بداية الإعداد للمؤتمر…

بقلم محتات‭ ‬الرقاص

أعلن حزب التقدم والاشتراكية عن الشروع في الإعداد لمؤتمره الوطني الحادي عشر، المرتقب عقده هذا العام، وكشف، بهذا الخصوص، عن وثيقة» في أفق تحضير المؤتمر الوطني الحادي عشر: مداخل للتفكير والنقاش»، عرض الأمين العام للحزب محاورها وغايتها مؤخرا، وانطلق في مختلف هياكل الحزب حوار داخلي بشأنها وتأسيسًا على هدفيتها العامة.
هذه المرحلة الأولية في مسلسل تحضير حزب التقدم والاشتراكية لمؤتمره الوطني المقبل، تمتلك أهميتها وجدتها، بالنظر لقيمة الأسلوب والشكل أولا.

الوثيقة المنهجية المعلن عنها تقصد الاتفاق الجماعي داخل الحزب حول أسلوب الإعداد للمؤتمر والهدف منه، ومختلف الخطوات المطلوب إنجازها، والغايات المراد بلوغها.

وانطلاقا من هذا، فإن هذه المرحلة تكرس، ثانيا، انخراط المناضلات والمناضلين في نقاش حزبي جماعي حر وحيوي وديموقراطي بشأن كل النقاط والجوانب المتصلة بمستقبل حزبهم ومؤتمره والأفق العام الواجب بناؤه.

هذان التجليان المذكوران أعلاه ينطلقان من انشغال الحزب بالعديد من الأسئلة والتحولات المحيطة اليوم بالعمل السياسي ودور الأحزاب ومستقبل الديموقراطية، وأيضا بباقي السياقات المرتبطة بأوضاع بلادنا وشعبنا، وبما يشهده عالم اليوم من تغيرات مهولة ومتسارعة، ومن ثم، لن يكون الحوار الحزبي مجرد تفكيك للأشكال التنظيمية أو رسم للتموقعات الفردية والجماعية، ولكنه تفكير عميق في السياسة أولا، ثم في طرق وأشكال ممارستها داخل الحزب وفي المجتمع.
لقد توزعت الوثيقة الحزبية، التي كان قد تدارسها المكتب السياسي طيلة اجتماعات عديدة، إلى عناوين وفصول رئيسة، وشملت مداخل تهدف إلى مقاربة الوضع الوطني العام ومهمات الحزب في مستويات مختلفة، وترتيبا على ذلك، من شأن الحوار الحزبي الداخلي والعمومي حول محتواها، أن ينتج خلاصات يمكنها إغناء الوثائق المرجعية المرتقب إعدادها لاحقا ودراستها من لدن المؤتمر الوطني نفسه.

إن حزب التقدم والاشتراكية اليوم، وفضلا عن الأسئلة المتعلقة بواقع البلاد وأوضاع الشعب وتحولات العالم، يطرح كذلك ذاته للتفكير والتأمل والحوار، ويدعو مناضلاته ومناضليه إلى تحليل ما راكمه الحزب طيلة تاريخه من تجارب، والوقوف أساسا على تجليات الضعف والقصور، وعلى طرق العمل الحزبي والتنظيمي والتواصلي ومقارباته، وبذلك، هو يحفز أعضاءه للتفكير العميق في سؤال: أي حزب نريد؟، أي إدراج مناقشاتهم ضمن الأفق الاستراتيجي المراد توضيح معالمه المختلفة، وجعل الحوار والاجتهاد يعانقان الرصانة والعمق والنظر البعيد.

من جهة أخرى، ولكي يفضي التفكير، في هذه المرحلة الأولية، إلى خلاصات منتجة، فقد وضعت الوثيقة المعلن عنها محددات كبرى للمسار، ومن أهم عناوينها المركزية، ضرورة تعزيز الهوية اليسارية التقدمية للحزب، وترسيخ الجدلية الفاعلة بين الالتزام بالثوابت والمبادئ من جهة، وتقوية الانفتاح من جهة ثانية، أي مواصلة الاندراج ضمن شعار مركزي سابق يعزز جدلية «الوفاء والتجديد».

