًا أن الحكومة تجاهلت دعوات متعددة صادرة عن أحزاب ومؤسسات، من بينها مجلس المنافسة، لاتخاذ إجراءات تخفف العبء عن المواطنين، من قبيل تخفيض الضرائب المفروضة على المحروقات بشكل مؤقت، خاصة الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) والضريبة على القيمة المضافة (TVA).

واعتبر أن الدعم الموجه لقطاع النقل لم ينعكس على السائقين أو المواطنين، بل استفادت منه جهات أخرى، في وقت ظل فيه المواطن يتحمل التكلفة المرتفعة للتنقل والمواد الأساسية.

أزمة فلاحية

في حديثه عن القطاع الفلاحي، أكد صنهاجي أن الأولوية، بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية، ينبغي أن تكون للأمن الغذائي الوطني، وليس للزراعات التصديرية التي تستنزف الموارد المائية دون أن تحقق الاكتفاء الغذائي للمغاربة.

وانتقد ما اعتبره توجهًا يفضل الزراعات ذات القيمة التصديرية مثل الأفوكادو والفراولة، رغم استنزافها الكبير للفرشة المائية، مقابل تراجع الاهتمام بالفلاحة المعيشية والفلاحين الصغار والكسابة.

وأوضح أن السياسة الفلاحية الحالية، رغم ما حققته من إيجابيات مرتبطة بالتكنولوجيا والري، لم تنجح في تحقيق السيادة الغذائية، مستشهدًا باستمرار استيراد مواد أساسية كاللحوم والزيوت والعدس، إضافة إلى تسجيل عجز تجاري غذائي يتراوح بين 10 و11 مليار درهم خلال السنوات الماضية.

واعتبر أن نجاعة أي سياسة فلاحية تقاس في فترات الأزمات والجفاف، وليس في السنوات العادية، مضيفًا أن التحولات المناخية كانت تفرض وجود سياسات استباقية أكثر قدرة على حماية العالم القروي وضمان استقرار الفلاحين الصغار.

وفي هذا السياق، توقف عند معطى هجرة حوالي مليوني شخص من العالم القروي نحو المدن وأحزمة الهامش، معتبرًا أن ذلك يعكس حجم الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجال القروي.

أزمة ثقة

عن واقع الأحزاب السياسية والانتخابات المقبلة، اعتبر صنهاجي أن سؤال تراجع حضور المثقفين والمناضلين داخل الحياة الحزبية لا يخص حزب التقدم والاشتراكية فقط، بل يرتبط بتحولات مجتمعية وقيمية وسياسية أعمق مست مختلف مكونات المجتمع والدولة والأحزاب.

وأكد أن الحزب ما يزال حريصًا على استقطاب الكفاءات والطاقات الفكرية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على كفاءات مجتمعية جديدة؛ شريطة احترام مرجعية الحزب ونظافة اليد والالتزام بقيم النزاهة.

ورفض ما وصفه بصورة نمطية تختزل الحزب في استقطاب “الأعيان” أو “الإقطاعيين”، مؤكدًا أن الحزب يرفض ترشيح أي شخص تحوم حوله شبهات فساد، وأن عملية اختيار المرشحين تخضع لنقاشات داخلية على مستوى الفروع والأجهزة التنظيمية.

وفي المقابل، شدد على أن المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في نوعية المرشحين، بل في المناخ الانتخابي العام، الذي ما تزال تؤثر فيه مظاهر استعمال المال وشراء الذمم، معتبرًا أن ذلك يساهم بشكل مباشر في تعميق العزوف السياسي لدى الشباب.

وأوضح أن الشباب حين يشاهد مترشحين نزهاء وكفاءات أكاديمية تفشل انتخابيًا مقابل صعود شخصيات مرتبطة بالمال والنفوذ، فإنه يفقد الثقة في السياسة والمؤسسات الانتخابية، وهو ما يفسر، حسب قوله، اتساع دائرة اللامبالاة السياسية.

رهان اليسار

في حديثه عن اليسار المغربي، أكد صنهاجي أن اليسار ما يزال يمتلك مستقبلاً سياسيًا بالمغرب، بالنظر إلى استمرار الحاجة المجتمعية إلى العدالة الاجتماعية والدفاع عن الخدمات العمومية والفئات الهشة.

واعتبر أن اليساري اليوم هو من يدافع عن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والحماية الاجتماعية الحقيقية، وليس فقط عن الشعارات الإيديولوجية التقليدية، مؤكداً أن الدفاع عن الفئات الفقيرة والطبقات الكادحة يظل جوهر المشروع اليساري.

وشدد على أن اليسار مطالب أيضًا بالدفاع عن القضايا الوطنية، معتبرًا أن الوطنية والتضامن مع الشعوب لا يتناقضان، بل يشكلان جزءًا من هوية اليسار المعاصر.

وبخصوص تعثر مشروع وحدة اليسار، أقر صنهاجي بوجود صعوبات وخلافات داخلية بين مكونات اليسار المغربي، معتبرًا أن “الأنانيات التنظيمية” تعد من أبرز أسباب عدم تحقق الوحدة بالشكل المطلوب.

وأكد أن حزب التقدم والاشتراكية ينظر إلى وحدة اليسار باعتبارها خيارًا استراتيجيًا وليس مجرد تحالف انتخابي ظرفي، نافيًا أن يكون الحزب قد طرح المبادرة بمنطق البحث عن مكاسب انتخابية آنية.

قيادة الحزب

في الشق المتعلق بمستقبل قيادة حزب التقدم والاشتراكية، تحدث صنهاجي عن الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله، معتبرًا أنه يمثل “رجل توازنات” داخل الحزب، ويلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على وحدة التنظيم وتماسكه.

وأوضح أن الحزب يضم طاقات وكفاءات قادرة على تحمل المسؤولية، لكنه أقر في المقابل بوجود تخوفات داخلية من أن يؤدي أي انتقال غير محسوب إلى نوع من الارتباك التنظيمي.

ورفض في الآن ذاته اختزال الحزب في شخص أمينه العام، مؤكدًا أن القرارات داخل التقدم والاشتراكية تتخذ بشكل جماعي داخل المكتب السياسي والأجهزة التنظيمية، وأن ما يمنح بعض القيادات حضورًا أكبر هو أيضًا طبيعة التفاعل الإعلامي والمجتمعي معها.

وختم صنهاجي حديثه بالتأكيد على أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في استعادة ثقة المواطنين، خاصة الشباب، في السياسة والعمل الحزبي، معتبرًا أن أي إصلاح حقيقي يمر عبر تخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد الانتخابي، وربط السياسة مجددًا بقضايا المواطنين اليومية وانتظاراتهم الاجتماعية.