عن الأحزاب… مرة أخرى

محتات الرقاص

عند كل استحقاق انتخابي نجد من يتحرك في كل الاتجاهات لتعليق كل الخطايا على الأحزاب، وذلك بإطلاقية فجة، وأحيانا بمعجم يخلو، ليس فقط من اللياقة، ولكن أيضا من المنطق.
قد يكون الأمر في نهاية المطاف طبيعيا ولصيقا بلحظة حوار وتفاعل تتيح مثل هذه التحركات، ولكن عندما يصدر الكلام عن شخصيات تتولى مهام أساسية في البلاد أو عن نشطاء سياسيين أو جمعويين هم أنفسهم تلفهم الكثير من الملاحظات بشأن المواقف والمسارات الشخصية، هنا يقتضي السلوك عديد علامات تعجب طويلة.
ينسى هؤلاء المتكلمون أن عملياتنا الانتخابية شهدت كثير ممارسات وخروقات وفضائح في تاريخها نجمت عنها ظواهر سلبية، وتشكلت، على إثرها، كائنات وسلوكات وبيئة عامة أفسدت مضمون هذه الاستحقاقات، ومن ثم ضعفت الثقة في الانتخابات والمؤسسات والسياسة…
وعندما نتأمل الامتداد الزمني الذي جرت فيه مختلف هذه الممارسات، فهو، في كل الأحوال، ليس بعيدا، وإنما الكثيرون منا يذكرون تفاصيله وسياقاته، ولذلك من الطبيعي أن يستمر أمامنا الواقع المختل ماثلا وصعبا على التغيير بسرعة.
ولا شك ألا أحد يعتبر أن الأحزاب هي وحدها المسؤولة عن هذه المعضلات، أو عن تشويه ممارستنا الانتخابية والسياسية.
طيلة هذا التاريخ وجدت قوى سياسية جادة ناضلت ضد إفساد الانتخابات، ولم تكن تعرض لا «الباكور» ولا»الزعتر»، ولكن كانت تقدم تضحيات، وواجهت وصمدت، وتعرضت لكل المحن، وبعضها مستمر إلى اليوم يناضل من أجل مبادئه وقناعاته.
صحيح أن البلاد لم تبق جامدة أو متكلسة عند ماضيها، ولكن أشياء عديدة تبدلت وتغيرت، ويتواصل الجهد الجماعي إلى اليوم من أجل تحسين إجراءات تنظيم الانتخابات، تصويتا وترشيحا، وتقوية حماية التعددية السياسية، وتخليق الاقتراع ومحاربة الفساد والتدليس، وأيضا توسيع المشاركة الشعبية، وبالتالي السعي، عبر كل هذا، لاستعادة الثقة وتثمين دور السياسة…
هذا الجهد يساهم فيه الجميع اليوم، بما في ذلك الأحزاب، ولكن ثقل الممارسات السلبية السابقة لا زال مترسخا، ومنظومة الإفساد أنتجت بيئة تفرض اليوم»قواعدها» وضغوطها…
بعض المتكلمين اليوم، من مستويات مختلفة، يمتطون ظهر» البرامج» لكيل الاتهام للأحزاب، وأحيانا يبدون كما لو أنهم يودون تحويل الأحزاب إلى مكاتب خبرة ودراسات بلا أي مضمون سياسي أو فكري، وينسون أن السياسة هي كذلك صراع أفكار وبرامج ورؤى، وهي انتخابات وتصويت وإرادة شعبية ومؤسسات، كما ينسون أن كثير مشكلات اصطدمت بها البلاد في تاريخها كانت أساسا نتاج تدبير تقنوقراطي، وبالضبط بسبب غياب… السياسة.
ومن باب المنطق والموضوعية، من يود اليوم فضح هذا «الباكور» و»الزعتر» يجب أن يتحلى بشجاعة استحضار كامل التاريخ وليس اختيار ما يلائم رأيه فقط، وبانتقائية سطحية.
أما بعض الصغار جدا الذي ينطون هذه الأيام في كل الأركان وينشرون عن أحزابهم السابقة أنها «فقدت البوصلة» بعد أن طردتهم من صفوفها، فلا يستحقون سوى الشفقة من سطحيتهم وخوائهم.
وفي مقابل كل ما سبق، لا يمكن أيضا القول بأن الأحزاب جميعها جيدة، وحقلنا الحزبي قوي أو بلا اختلالات، فعكس ذلك حقلنا الحزبي يقتضي مقاربات جدية لتطويره وتأهيله، ولن ننجح في ذلك ما لم نسع لتمتين ممارستنا الديموقراطية العامة، وان نحرص على التعددية السياسية وتثمين دور السياسة والأحزاب، وأن نصر على استقلالية الفاعل الحزبي.
المحطة الانتخابية فرصة لتطوير الحوار الوطني السياسي حول مثل هذه القضايا الجوهرية الضرورية لبناء مغرب الغد، وأيضا لبلورة وتفعيل ممارسات فعلية تحفز على إحداث التغيير، ويبدأ ذلك بتأهيل البيئة القانونية والمؤسساتية، وصيانة التعددية واحترام المؤسسات وتغيير السلوكات والمقاربات التي أوصلتنا إلى ما نحياه اليوم في حياتنا السياسية…
كلام»الباكور» و»الزعتر» بصراحة جاء خارج كل السياقات، ولا ينفع لتحقيق أي تقدم أو تغيير.