سمية منصف حجي: لن نبلغ المساواة الفعلية دون إرادة سياسية حقيقية وسياسات عمومية مندمجة

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من مارس من كل سنة، أجرت جريدة “بيان اليوم” حوارا مع القيادية السياسية سومية منصف حجي، عضوة الديوان السياسي لـحزب التقدم والاشتراكية ورئيسة لجنة المساواة وحقوق النساء.
ويتناول هذا الحوار عددا من القضايا المرتبطة بأوضاع النساء، ولا سيما النساء في وضعية هشاشة وفي المناطق القروية، كما يقف عند تقييم السياسات العمومية الموجهة لتمكين النساء اقتصاديا واجتماعيا.
كما يناقش آفاق تعزيز حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة في ظل القوانين الانتخابية الجديدة، إضافة إلى الجدل الدائر حول إصلاح مدونة الأسرة، ودور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تغيير السرديات المرتبطة بقضايا المساواة وحقوق النساء.
في هذا الحوار تقدم سومية منصف حجي قراءة نقدية لعدد من الاختلالات التي ما تزال تعيق النهوض بأوضاع النساء، مؤكدة أن تحقيق المساواة الفعلية يظل رهينا بإرادة سياسية حقيقية وبسياسات عمومية مندمجة قادرة على تحويل الالتزامات الدستورية والحقوقية إلى واقع ملموس.
السؤال الأول: ما تقييمك لتأثير البرامج الحكومية على واقع النساء الفقيرات والنساء في المناطق القروية؟
> بكل واقعية، ما نعاينه اليوم بخصوص واقع النساء في المغرب، على مستويات مختلفة، وخاصة النساء في وضعية هشاشة والنساء في المناطق القروية، يدعو فعلا إلى القلق ويدق ناقوس الخطر. فشعارات الدولة الاجتماعية التي تتبجح بها الحكومة الحالية سرعان ما تتبخر أمام الأرقام المخجلة والمقلقة في مختلف المجالات. فمن جهة، نسجل تراجع نسبة نشاط النساء على المستوى الوطني إلى ما دون 18%، في حين كان من المفروض أن تصل إلى معدل 30%، كما أعلنت الحكومة في برنامجها الحكومي، وهو ما يكشف زيف خطاب التمكين الاقتصادي.
ما يتم اليوم هو ذر الرماد في العيون عبر دعم مالي مباشر هزيل، مطبوع بمنطق الإحسان الممنوح لا بمنطق المواطنة المنتجة، في ظل غياب تام لالتقائية السياسات العمومية، وللبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية التي تحفظ للفتيات كرامتهن وتقيهن شبح الهدر المدرسي، الذي ما زالت أرقامه مرتفعة في صفوف الفتيات في العالم القروي، حيث تتجاوز 40%. كما أن أكثر من 90% من النساء القرويات النشيطات يشتغلن في القطاع غير المهيكل أو في العمل غير المأجور، بما يعني غياب أي تغطية اجتماعية وصحية، رغم كل الزخم الإعلامي حول تعميم التغطية الاجتماعية، وهي تغطية لا يلمسها الواقع المرير للمرأة في المداشر والقرى. وهذه المرأة نفسها نجدها محاصرة في العمل الزراعي، حيث تستنزف كرامتها التي تهان أيضاً في شاحنات “الموت” التي تقلها إلى الضيعات، وهو ما يشكل وصمة عار في جبين هذه السياسات العمومية.
يضاف إلى ذلك استمرار زواج القاصرات (أو تزويج الطفلات) بشكل كبير في المجال القروي، والحكومة بصمتها عن إصلاح مدونة الأسرة تمنح، بشكل غير مباشر، صك براءة قانونيا لاغتصاب الطفولة تحت غطاء “المصلحة الفضلى”، التي تفسر بعقلية ذكورية متجاوزة.
إن استمرار تهميش المرأة القروية هو استمرار لتعطيل جزء مهم من المجتمع، وهو دليل قاطع على فشل هذا المسار الحكومي في أجرأة مقتضيات دستور 2011، وتحويل الالتزامات الحقوقية للدولة إلى واقع ملموس يحمي هؤلاء النساء من هشاشة مركبة.