يؤمن الحزب التقدمي أن الانفتاح السياسي والتنظيمي في المجتمع وتمتين حضور الحزب وإشعاعه لا يتناقض إطلاقًا مع إبراز هويته والتقيد بمبادئه وقيمه وروحه، وإنما، عكس ذلك، الانفتاح هو الرافعة والحامل الداعم لمسيرة الحزب وسعيه لإشعاع قيمه الأساسية، واستعادة إبراز تلك البصمة أو»السحنة» العامة، التي ميزت دائما مواقف الحزب وتحليلاته ومقارباته، وعرف بها مناضلوه ومناضلاته عبر خطابهم وأفكارهم وشعاراتهم، وأيضا في سلوكاتهم وعلاقاتهم الحزبية والمجتمعية.
هذا المحدد الرئيسي المتصل بهوية الحزب، جاء أيضا متلاصقا بمحدد ثان لا يقل أهمية، وهو تشبث الحزب الدائم باستقلاليته، وبالقرار الحزبي المستقل.

المحددان معا يحكمان، تبعا لما سبق، مقاربة الحزب للمشروع المجتمعي الذي يناضل من أجله، ويعيد اليوم التأكيد عليه، وعلى استمرار النضال العام في أفقه.

وهناك محدد آخر يصر عليه الحزب خلال التحضير لمؤتمره الوطني، وهو المتعلق بضرورة مراجعة أشكال وطرق عمل الحزب، واستحضار تحولات المجتمع ومختلف الإكراهات المستجدة في أزمنة اليوم، وتعزيز المسؤولية والواجبات مقابل الحقوق والصلاحيات، وذلك لبناء منظومة متجددة للعمل الحزبي تناسب مغرب اليوم وأجيال اليوم، أي كيف نعزز هوية الحزب واستقلاليته، ونطور النضال من أجل مشروعه المجتمعي، ولكن بأشكال تنظيمية وتواصلية وإشعاعية وتأطيرية تناسب هذا الوقت، وباقتران الحقوق بالواجبات داخل التنظيم الحزبي، وربط المسؤولية بالحصيلة والمردودية والمحاسبة.

هو إذن تمرين ليس سهلا أو بسيطا على كل حال، ذلك أن التنظيم، في حزب مثل حزب التقدم والاشتراكية، ليس خرائط أو معادلات هندسية ترسم على الورق وتنفذ فورا، ولكن الأمر يعني ممارسة تنظيمية وعلائقية وسلوكية تتأسس على هوية فكرية ومقومات أخلاقية ومرجعية سياسية، وعلى تحمل المسؤولية والالتزام بالقرار الجماعي الديموقراطي، ومن ثم يكون التفكير هنا جدليا بين التنظيمي والسياسي، ويتطلب الكثير من العمق وإعمال التفكير والاجتهاد، وأيضا التمثل السلوكي.
واضح إذن، أن الوثيقة المنهجية الأولية التي أعلن عنها حزب التقدم والاشتراكية، هي بمثابة دليل لتأطير عمليات الإعداد للمؤتمر الوطني الحادي عشر، وتروم إنتاج تفكير حزبي جماعي بشأن المستقبل، وجعل مسؤولية صناعة مستقبل الحزب مشتركة بين كل الأعضاء، كما أن الوثيقة تحث المناضلات والمناضلين على ممارسة النقد الذاتي فيما بينهم لطرق العمل وأشكال السيرة الحزبية والحكامة الداخلية، وذلك في أفق بناء المستقبل وليس المبالغة في جلد الذات فقط.

اليوم يبدأ حزب التقدم والاشتراكية المرحلة الأولى في الإعداد لمؤتمره القادم، وذلك عبر نقاش داخلي واسع يشمل كل مستويات وهياكل التنظيم الحزبي، وأيضا بالانفتاح على فعاليات مختلفة في المجتمع، وستتواصل لاحقا باقي مراحل التحضير، وما تتميز به كلها أنها تستند إلى إصرار مناضلات ومناضلي الحزب على تولي التحضير لمؤتمرهم وتملك سعيه العام للمستقبل، وهم يحرصون، في ذلك، على هويتهم اليسارية التقدمية، وعلى قرارهم التنظيمي المستقل، وعلى وحدة صفوفهم، وعلى مقاربة كل قضايا حزبهم بالعمق والرصانة والهدوء والوعي، كما تفرض ذلك تحديات الزمن المغربي والكوني الحالي.