عبد العزيز بلال: كم هو راهني فكره في مغرب اليوم…

بقلم محتات‭ ‬الرقاص

تحل الذكرى الأربعون للرحيل المفجع للباحث الاقتصادي الأكاديمي والمناضل السياسي التقدمي عبد العزيز بلال، وبعد كل هذه العقود الأربعة على فاجعة الفندق بمدينة شيكاغو التي أودت بحياة المفكر المغربي، كم يبقى راهنيا اليوم بيننا، وكم تزداد الحاجة إلى استحضار أفكاره الاقتصادية وسيرته النضالية، وأيضا أن نتمثل سلوك المناضل في شخصيته، وعطاءات المثقف واجتهاداته العلمية والأكاديمية.

قبل أربعين عاما، صدم الكثيرون لفاجعة وفاة المفكر الاقتصادي والقيادي في حزب التقدم والاشتراكية عبد العزيز بلال، وذلك على إثر حريق تعرض له الفندق الذي كان يقيم به في شيكاغو الأمريكية، التي كان يزورها ضمن مهمة تمثيلية بحكم عضويته في مجلس جماعة محلية بالدار البيضاء، لكن أفكار بلال بقيت دائما حية ومستمرة، وهي اليوم تفرض علينا ليس البكاء على مبدعها أو الحديث عنه بصيغة الماضي الذي انتهى، ولكنها تحتاج أن نستحضرها ونقرأها ونستلهمها بصيغة الحاضر، أي هنا والآن.

أمام ما يطرح على بلادنا اليوم من تحديات تنموية ومجتمعية، وأمام ما يعيشه العالم من تقلبات وقطائع ومخاطر، كم يعتبر عبد العزيز بلال راهنيا، وكم يستحق فكره أن نبرزه ونحتفي به، وأن نقرأه…

في سيرة الراحل عبد العزيز بلال، الشخصية الاقتصادية والسياسية والنضالية في الآن ذاته، يحضر أولا المثقف النقدي والحريص على السؤال، والمصر على تحليل واقع مجتمعه وإبداع الحلول والمخارج.

في السيرة كذلك، يحكي مجايلوه عن نزاهة السياسي ومصداقيته والتزامه وإخلاصه، ويروي الكثيرون قصص التمسك بالتواضع وأخلاق المناضل الحزبي، وأيضا اللامبالاة والزهد في المواقع والمناصب والمنافع… المناضل عبد العزيز بلال ينطلق فقط من المبادئ ويصر عليها وينتهي دائما متمسكا بها…

بلال، المثقف والباحث والأكاديمي، لم يرتبط قط بصورة الانعزال والتعالي، ولكنه استثمر ذلك في الحضور وسط الناس، والمشاركة في العمليات الانتخابية والنضالات اليومية والتأطير الحزبي، أي أضاف إلى السيرة خبرة نضالية وميدانية من خلال الممارسة الحزبية والمجتمعية…

هو النموذج الذي يبقى المغرب اليوم في حاجة إليه، أي المثقف النقدي والشجاع، والعالم المتمكن، والمناضل الميداني الملتزم بقضايا وطنه وشعبه، أي أن تقترن السياسة بالمعرفة، وأن تعلو الأخلاق النضالية…

عبد العزيز مات، لكن السيرة والنموذج والأفكار حاضرة لم تمت، وبذلك هزم بلال الموت وجرده من ثقل الصدمة والفجاعية التي خلفها في النفوس، واستمر عبد العزيز بلال إلى اليوم واحدا من رموز النبوغ المغربي، وقامة علمية ونضالية أنجبها شعبنا، وحفظت له الذاكرة النضالية الجماعية للمغاربة منجزه الكفاحي والميداني والعلمي، وبقي كل ذلك يعيش بيننا، ينصت لنبض بلادنا ومجتمعنا، ويقرأ واقعنا، وتجادل الأفكار ما يحدث حوالينا بكثير من العقلانية والوضوح والشجاعة وبعد النظر.
ذكرى الرحيل المؤلم لعبد العزيز بلال تقدم لنا في مغرب اليوم درسا بليغا، وتدعونا لنقرأ السيرة، ولنتمعن الأفكار والأطروحات.
لقد بقي الراحل في بال كل من عرفه، الباحث الأكاديمي الممسك بجرأة الموقف وشموخ الصمود على المبادئ والمنتصر للعقل والتنوير، وأيضا المناضل والقيادي ورجل الميدان، الذي يجمع السياسة والمعرفة، ويقبض على النزاهة والمصداقية…
عبد العزيز بلال عاش، سيرة وسلوكا وفعلا وتفكيرا، ينشر الطمأنينة والألفة حواليه، ويصر، بحس وسلوك المناضل التقدمي، على أن يفتح الأبواب والآمال أمام شعبنا، أي يساهم في صنع الحياة وتحقيق التقدم لوطننا وشعبنا و… للإنسان.
الحرائق والموت لم تهزم بلال ولم تغيبه إلى العدم…

عبد العزيز بلال حاضر دوما بفكره وسيرته…
مغرب اليوم في حاجة إلى مثل أفكاره…
صباح الخير بلال، الكبير والراهني…