السيدات و السادة الوزراء،
السيدات و السادة المستشارون،
باسم فريق التحالف الاشتراكي أقدم أمام حضراتكم قراءة فريقنا لمشروع قانون المالية لسنة 2015، تقييمه ، رأيه ، ملاحظاته و مقترحاته، وهي مناسبة سنوية لمناقشة سياسة عامة و تقييم إجمالي للسياسات العمومية.
ونحن نعتبر أنه لا يمكن قراءة مشروع قانون المالية، المعبر الملموس عن سياسة الحكومة، قراءة سليمة ينبني عليها تقييم و موقف، دون وضعه في السياق العام، سواء منه السياق السياسي الوطني أو السياق الإقليمي و الدولي، اعتبارا لتأثير هذا الأخير على و ضعنا الداخلي ، سياسيا و اقتصاديا ، وللتفاعل بين العوامل الداخلية و الخارجية ، لكون المغرب منفتح على محيطه العام إقليميا و دوليا.
1- الاستقرار السياسي و الحكومي عامل إيجابي لنجاعة الأداء و تطوير السياسات العمومية
أيها السيدات و السادة
نناقش مشروع قانون المالية لسنة 2015 في ظروف سياسية ووضع حكومي أفضل من السنوات السابقة، فنحن نعيش اليوم تثبيتا للاستقرار السياسي بعد مخاض، عسير أحيانا ، و بعد أزمات ، ومد و جزر في العملية السياسية، وتوترات أثرت على الأداء الحكومي و ضيعت الكثير من الطاقات الموجهة لانشغالات ظرفية و إهدار زمن سياسي ثمين و أخر ، نسبيا، بعض الأواش الإصلاحية و تنزيل مقتضيات الدستور الجديد.
إننا نؤكد على أهمية الاستقرار السياسي، فلا تنمية حقيقية و لا استثمارات منتجة و لا سياسات عمومية ناجعة ، و لا إصلاحات حقيقية بدون استقرار سياسي، و بدون حياة سياسة سليمة، بدون تفاعل إيجابي بين الفرقاء السياسيين، وبدون احترام متبادل بين المؤسسات الدستورية و بشكل خاص بين الحكومة و البرلمان..
اليوم نعيش هذا الاستقرار السياسي، الثمين إذا ما استحضرنا وضعية محيطنا الإقليمي المتسم بالاضطراب و عدم الاستقرار. نعيش تجربة سياسية متفردة ومسارا خاصا يحق لنا جميعا، كمغاربة ، الاعتزاز بنموذجنا المغربي المتفرد و شعاره المركزي “الإصلاح في ظل الاستقرار”، نموذج معبر عن العبقرية المغربية وحكمة قائد البلاد جلالة الملك محمد السادس الذي يقود التجربة في شموليتها، و تبصر قوى الإصلاح و التغيير و التقدم، و التفاعل الإيجابي و المثمر بين كل إرادات الإصلاح في كل مواقع الفعل…. كل ذلك أدى إلى ضعف القوى المعادية للإصلاح و قوى الفساد أمام قوة المشروع الإصلاحي المدعوم بإرادة ملكية سامية و بإرادة الشعب المغربي، دون أن يعني ذالك التراجع النهائي لقوى الفساد و الريع و مناهضة الإصلاح التي مازالت تقاوم، بأشكال مختلفة، مما يفرض الحذر و مواصلة العمل بجانب الشعب و بإشراكه في كل المشاريع الإصلاحية، سواء عبر التشاور مع قواه المعبرة عن طموحاته الفعلية أو عبر إخباره بكل شفافية وضوح وصراحة حول المنجزات و العوائق و الآفاق ….
في هذا الجو من الاستقرار السياسي العام يندرج الاستقرار الحكومي ، وهو عنصر جد إيجابي ومساعد على نجاعة العمل الحكومي، ويوفر أجواء المضي قدما في تنزيل البرنامج الحكومي و تنفيذ الإصلاحات الكبرى التي يتضمنها.
يأتي قانون مشروع قانون المالية لسنة 2015 إذن في جو الاستقرار السياسي و الانسجام الحكومي كسياق إيجابي لابد من تسجيله و التأكيد عليه.
