الوضع في منطقة الكركرات بالصحراء المغربية وتوالي التحركات الإستفزازية من طرف عناصر الجبهة الإنفصالية، يكشف على أن خصوم الوحدة الترابية للمملكة لم تعد لديهم سوى هذه الإستعراضات المعتوهة، إعتقادا منهم أن ذلك يمثل ضغطا على المغرب أو يثير خوف القوات المسلحة الملكية، ومن ثم، فبدل فتح الأعين على السياق الإقليمي والدولي وحسن تقدير موازين القوى، والوعي بالرهانات الحقيقية المطروحة اليوم على المنطقة والتطلعات المشروعة للشعوب، فإن المتحكمين في تيندوف لا يَرَوْن حواليهم سوى امتدادات التيه الذي يعيشون ضمن منغلقاته منذ عقود.
لقد تحلى المغرب دائما بالكثير من ضبط النفس تجاه استفزازات العناصر المسلحة للإنفصاليين، والإستعراضات الكاريكاتورية لقادتهم، وبدل الإنجرار للرد على صبيانياتهم في الميدان، ركز على صيانة الإستقرار وتوفير شروط تحصين هذه المنطقة الحساسة من مخاطر عصابات التهريب والجريمة والإرهاب، وانكب على العمل الملموس من أجل تقوية منظومة الأمن والإستقرار هناك.
لكن، في المقابل، لم تحفل العناصر الإنفصالية لكل هذا المنجز العملي الملموس، ولم تقدر رصانة الموقف المغربي، واختارت إقتراف التصعيد اللفظي والإستعراضي باستمرار.
عندما باشرت المملكة مساعي استعادة عضويتها في الإتحاد الإفريقي إعتقد خصومها أن مثل هذه الإستفزازات في الكركرات بإمكانها التأثير على هذا السعي ونسف مسلسله، لكن لما صدر القرار في أديس أبابا وحقق المغرب هدفه الديبلوماسي والسياسي، زاد وتفاقم جنون الطرف الآخر، ولم يجد أمامه سوى مواصلة… الحمق.
الوضعية باتت اليوم خطيرة في الكركرات جراء كل هذا، وهذا ما أثار جلالة الملك إنتباه الأمين العام للأمم المتحدة إليه، ودعاه إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذا الوضع غير المقبول.
الأمم المتحدة وبعثتها في المنطقة يجب أن يتحملا مسؤوليتهما لكي تتوقف التوغلات المتكررة للعناصر المسلحة ل”البوليساريو”وأعمالهم الإستفزازية في الكركرات، وذلك لأن المملكة لا يمكنها مواصلة التغاضي عن ذلك إلى ما لا نهاية، وأيضا لكون ما يحدث من شأنه تهديد وقف إطلاق النار القائم منذ 1991، وأن يعرض كامل الإستقرار الإقليمي للخطر.
من المؤكد أن خصوم الوحدة الترابية لبلادنا لا يقدرون اليوم على فرض أي تغير ميداني كبير في صيرورة هذا النزاع المفتعل، ومن المؤكد كذلك أن هذه الإستعراضات الإستفزازية المتكررة التي يقترفونها في الكركرات وحواليها لا ترعب قواتنا المسلحة، ولكن، في نفس الوقت، لا يمكن للمغرب أن يسمح لأي كان بإفتعال أي تغيير في وقائع وجغرافيات الأرض بمجرد إلتقاطه صورا صبيانية فوقها، ولذلك وضع جلالة الملك السيد أنطونيو غوتيريس أمام مسؤولياته بكامل ما يقتضيه الأمر من صرامة ووضوح، وحتى تتدخل الأمم المتحدة لوضع حد لكل هذه الرعونة التي تحلى المغرب باستمرار تجاهها بكثير من التعقل والحكمة وضبط النفس.
إن هجومية الديبلوماسية المغربية في ملف وحدتنا الترابية يجب أن تبرز باستمرار وعبر كل جوانب وتجليات المواجهة، سواء على أرض الميدان أو في العلاقة مع بلدان الجوار المعنية أو تجاه الأمم المتحدة وبعثتها في المنطقة، أو أيضا اليوم ضمن هياكل وعلاقات ومنظومات الإتحاد الإفريقي، كما أن تطورات الفترة الأخيرة والسياقات ذات الصِّلة بالملف تفرض عدم إغفال أي جانب مهما كان صغيرا أو تفصيليا أو جزئيا، لأن الخصوم يعولون على تراكم مثل هذه الجزئيات بغاية تجميع المكونات التي تقود لإصطناع واقع ميداني جديد أو صياغة كذبة أخرى أو وهم آخر بناء على تفاصيل قد لا يكون المغرب واجهها بصرامة منذ الأول أو فضح زيفها.
بقلم: محتات الرقاص