نادية تهامي تطالب الحكومة بتمكين المرأة المغربية من كافة حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية
أثناء مداخلتها باسم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، في إطار التعقيب على جواب رئيس الحكومة، بخصوص موضوع “سبل تعزيز حقوق النساء، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ذات الصلة بالمناصفة والمساواة”.
الجلسة العمومية المخصصة للأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة حول السياسة العامة، المنعقدة بمجلس النواب يوم الاثنين 17 يوليوز 2023.
فيما يلي النص الكامل للمداخلة:
شكرا السيد الرئيس؛
السيدات والسادة الوزراء؛
السيدات والسادة النواب؛
السيد رئيس الحكومة؛
نثمن كل ما جاء في كلمتكم بما فيها الإيجابي، وبما فيها النواقص، والتي يجب علينا بذل المزيد من الجهود من أجل تحقيق المساواة والمناصفة.
نحن، اليوم السيد رئيس الحكومة، بِصَدَدِ لحظةٍ سياسيةٍ هامة، نعتبرها، في فريق التقدم والاشتراكية، مُناسبةً لإجراءِ تقييمٍ مرحلي لمُنَجَزِ حكومتكم، فيما يتعلق بقضيةٍ محوريةٍ ومصيرية، بالنسبة لحاضر ومستقبل وطنِنا: قضية المساواة بين النساء والرجال.
حينما جاءت حكومتُكم، أعلنتم أنها حكومةٌ سياسيةٌ، وأنها بديلٌ تحديثـــي. وانتظرَ الجميعُ، على هذا الأساس، إجراءَ إصلاحاتٍ قوية واتخاذَ قراراتٍ ملموسة في المجال الديموقراطي لاستعادة الثقة، وفيما يتصل بتوسيعِ فضاء الحريات والنهوض بالمساواة.
وها هي الحكومةُ، بَعد مرور سنة ونصف، تُراكِمُ تَخييبَ الأمل في تحقيق رهان المساواة وقضايا النساء، تماماً كما هو الشأن بالنسبة لعجزها عن معالجة تدهور القدرة الشرائية للمغاربة.
فإذا كانت حكومتُكم قد تحجَّجت بالتقلبات الدولية لتبرير عدم اتخاذها لإجراءاتٍ اجتماعية كالزيادة في الأجور، فما مبررُ عدم مُبادرتكم، بعد سنة ونصف، إلى تقديم مشروعكم لإصلاح منظومة القانون الجنائي المليئة حاليا بمقتضياتٍ تمييزية على أساس الجنس، لا تُلائم لا الدستور، ولا الاتفاقيات الدولية، ولا التحولات المجتمعية!؟
وما تعليلُكم لعدم بلورة مشروعٍ لمراجعة مدونة الأسرة، بعد سنةٍ على الخطاب الملكي السامي الذي فَتَحَ المجالَ لِـــمُباشَرةِ هذا الورش الأساسي في مساراتِ إقرار المساواة بين النساء والرجال!؟ وهو الخطابُ القويُّ الذي أكَّدَ على أنَّ بناء مغرب التقدم والكرامة لن يتم إلَّا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية.
السيد رئيس الحكومة؛
المساواة ليست مسألةً حقوقية فقط، وهي كذلك فعلاً، بل إنها، أيضاً، معركةٌ مجتمعية عرضانية، وجزءٌ أساسيٌّ من المسار نحو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والنهوض الاقتصادي. وعلى أساس ذلك، فإننا، في التقدم والاشتراكية، نَحمِلُ، منذ 80 سنة، في جيناتنا،مشروعًا سياسيًّا وفكريا تُوجد مسألةُ المساواة في قلبه.
واسمحوا لنا، بكل موضوعية، أن نقول لكم السيد رئيس الحكومة، إنَّ مسألة إقرار المساواة ليست حاضرةً، سوى بشكلٍ باهتٍ، لدى الحكومة.
فلقد التزمتم، في البرنامج الحكومي، بنهج سياسة شاملة إزاء تمكين النساء من حقوقهن. ولكن الواقع يبيِّنُ أنَّ إجراءاتِ الحكومة، بهذا الصدد، معزولةٌ وغيرُ مرئيةٍ ولا ملموسة.
كما أنَّ الواقع يُظهرُ أن نسبة نشاط النساء ما زالت لا تتجاوزُ 19%. كما جاء على لسانكم السيد رئيس الحكومة، ونسبة البطالة التي تناهز اليوم 12.9%، تبلغ في وسط النساء 17%.
ووعدتم كذلك، دون وفاء، بتفعيل مدخول الكرامة للمسنين والمسنات، وقَدرُهُ ألف درهم شهريا.
كما وعدتم، دون أن نرى أيَّ مؤشر للتنفيذ، بتوسيع دور الحضانة ورعاية الأطفال، وتحفيز نقل المستخدمات. وبإقرار سُلَّمٍ يراعي خصوصية عمل النساء فيما يتعلق باحتساب نقط التقاعد.
السيد رئيس الحكومة؛
مع كل ذلك، هذا، بالنسبة إلينا، مناسبةٌ، لكي نُعَبّرَ، في فريق التقدم والاشتراكية، عن الاعتزاز بتراكم المكتسبات التي تحققت للمرأة المغربية، في جميع المجالات، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين، وذلك بفضل الإرادة المَلَكية القوية، ونضالات الحركات الديموقراطية والنسائية والحقوقية والتقدمية.
فالدستور يُقرِّ بالمساواة، وبلادُنا صادقت على معظم الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق النساء، ومن أبرزها الاتفاقية المرجعية المتعلقة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة. وقطعنا أشواطاً إيجابية سابقاً، في المجال التشريعي والمؤسساتي، بما في ذلك القوانين الانتخابية التي رفعت، بشكلٍ نسبي، لكن غير كافي، من التمثيلية النسائية في المؤسسات المنتخبة.