2- سياق إقليمي و دولي مضطرب
السيد الرئيس
لا يمكن أن نقدر جيدا نعمة هذا الاستقرار الذي يعيشه بلدنا دون مقارنته بالأوضاع المضطربة في عدد من بلدان المنطقة التي ننتمي إليها ( شمال إفريقيا و العالم العربي) مما يجعلنا ندعو إلى توخي الحذر في التعاطي مع تطورات الأوضاع في هذه المنطقة و التمسك ، بل و تطوير ، تجربتنا و نموذجنا المتميز، و العمل على تسويقه على أوسع نطاق، لما لذلك من تأثير إيجابي على سمعة بلدنا و موقعه ليس فقط الإقليمي بل كذلك الدولي. و تتأكد أهمية ذلك إذا استحضرنا الرهانات المطروحة علينا و ضرورة ربحها، و بالأساس قضيتنا الوطنية الأولى، حيث نعتبر أن تقوية سمعة بلدنا و تسويق نموذجه الديمقراطي و مساره المتفرد في محيط إقليمي مضطرب هو أحد الوسائل التي علينا استثمارها في عملنا الديبلوماسي رسميا و شعبيا و برلمانيا…
ومن جهة أخرى فإن السمعة الجيدة لبلدنا و استقراره السياسي و الحكومي، كما تشهد بذلك عدد من المؤسسات و التقارير الدولية، له تأثير حاسم في جلب الإسثتمارات الأجنبية التي نحن بأمس الحاجة إليها ، اقتصاديا و اجتماعيا، و في جلب التمويلات الضرورية لعدد من مشاريعنا الاقتصادية و التنموية.
وعلى مستوى محيطنا الدولي يهمنا تسجيل استمرار تأثيرات الأزمة المالية التي اتخذت طابعا عالميا، واضطراب الأسواق الخارجية، و تقلبات الظرفية الاقتصادية الدولية. نسجل ذلك اعتبارا لارتباطاتنا الخارجية كبلد منفتح على محيطه و على العالم، و لتأثيرات الأوضاع الاقتصادية العالمية على اقتصادنا الوطني على عدة مستويات، و منها الاستثمارات الأجنبية و التسويق الخارجي لمنتوجاتنا، و تزودنا من السوق الدولية بعدد من المواد الأولية و منها النفط الذي يعرف تقلبات في الأسعار، رغم التوجه الإيجابي الحالي، بارتباط مع أوضاع جيو سياسية متقلبة في المناطق الأساسية لإنتاج هذه المادة..
3- حكومة إجراءات جريئة و إنجازات هامة
أيها السيدات و السادة
إننا إذن أمام سياق داخلي إيجابي، و سياق إقليمي و دولي قد يتخذ مسارا و تأثيرا سلبيا على وضعنا الداخلي ، الاقتصادي بوجه خاص. ونسجل أن التأثيرات السلبية للأزمة العالمية على اقتصادنا الوطني تمت مواجهتها من طرف الحكومة التي تمكنت، رغم الظروف الصعبة، من استعادة التوازنات المالية و الاقتصادية الكبرى، وتثبيت مناعة الاقتصاد الوطني الذي يقاوم التأثيرات السلبية. و نلاحظ تحسن عدد من المؤشرات، و الاستعادة التدريجية لعافية ماليتنا العمومية، علما أن وقف النزيف طرحت كمهمة مستعجلة للحكومة، وتمكنت فعلا من ذلك مع كسب هوامش في الميزانية لتوجيهها نحو الاستثمار و القطاعات الاجتماعية.
لقد تمكنت الحكومة من ذلك لأنها توفرت على إرادة قوية للإصلاح، و على جرأة في معالجة إشكاليات ظلت عالقة لسنوات، و بشكل خاص الشروع في إصلاح صندوق المقاصة المطروح منذ سنوات إن لم نقل عقود، وظل شكل الدعم يلتهم ملايير الدراهم دون أن تذهب فعلا لمن يستحقها من الفئات الاجتماعية، وكان لابد من هذا الإجراء الجريئ رغم تكلفته ، و التوجه التدريجي نحو آلية الاستهداف، استهداف الفئات الفقيرة و المحتاجة فعلا إلى دعم الدولة و المجتمع عبر المالية العمومية.
