وتبقى مشكلة الحكومة قائمة…

أجاب رئيس الحكومة، أول أمس الاثنين، أمام مجلس النواب، عن الأسئلة التي طرحت عليه، وذلك خلال الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة، والتي كانت مخصصة لوضعية الاقتصاد الوطني…

ولم تخل الجلسة البرلمانية من مشادات وتوترات وسجالات متبادلة، كما أن رئيس الحكومة نفسه جرب هذه المرة أسلوب رمي الكرة في اتجاه الحزب الأغلبي السابق، ومحاولة تسجيل الأهداف ضده، ولكن في النهاية بقي في الذاكرة أمر جوهري، وهو أن الحكومة استعرضت، مرة أخرى، الظروف الموضوعية العامة، الوطنية والعالمية، وحاولت، عبرها، تبرير غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية لفئات واسعة من شعبنا، وخلا جواب رئيسها من الحلول العملية والشجاعة التي ينتظرها الناس.
لسنا هواة لعبة (التشيار)، ولكن نعتقد أن الظرفية اليوم تحتم على الكل الانشغال بسبل الخروج من الأزمة، والتفكير في مستقبل بلادنا.

من المؤكد أن تداعيات الجائحة وآثار الجفاف وعواقب الحرب الروسية الأوكرانية لها تأثيراتها على أوضاعنا المعيشية والاقتصادية المحلية، ومن المؤكد أن العالم برمته يشهد تقلبات، ويعاني من عديد تراجعات وأزمات، ومن المؤكد أن حالتنا المغربية تتميز، مع ذلك، ببعض الاستقرار العام عكس ما تعانيه بلدان مجاورة…

كل هذا صحيح، ولا يختلف عليه اثنان، ولكن المحللون ووسائل الإعلام يعرضون يوميا تفاصيل وأرقام كل هذا، ويقدمون البحوث والتحاليل والجداول والتوقعات، كما أن هيئات إحصائية ومؤسسات مختصة تقدم البيانات والمعطيات المتصلة بالنمو والعجز وسوى ذلك، ومن ثم لم يكن منتظرا من رئيس الحكومة أن يأتي إلى البرلمان ويكرر نفس الاستعراض، ولكن هو مدعو، بمعية حكومته، ليقدم الحلول والبدائل والبرامج.

عندما تكون البلاد في ظرفية صعبة ومعقدة، يصير مطلوبا من حكومتها أن تبدع الحلول الاستباقية، وتبادر إلى التفاعل مع انشغالات الناس ومطالبهم، وتقدم الإجراءات القادرة على تخفيف المعاناة.

لقد نشرت قراءات وتحاليل مفصلة بشأن الإجراءات الجزئية التي أعلنت عنها الحكومة مؤخرا للتصدي للغلاء، وكشفت عن محدوديتها الكبيرة، لكن الثابت اليوم أن فئات عديدة من شعبنا تعاني يوميا جراء ارتفاع أسعار المحروقات، وهو ما يتطلب تدخلا حكوميا شجاعا وجريئا لتفعيل حلول مجدية وذات أثر ملموس.

من الطبيعي أن تستفيد المقاولات الوطنية من الدعم العمومي ومن مواكبة الحكومة لها لحماية الشغل وتعزيز الإنتاجية الوطنية، ولكن، في نفس الوقت، لا يجب أن تبقى الحكومة مرتهنة لمصالح لوبيات اقتصادية، وأن تواصل تفريخ الريع والمحسوبية على حساب الأوضاع المعيشية لشعبنا.

الأولوية اليوم هي للعيش اليومي للناس، ولتأمين صيانة القدرة الشرائية، ولحماية استقرارنا الاجتماعي العام.
وهذا هو المدخل الجوهري لتفعيل الحماية الاجتماعية الحقيقية.

من جهة أخرى، ليس مقبولا في كل مرة توجه الانتقادات إلى الحكومة الحالية أن يرد رئيسها بالإحالة على الحكومة التي سبقته، وكيل الاتهامات لها.

يعرف المغاربة أن الحزب الذي يترأس الحكومة الحالية شارك في الحكومة السابقة، وفِي التي قبلها أيضا، ويعرف الكل دوره حينذاك وتفاصيل موقعه وتموقعه بداخل الأغلبيات كلها، وبالتالي من البلادة نفي أي مسؤولية، والتنصل من كل السياسات والبرامج والمواقف، وشطبها بجرة قلم أو عند كل تصريح أمام البرلمان…

من المفهوم أن تسعى الحكومة ورئيسها لرد الانتقادات عنها، وحتى اقتراف بعض المزايدة السياسوية أحيانًا، ولكن مطلوب أكثر أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تفي بوعودها الانتخابية تجاه المغربيات والمغاربة، وأن تجيب عن الأسئلة الساخنة، والمتصلة بأثمنة المحروقات مثلا، ودور اللوبيات المرتبطة بالقطاع، ومظاهر الاحتكار وضعف المنافسة وشفافيتها…، ثم تلك التي تتصل بالغضب والرفض للعديد من القرارات الحكومية القطاعية من طرف الفئات المعنية بها…

عقب صدور كل قرار حكومي تعبر نقابات ومنظمات مهنية عن رفضها له، وعن احتجاجها لغياب أي تشاور مسبق معها أو إشراك لها، وهذا يعني أن عددا من وزراء هذه الحكومة لا يقدرون على الحوار الجدي مع المهنيين وممثليهم…

المشكلة إذن هي في مضامين الإجراءات الحكومية والسياسات العمومية المعلن عنها، وأيضا في غياب الشجاعة السياسية والتدبيرية، وفِي الافتقاد إلى الرؤية والتقدير، وكذلك في السلوك العام لعدد من وزراء هذه الحكومة والمستوى الحقيقي للكفاءة المفترى عنها منذ البداية، أي في المحتوى وفِي الشكل.