حكومة تُراكم الإخفاقات ، وتوزعها بين السماء والحرب

بقلم : محمد امين أوشن

في خضم أزمة اقتصادية خانقة ، وبينما تثقل الأسعار كاهل المواطن ، تخرج علينا وجوه الحكومة تباعًا، بوجوه باسمة ومبررات مستهلكة ، لا جديد فيها سوى اجترار الأزمات وتدوير الأعذار . حكومة أضحت كمن يستجدي رصيدًا من الثقة لم يبقَ له أثر، وهي تدور في حلقة مفرغة من الفشل المقنَّع، تارة تلبسه ثوب الحرب في أوكرانيا ، وتارة تنسبه إلى شح الأمطار، وكأن لا يد لها فيما بلغته البلاد من اختلالات صارخة .
هذه الحكومة ، التي وُعد بها المغاربة على أنها حكومة كفاءات ونزاهة ، تحوّلت إلى ما يشبه مجلس إدارة لشركات كبرى ، حيث الوزراء جزء من منظومة تدور في فلك رأس المال المهيمن ، بين مساهمين فعليين وآخرين مجرد موظفين سامين ، يحملون حقائب وزارية كواجهة لمصالح اقتصادية راسخة . التعديل الحكومي لم يزد المشهد إلا تأكيدًا لهذه الحقيقة ؛ فالتغييرات التي جرت لم تأتِ بكفاءات مستقلة ولا بأطر تقطع مع المحسوبية ، بل جاءت بوجوه لا تحمل جديدًا سوى أنها قادمة من دوائر النفوذ ذاتها .
ووسط هذا الانسداد ، تعالت أصوات المثلث الحكومي في صراعات خفية على من يتصدر مشهد الانتخابات القادمة ، حيث كل مكون من مكوناتها ينفض يده من الفشل ، يتبرأ من السياسات التي أوصلت المغاربة إلى حافة الانفجار الاجتماعي . فهذا يتنصّل من تبعات القرارات الكبرى و يستنكر موجة الغلاء ، بينما يحاول آخر الظهور بمظهر المراقب الناقد ، ناسياً أو متناسياً تحالفه العضوي الذي قيد يديه وأقلمه داخل منظومة لا مكان فيها إلا لمصالح أقلية تتقن اقتسام الكعكة .
في زحمة هذه الاصطفافات ، عادت للواجهة مرة أخرى قضية استغلال الفقر السياسي عبر جمعيات تُشعل محركاتها كلما اقتربت الاستحقاقات ، تمامًا كما عادت “جمعية جود” لتتحول من أداة للعمل الخيري ، إلى ذراع انتخابي يُخفي وراءه ترتيبات حزبية مشبوهة. وما زاد الطين بلّة، أن بيتًا قيل إنه يعود للناطق الرسمي باسم الحكومة، وجد نفسه محور الجدل، ليكشف ما كان مستترًا عن تداخل السياسي بالاجتماعي ، حيث يُسخّر العوز والاحتياج لبناء ولاءات ظرفية عابرة تحاول تنميق الوجه الحقيقي لسياسات الحكومة الفاشلة متناسية المثل الدارج ” وجه الشارفة ما يخفى واخا تحكو بالحلفة ” .

اللافت في كل هذا ، أن الحكومة تبدو وكأنها تواصل العزف على وتر الإنجازات الكبرى ، محاولةً الهروب إلى الأمام. فبين المونديال القادم ومشاريع البُنى التحتية المعلن عنها ، يُطلب من المواطن المغربي أن يغض الطرف عن ارتفاع أسعار الدجاج واللحم والمحروقات …، عن الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء ، عن شباب يئن تحت وطأة البطالة ، وعن زلزال الحوز الذي لم تندمل جراحه بعد ، حيث لا تزال عائلات تُصارع البرد تحت الخيام في مشهد يُكذّب كل شعارات التنمية التي تتشدق بها حكومة الانتكاسات .
وفي قلب المشهد ، يلمع اسم رئيس الحكومة ، لا باعتباره قائدًا سياسيا ، بل باعتباره رجل أعمال يملك مفاتيح الاقتصاد ، ويتحكم في خيوط عدة قطاعات استراتيجية . أما الوزراء ، فما هم إلا جزء من هذه المنظومة ، موظفون أو تابعون لمصالح من فوقهم ، لا تعنيهم معاناة المواطن البسيط الذي يقف يوميًا في طوابير طويلة بين أسعار مشتعلة وأجور مجمّدة .
لقد بات واضحًا أن الوطن، بالنسبة لهؤلاء، ملكية خاصة تُدار بعقلية السوق لا بروح الدولة ، كما يُكرّسها الواقع، تبدو شعارًا مفصّلًا على مقاس الفقراء ، بينما يتقاسم الأثرياء السلطة والثروة في مشهد سريالي محبط لعموم المواطنين .
إن المغاربة اليوم لا يبحثون عن خُطب جوفاء ولا حوارات دعائية تُبث على منصات مأجورة ، بل ينتظرون من يضع حدًا لهذا العبث المقنّن . ينتظرون حكومة تعترف أولًا بأخطائها و إخفاقاتها ، لا حكومة تختبئ خلف أعذار الحرب والجفاف ، وتوزع الإخفاقات بالتساوي على الظروف الطبيعية والأقدار الدولية ، وهي التي تعرف أن جزءًا كبيرًا من الأزمة صُنع بأيدٍ داخلية ، تتحكم فيها منظومة متشابكة من النفوذ السياسي والاقتصادي .
فهل آن الأوان لأن يُعاد الاعتبار للسياسة بمعناها النبيل ، بعيدًا عن الارتباطات المشبوهة والمصالح الضيقة ؟ أم أن هذا الوطن سيظل حبيس دائرة مغلقة تُدار من فوق ، بينما ينتظر الشعب ، كعادته وعودًا لا تُنفذ ، ومواسم انتخابية لا تغيّر من الواقع شيئًا ؟