ونود أن نؤكد بهذا الخصوص على ضرورة توجيه النصيب الأوفر من الأموال التي تمكنت الحكومة من توفيرها، عبر إرساء نظام المقايسة فيما يخص المحروقات، إلى مجال الاستثمار المنتج و الخالق لمناصب الشغل من جهة و إلى استهداف فئات بحاجة إلى دعم مباشر. و في هذا الإطار نسجل أن الحكومة تسير فعلا في هذا التوجه ، الذي ينبغي توسيعه، من خلال مشروعها لدعم الأرامل في وضعية هشة، وهو إجراء اجتماعي يسجل لهذه الحكومة و لمكوناتها الحزبية مهما كانت ملاحظاتنا على المبالغ المخصصة ومسطرة الاستفادة .
ويهمنا أن نسجل أهمية الإجراء كمبدأ معبر عن إرادة الحكومة في التوجه نحو الدعم المباشر للفئات الفقيرة و المحتاجة، والشروع في إعادة النظر في توزيع الثروات الوطنية بالتدريج، و هو ما يعبر عنه كذلك عدد من التدابير الإيجابية نذكر منها تخفيض ثمن حوالي 1600 دواء إنضاف إليها مؤخرا عدد آخر من أدوية واسعة الاستهلاك خاصة تلك المتعلقة بمرض السكري، و الزيادة في منح الطلبة، ودعم التماسك الاجتماعي، و توسيع برنامج تيسير، و الرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 3000 درهم في القطاع العام و 10% على مرحلتين في القطاع الخاص، وفرض ضريبة تضامنية على الأجور العليا، و توسيع برنامج التغطية الصحية مع السعي نحو استفادة حاملي بطاقة “رميد” الذين يعدون بالملايين من خدمات صحية أجود، سواء في المؤسسات الصحية العمومية أو عبر مشروع التعاقد مع القطاع الخاص ومن المهم كذلك تسجيل قرار توسيع التغطية الصحية للمؤمنين لتشمل الوالدين. كما نسجل أهمية اعتماد قانون للعمال المنزليين و نعتبر أن الشروع في التنفيذ الفعلي للتعويض عن فقدان الشغل تعبير آخر عن انشغال حقيقي للحكومة بالمسألة الاجتماعية، و نؤكد أن أهمية هذا الإنجاز تكمن في إدراجه كمبدأ في مجال عالم الشغل قابل للتطوير مستقبلا بعد مرحلة تجريبية، و هذا ما نتمناه و ندعو إليه…
ينضاف إلى كل ذلك استمرار دعم عدد من المواد الأساسية الواسعة الاستهلاك و الذي تستفيد منه فعلا أوسع الجماهير، مع دعوتنا لتفعيل مبدأ الاسترجاع حتى لا يذهب المال العام في غير إتجاهه السليم. وفي هذا السياق نؤكد على ضرورة استرجاع الحكومة للأموال غير المستعملة أو غير المبررة من الدعم الذي تقدمه للأحزاب السياسية ولغيرها من المنظمات.
السيد الرئيس
هذه بعض الإنجازات التي كان لابد من التذكير بها و إبرازها لنقول أن هذه الحكومة ليست فقط حكومة تدابير جريئة و زيادات، كما يتم الترويج لذلك، بل هي حكومة إنجازات و مكتسبات اجتماعية هامة، في انسجام و التزام بتوجهاتها المتضمنة في البرنامج الحكومي. كما أنها ليست حكومة قطيعة مع حكومات سابقة قامت بجهد إصلاحي لا يمكن نكرانه، بل حكومة إصلاح في إطار الاستقرار و الاستمرارية، لكن بنفس إصلاحي أقوى، و إرادة في التقدم إلى أمام للاندراج ، بالفعل ، ضمن الدول الصاعدة كما دعى إلى ذلك جلالة الملك . ذلك ما يفسر استمرار الحكومة في كسب الدعم الشعبي حسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي لمؤسسات جادة ، رغم هامش الخطأ في كل استطلاع للرأي الذي لا يكون كبيرا في كل الحالات، وذلك رغم بعض الإجراءات المكلفة سياسيا لكنها ناجعة اقتصاديا، و تؤسس بجد لمرحلة الإقلاع، شرط استمرار النفس الإصلاحي، و الانشغال القوي بالمسألة الاجتماعية، و توسيع استفادة الفئات الهشة و الفقيرة من الثروة الوطنية…
ولابد أن نؤكد، كفريق و كحزب ( حزب التقدم و الاشتراكية)، أننا في قلب المعركة من أجل الإصلاح، و أننا نساهم ، بفعالية، في جزء هام من هذه الإنجازات كما ساهمنا في إنجازات حكومات سابقة، اعتبارا لتوجهنا التقدمي المرتبط بقضايا الكادحين، و انشغالنا المركزي بالمسالة الاجتماعية ونعتبر أن مبرر وجودنا كطرف في هذه الأغلبية هو بالذات للتعبير القوى عن هذا الانشغال داخل الحكومة و داخل الأغلبية، و لتوطيد تجربتنا ودعم مسار الإصلاح.