لكن بلادَنَا ليس في صالحها هذا الدخولُ في مرحلة الركود، في ظل إصلاحاتٍ طموحةٍ، لكن فقط على الورق دون أن تُنَفَّذ بالشكل الكامل، وفي ظل مقتضياتٍ تتجاوزها التحولاتُ المجتمعية، وأمام مخططاتٍ ومبادراتٍ بَرَّاقَةٍ لكن من دون ميزانياتٍ ووسائل كافية.
لذلك، فَتطويرُ بلادنا يحتاجُ إلى جيلٍ جديد من الإصلاحات، لأجل إقرار المساواة الكاملة والفعلية بين النساء والرجال. طالما أن السياسات العمومية الحالية ذات الصلة تتسم بالتشتت، والتكرار، وضُعف إرادة ووسائل التنفيذ، ومحدودية الأثر، وضعف التَّمَلُّك المجتمعي. وأغلب البرامج تخضع للتبعية في التمويل والدعم. كما أن الحملات التحسيسية تتسم بكونها مناسباتية؛
لذلك، نَعتبرُ أن الطريق السيد رئيس الحكومة، لا يزالُ طويلاً وشاقًّا، من أجل أن تتمكن المرأة المغربية من كافة حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية.
وإذا كان محسوباً لحكومتكم اتخاذُ بعض الإجراءات لفائدة النساء، ونحن نحييكم ونثمن هذه الخطوة، كالرفع الطفيف من نسبة تأنيث المناصب العليا؛ كما جاء على لسانكم والتي بلغت 19 في المآئة، وإصدار بعض النصوص التي تعزز نسبيا الوضع الاعتباري للمرأة ومركزها القانوني؛
فإننا ندعوكم إلى القيام بما هو أكبر، السيد رئيس الحكومة، ليس فقط على مستوى صياغة المخططات والنصوص، ولكن بالأساس، على صعيد التنفيذ، بما يضمن للنساء كاملَ حقوقهن غير القابلة للتجزيء.
السيد رئيس الحكومة؛
إنه من صميم مسؤولية الحكومة النهوضُ بواقع المرأة المغربية، والحد من التمييز ضدها، عبر جعل قضية المساواة أولوية وطنية، بميزانيات وأهداف وخطواتٍ واضحة، لا سيما من خلال:
– ىملاءمة النصوص والممارسات مع المرجعيات الدستورية والكونية؛
– التنفيذ الأمثل لالتزامات بلادنا المتعلقة بالاتفاقيات الدولية، وتفعيل المؤسسات والهيئات ذات الصلة؛ وأساساً هيئــة المناصفــة ومكافحــة كل أشــكال التمييــز؛
– مراجعة الترسانة القانونية بمنطقٍ مساواتي غير متردد، ومنها منظومة القانون الجنائي، ومدونة الشغل، وقانون الوظيفة العمومية، والقوانين الانتخابية. في اتجاه التدقيق المفاهيمي، وإقرار المساواة، وتشديد الجزاءات المتعلقة بالاعتداء والعنف والتمييز ضد النساء؛
– مراجعة عميقة لمدونة الأسرة، عبر إعمال مقاربة اجتهادية متنورة، وفتح النقـاش المجتمعـي الهادئ والرصين حول كافة القضايا المُثيرة للجدل، وإقرار المنع النهائي لتزويج الطفلات، وإقرار الولايـة المتكافئة علـى الأطفال؛
– تطوير القانـون المتعلـق بمحاربـة العنـف ضـد النسـاء،
– إقرارُ المساواة الفعلية في الولوج إلى سوق الشغل،
– إدماج مقاربة النوع في كافة التشريعات والسياسات والبرامج العمومية؛
– إعطاء دفعة أقوى لمحاربة العنف والفقر والهدر المدرسي، بصيغة المؤنث؛
– تعزيـز الحمايـة الاجتماعية للنسـاء النشـيطات؛
– تكثيف مبـادرات تمليـك أراضـي الجمـوع لفائـدة النسـاء القرويـات؛
– تحسـين الولـوج للتمويـل والدعـم العمومـي المخصـص للمقاولات والتعاونيـات النسائية؛
– إحداث فرص اقتصادية للنساء؛ حيث أن المعدل العالمي لنسبة مساهمة النساء في الحياة الاقتصادية هو 48%، لكن في بلادنا لا يتجاوز 21%؛
– إعادة النظر في المقررات الدراسية، بما يُرسِّخ ثقافة المساواة؛
– بلورة برامج دعم خاصة بفئات النساء الأكثر هشاشة: في العالم القروي؛ والعاملات الزراعيات؛ والعاملات المنزليات؛ وعاملات النظافة؛ والفتيات؛ والنساء المهاجرات غير النظاميات؛ والأمهات العازبات، والنساء في وضعية إعاقة؛
السيد رئيس الحكومة؛
إن إقرار المساواة وتمكين النساء من حقوقهن، يتطلب، أساساً، الإرادةَ السياسية القوية، والعملَ المتجذر من أجل تغيير العقليات.
لذلك، ندعوكم إلى ألاَّ تُخْلِفُوا موعدكم مع هذا الورش الإصلاحي الكبير، في أفق مغربٍ تتساوى فيه حقوقُ المرأة والرجل، لبناء أسرة قوية على أسس متوازنة، ومجتمعٍ يضطلع فيه كلٌّ من الرجل والمرأة، يداً في يد، بأدوارهما كاملةً في بناء مغرب الديموقراطية والحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وشكرا