4- مشروع بمضامين مطمئنة
أيها السيدات و السادة
إن مشروع قانون المالية لسنة 2015 يقدم تطمينات بخصوص حالة المالية العمومية و الوضع الاقتصادي إنه مشروع يرسخ المكاسب، و يقي ماليتنا العمومية من المنزلقات الممكنة، و يحمل تدابير تسير في اتجاه تقوية أداء الاقتصاد الوطني و إرساء التوازنات الاجتماعية. و نسجل بهذا الخصوص:
1) العودة إلى الاعتماد على القطاع الصناعي كرافعة أساسية للاقتصاد و تضمين المشروع لدعم هذا القطاع بخلق صندوق تسريع الانبثاق الصناعي وتخصيص مبلغ ثلاثة ملايير درهم لذلك في مرحلة أولى. و لا يفوتني هنا أن أذكر أن تقوية الصناعة الوطنية، و تنمية قوى الإنتاج عموما، هو من صلب توجهاتنا كحزب، و عنصر أساسي في برنامجنا الاقتصادي و الاجتماعي، ودافعنا على هذا التوجه بقوة خلال سنوات عديدة. و نحن نسجل أهمية تضمين هذا التوجه في مشروع قانونه المالية، بشكل ملموس، و تعبير الحكومة عن إرادتها في تطوير الصناعة الوطنية التي بدونها لا يمكن الحديث عن بلد صاعد و قوي و مؤثر..
2) من المؤشرات المطمئنة كذلك تخصيص الحكومة ل 189 مليار درهم للاستثمار العمومي بزيادة تقارب 4 % عن السنة المالية الجارية، كما أن توقعات النمو ليست سلبية إجمالا (حوالي 4%) في ظروف اقتصادية صعبة عالميا، خاصة مع شركائنا الأساسيين في الإتحاد الأوربي، و إن كانت هذه النسبة لا تفي بالحاجيات الملحة في سوق الشغل، غير أن مؤشرات أخرى إيجابية قد تساعد على تجاوز هذه النسبة إذا كان المحصول الفلاحي أفضل من توقعات المشروع (موسم فلاحي متوسط) اعتبارا لتأثير هذا القطاع على نسبة النمو و سوق الشغل في العالم القروي. وبهذا الخصوص لابد أن نسجل التحسن المستمر في نسبة ارتباط مستويات النمو الاقتصادي بالتقلبات المناخية، و أصبح هذا النمو مرتبطا أكثر بتطور الإنتاج الداخلي الخام غير الفلاحي. و لابد من الإشارة إلى أن منحى الانخفاض في سوق النفط قد يساعد ، إذا ما استمر في وضعه الحالي، على تحسين المالية العمومية و نسب النمو علما أن المشروع يفترض ثمن 103 دولار للبرميل كمعدل خلال سنة 2015.
3) توقعات المشروع بخصوص معدل التضخم تبقى إيجابية ومؤشر على استقرار الأسعار، وهو ما ينعكس إيجابيا على القدرة الشرائية للمواطنين ، غير أنه لابد من التنبيه إلى أن منحى الانخفاض في الأسعار بشكل حاد قد يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني و بشكل خاص في القطاع الفلاحي.
4) يتوقع المشروع تحسنا في الموارد بنسبة 2,19 % ، ومن المؤشرات الإيجابية بهذا الخصوص تجاوز حجم الضرائب المباشرة لحجم الضرائب غير المباشرة لأول مرة، ونذكر أننا كنا ننتقد غلبة الضرائب غير المباشرة في كل مشاريع قوانين المالية السابقة. كما نلاحظ ارتفاع الضريبة على الشركات بنسبة 7% مما يؤشر على نجاعة التدابير التي اتخذتها الحكومة في هذا المجال، و تحسن تحصيل الضرائب، و تقلص نسب التملص، التي تظل قائمة مع ذلك، كما يستمر القطاع غير المهيكل في الاستفادة من إعفاء ضريبي عملي وغير معلن، و تضيع بذلك خزينة الدولة و المال العام في مبالغ مالية هامة لابد من تدابير إضافية لاسترجاعها للمساهمة في التقليص من عجز الميزانية و إرساء العدالة الجبائية التي نطالب و نعمل من أجلها منذ سنوات عديدة.
إنها، أيها السيدات و السادة، بعض المؤشرات المطمئنة على وضعية ماليتنا العمومية و اقتصادنا الوطني، إضافة إلى مؤشرات أخرى، تؤكد التزام الحكومة ببرنامجها و توجهاتها الإصلاحية. وتسجيل ذلك لا يعني رضانا المطلق على المشروع، و لا نعتقد أن الحكومة نفسها تشعر بالرضا الكامل، فهي تجتهد لتجاوز الإختلالات و النواقص،و تسير في طريق الإصلاح الذي ندعمه و نسعى إليه و نعمل من أجله، و ملاحظاتنا تندرج ضمن هذا السعي و هذا العمل.
5- استمرارية مجددة
السيد الرئيس
رغم ما أتينا على ذكره من مؤشرات إيجابية، و التحسن الحاصل في المؤشرات المالية و الاقتصادية فإننا نحرص أن نكون موضوعيين و صرحاء مع الحكومة و الشعب ولسنا مساندين بدون قيد أو شرط، ومن هذا المنطلق نسجل بكل أسف:
1) ضعف في المؤشرات على المستوى الاجتماعي رغم الجهد الكبير الذي تقوم به الحكومة، و تدابير تعبر عن انشغالها الكبير بالجانب الاجتماعي . فهي تجتهد للبحث عن الموارد، و تحسنت هذه الأخيرة بالفعل، لكن مازال الإبداع و الابتكار ضعيفا في هذا المجال.
2) الاختلال الحاصل في التزامات الدولة تجاه المقاولات، و تأخر أداء مستحقاتها، مما يحدث عجزا يؤدي أحيانا إلى إغلاق بعضها بما لذلك من تأثير سلبي اقتصاديا و اجتماعيا.
3) كما أكدنا عليه في بداية هذه المداخلة فإن الحكومة تسلك نهج الإصلاح في إطار الاستمرارية، وهو توجه إيجابي على العموم. غير أن الاستمرارية المتجددة و المجددة لا ينبغي أن تعني استمرارية نموذج التنمية المعمول به لحد الآن، فهذا النموذج هو سبب إشكالية توزيع الثروة بشريا و ترابيا، رغم كل الإصلاحات الجارية.نحن ندرك صعوبة تغيير النموذج الحالي بشكل سريع، لكن لابد من الشروع في تغييره التدريجي لإرساء نموذج تنموي بديل اقتصاديا و ماليا و حكاماتيا.ولعل النموذج الذي دعى إليه المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي و الخاص بالأقاليم الجنوبية يمكن أن يكون منطلقا للتفكير و للبحث عن أسس نموذج آخر يضمن الديمومة و الاستدامة بشقيها الاقتصادي و الاجتماعي و يسعى إلى القضاء على الفوارق و التهميش و الإقصاء.
6- دعم المقاولة الوطنية و تنمية قوى الإنتاج
أيها السيدات و السادة
يهمنا كمستشارين أن نثير بعض القضايا المرتبطة أكثر بطبيعة تمثيلية هذا المجلس و انشغالات مكوناته و ناخبيه. و في هذا الإطار ننشتغل كثيرا بقضايا المقاولة و الاستثمار و الفلاحة و الجماعات الترابية .
فالاستثمار، العمومي منه و الخاص ، مرتبط بشكل وثيق بتنمية المقاولة الوطنية، و بخلق الثروة و التنمية، و توسيع سوق الشغل الذي هو إحدى الإشكالات الكبرى التي تواجه الدولة و المجتمع، لما تشكله البطالة من ثقل على كاهلهما معا.
الدولة تقوم بجهد استثماري كبير يواجه أحيانا مشكلة ضعف الإنجاز المؤثر على مردوديته ، و إن كنا نسجل تحسنا في هذه النسبة، و توقع الوصول إلى نسبة إنجاز 69% من استثمارات الميزانية العامة و 68 % للمؤسسات العمومية خلال سنة 2015.
أما الاستثمار الخصوصي، و رغم كل التدابير و الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتحسين مناخ الأعمال، و هو ما نسجله بارتياح ، فإنه مازال يواجه إشكالات كبرى، و منها عوائق إدارية و مسطرية ، و عقليات في الإدارة، تشكلت منذ عقود ، تؤثر على المردودية و النجاعة في هذا القطاع كما في قطاعات أخرى. كما تواجه المقاولة الوطنية المناخ التنافسي الغير مناسب، خاصة مع اتساع اتفاقيات التبادل الحر، ومقتضيات التجارة العالمية، و كل ذلك يسمح بإغراق الأسواق الوطنية بمنتوجات مصنعة تنافس بقوة منتوجاتنا الوطنية….
إضافة إلى ذلك فإن مساواة كثير من المواد الخام المستوردة مع المواد المصنعة فيما يخص الرسوم الجمركية، ماعدا بعض الإسثناءات ورد بعضها في هذا المشروع ( مادة الشاي) ، لا يساعد المقاولات العاملة في المجال الصناعي بوجه خاص، سواء صناعة عصرية أو تقليدية، على تقوية تنافسيتها، بل يؤدي إلى ترك العديد من المقاولين لمجال الإنتاج و التوجه نحو الاستيراد لما يوفره من ربح مضمون و دون تعب كثير.
ونظن أنه يمكن للقطاع الجمركي أن يكون أداة لدعم المقاولة و تقوية قدراتها على التنافس و حمايتها. فالتخفيض من الرسوم الجمركية حول المواد الخام عند الاستيراد، يمكن المقاولة الوطنية من إنتاج منتوج بتكلفة أقل، و يقوي قدرتها على منافسة المنتوج المستورد الكامل التصنيع، و يمكن بالتالي من توسيع نشاط المقاولات الصناعية و خلق وحدات إنتاجية جديدة يترتب عنها فرص شغل جديدة، و مداخيل للخزينة العامة عبر الضرائب، تعوض ما فقدته الحزينة العامة من رسوم جمركية. و نأمل مستقبلا أن يتم توسيع لائحة المواد الخام التي يشملها تخفيض الرسوم الجمركية عند الاستيراد و عدم وضعها في نفس السلة مع المواد الكاملة التصنيع. كما يفرض التوجه نحو التصنيع تعزيز إجراءات حماية المنتوج الوطني، لدعم هذه المقاولات الصناعية بما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني و مصالح المجتمع المغربي.
إننا بحاجة ماسة لدعم المقاولة الوطنية من جهة كفاعل اقتصادي له دور أساس في بناء اقتصاد متقدم، صاعد خالق للثروة و القيمة المضافة، و من جهة أخرى كمقاولة مواطنة لتساهم في خلق الشغل اللائق، و تحسين وضعية العمال و حماية حقوقهم الاجتماعية، و المساهمة ،بالتالي، في تنمية قوى الإنتاج و التقدم الاجتماعي. ودعوتنا لمواصلة الدعم للمقاولات الصغرى و المتوسطة تمليه المساحة الواسعة التي تحتلها هذه المقاولات في النسيج الاقتصادي الوطني، و الصعوبات التي تعانيها، خاصة الحديثة التكوين. وندرج ضمن ذلك المقاولات الصغرى في الصناعة التقليدية ، ونقترح بهذا الخصوص التخفيض إلى أدنى حد من الرسوم الجمركية على المواد الأولية و المواد الخام التي تحتاجها بعض هذه الصناعات مثل الحرير و الخشب، كما نقترح تخصيص أحياء للصناع التقليديين وبناء محلات بأثمان مدعمة على غرار ما تم به العمل في مجال السكن الاجتماعي، و تسهيل الولوج للتمويل ليس فقط للاستجابة لمتطلبات هذا القطاع، الذي يشغل مئات الآلآف من المغاربة،بل كذلك لمتطلبات السياسة الجديدة للمدينة و للمجال و للبيئة.
و في المجال الفلاحي لابد أن نسجل، بإيجابية، المراجعات التي عرفها مخطط ” المغرب الأخضر”، خاصة مراجعة فكرة تركيز المخطط على المنتوجات الموجهة للتصدير، و التوجه نحو الفلاحة التضامنية، و استحضار الأمن الغذائي في هذا المخطط . و من المفيد التأكيد على أهمية عقود برامج، خاصة في بعض المجالات مثل الحبوب و أشجار الزيتون و الدواجن، و توسيع المساحات المزروعة بمزروعات ذات قيمة مضافة عالية… إضافة إلى آليات الدعم المختلفة التي تقدمها الدولة للقطاع الفلاحي الذي أدى إلى ازدياد المساحات المزروعة ووفرة الإنتاج. ذلك إيجابي بالتأكيد و تعبير عن نجاح المخطط، وهو نجاح يجب مواكبته بمعالجة إشكاليات التسويق داخليا و خارجيا. فمسألة التسويق الخارجي للمنتوجات الفلاحية تطرح بحدة أمام هذه الوفرة في الإنتاج، و أمام صعوبات تواجهها منتوجاتنا الفلاحية في أسواق الإتحاد الأروبي، و التصرف الأحادي لمسؤولي هذا الإتحاد في تحديد الكميات و الأسعار، مما يفرض البحث بجد عن أسواق جديدة في كل القارات.
وندعم بهذا الخصوص سعي الحكومة إلى تطوير علاقاتنا مع روسيا لكونها سوق استهلاكية و واسعة، و هي بوابة لأسواق محيطة في المنطقة، كما أن التوجه نحو إفريقيا يفتح أفاقا واعدة لكل صادراتنا، ومنها الصادرات الفلاحية، خاصة بعد الزيارة التاريخية لجلالة الملك لعدد من البلدان الإفريقية التي فتحت آفاقا واسعة لتبادل تجاري مثمر و مفيد لمصلحتنا الوطنية و مصالح إفريقيا.
السيد الرئيس
نحن مقبلون على سنة انتخابية، وهذا يهم مجلسنا في الصميم، ولم نلمس في مشروع القانون المالية الذي نناقشه اليوم اهتماما واضحا و استحضارا كاملا لهذه الاستحقاقات. نحن مقبلون على نظام جهوي جديد نأمل أن يدعم مسار التنمية المجالية و إرساء العدالة الاجتماعية بوجه عام… و هذا يطرح مسألة الارتباط بين الجهوية الموسعة و التوزيع الجهوي للميزانية العامة و للاستثمارات. فالحكومة حسنت بشكل كبير من هذا التوزيع، لكن المركزية المعمول بها لحد الآن تحد من الفعالية و المردودية، مما يفرض استحضار البعد الجهوي بقوة في قوانين المالية المقبلة، و تمكين الجماعات الترابية من التمويل حسب الحاجيات و ليس بشكل جزافي، و حسب الموقع الجغرافي أو الاقتصادي..
و نأمل أن يتم الإسراع بإخراج مشروع الجهوية الموسعة و كذلك مجموع القوانين المرتبطة بالجهوية و الجماعات الترابية، و بصلاحيات أوسع، و إمكانيات أفضل، و تدبير أنجع. فلا ديمقراطية بدون جهوية موسعة الصلاحيات فعليا، وبدون لا تمركز، وبدون ديمقراطية تشاركية تسمح للنخب المحلية بالبروز و الفعل و التجدد، و المساهمة من موقع التسيير في التنمية المحلية.
السيد الرئيس،
هذه بعض القضايا و المواقف و الآراء التي ارتأينا التركيز عليها في هذه المناقشة، دون أن نتمكن من الإلمام بكل القضايا المطروحة على وطننا وشعبنا، على أن نعالج في مناقشة الميزانيات القطاعية باقي مجالات السياسات العمومية.
و اعتبارا لما حمله مشروع قانون المالية لسنة 2015 من التزام بمواصلة نهج الإصلاح ومراكمة الإيجابيات، و السعي نحو تجاوز النواقص و مواجهة الاكراهات، و اعتبارا كذلك لالتزاماتنا السياسة في إطار الأغلبية و دعمنا للسياسة الحكومية و لبرنامجها وتوجهاتها، فإننا نعلن دعمنا لهذا المشروع و التصويت إيجابا لصالحه.
شكرا على إنتباهكم