السؤال الثاني: هل هناك إعداد جدي لتعزيز مكانة المرأة داخل البرلمان في ظل القوانين الجديدة، وخاصة القانون التنظيمي 53.25؟
> رغم التوافق العام في الظاهر حول ضرورة تعزيز مكانة المرأة، فإن المشاورات السياسية مع وزارة الداخلية أبانت عن تباين في المقترحات بين الأحزاب السياسية. وهذه مسألة طبيعية، لأن المرجعيات مختلفة، كما أن الأولويات تختلف أيضا. نحن، في حزب التقدم والاشتراكية، قدمنا مقترحات عملية من شأنها دعم حضور المرأة في اللوائح المحلية، لأننا واعون بأن اللوائح الجهوية عبر آلية التمييز الإيجابي “الكوطا”، وإن كنا ما زلنا في حاجة إليها لضمان تواجد المرأة في قبة البرلمان، إلا أنها بعد 23 سنة أبانت عن محدوديتها. فقد كان من المفروض أن تكون فترة انتقالية تمنح الفرصة للنساء لتكسير السقف الزجاجي والتعود على العمل التشريعي، وأيضاً لتأقلم المواطنات والمواطنين مع وجود المرأة في هذه الواجهة. لذلك، قدمنا هذه الاقتراحات التي أردنا من خلالها تعزيز ترشيح النساء في الدوائر المحلية. أظن أن الرهان الأهم في هذا القانون هو تخليق العملية الانتخابية. وهي مسألة مهمة بشكل عام، لكنها تهم النساء بشكل خاص، لأن كثيراً منهن يبتعدن عن أي عملية قد يشوبها الفساد بشكل من الأشكال. كما أن النجاح في منع المشبوهين من ولوج البرلمان سيحرر المقاعد لصالح الكفاءات النسائية التي كانت تشعر بالإقصاء أمام سطوة المال الفاسد. إلى جانب ذلك، هناك تحد آخر يتمثل في تعزيز المشاركة النسائية، سواء على مستوى التصويت أو الترشيح. لذلك فإن الحملات التحسيسية، واستثمار الإعلام العمومي والوسائط الرقمية، سيكونان حاسمين في إقناع المرأة المغربية بأن صوتها قادر على إحداث التغيير، وكذلك في تشجيع الناخبين على التصويت للمرأة المرشحة. ومع ذلك، فإن القانون، بكل ما حمله من مستجدات، يبقى دون مستوى طموحات الحركات النسائية في الرفع من التمثيلية النسائية في البرلمان، وهي التمثيلية التي نريدها نوعية وعددية في الآن نفسه. لذلك، فإن العمل التوعوي والتحسيسي هو ما يجب التعويل عليه في المرحلة الحالية للوصول إلى حضور قوي للنساء في المؤسسة التشريعية، وهو هدف لن يتحقق إلا بتغيير العقليات، وهو الدور الذي يجب أن يضطلع به الإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية.
السؤال الثالث: لماذا تخشى الحكومة مناقشة مدونة الأسرة داخل البرلمان وتحاول إخراجها من دائرة النقاش العمومي؟
> نحن أمام حكومة تفتقد إلى الحس السياسي، ويغيب عن أجندتها أي نقاش من شأنه تعزيز أسس الديمقراطية ببلادنا. والمثير للتساؤل أن هذه الحكومة التي تشهر سيف أغلبيتها لتمرير مجموعة من القوانين التي تصب في خدمة مصالح عدد من اللوبيات، وتفعل ذلك بسرعة مذهلة، هي نفسها التي اختارت منطق الصمت المطبق عندما يتعلق الأمر بمدونة الأسرة. إنه صمت حكومي مدو، نؤدي ثمنه كل يوم من حيوات تنتهك وحقوق تهدر. وهذا الصمت يشكل إقرارا بفشل سياسي ذريع، بل يمكن اعتباره فيتو ناعما ضد دستور المملكة والتزامات المغرب الدولية، ورفضا لمسايرة التغيرات التي عرفها المجتمع المغربي.
كيف يمكن لحكومة أن تصمت لأكثر من سنة عن ورش يرهن مستقبل الأسرة المغربية؟ بل إن هذا الورش يشكل الأساس البنيوي الذي تقوم عليه مختلف حقوق النساء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعطيله هو تعطيل لروح المواطنة الكاملة. إنها حكومة تريد “حداثة الواجهة” التي تخدم البورصة والاستثمار، لكنها تخشى “حداثة الجوهر” التي تحرر الأسرة المغربية من رواسب تقليدانية. إنها حكومة لا تستطيع قيادة أي مشروع ديمقراطي حقيقي، لأن الديمقراطية التي لا تنصف النساء داخل بيوتهن لن تنصفهن أبدا في الشارع أو في مقر العمل. وهي حكومة تحاول “تهريب” النقاش لأنها تخشى المواجهة مع القوى التقليدية والمحافظة، وتفضل “السلم الاجتماعي الهش” على حساب الكرامة الإنسانية للنساء.
السؤال الرابع: ما هو دور الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في تغيير السرديات المتعلقة بالمرأة؟
> للإعلام دور مهم في تغيير السرديات المتعلقة بالنساء، وخاصة إعلام القطب العمومي الذي يمول جزء مهم من ميزانيته من جيوب المواطنات والمواطنين. لذلك لا بد أن يخصص هذا الإعلام حيزا مهما من خريطته البرامجية لبرامج حوارية وإخبارية من شأنها تنوير الرأي العام، والنساء بشكل خاص، بحقوقهن. برامج تساهم في نشر التوعية والتحسيس بأهمية النهوض بأوضاع المرأة وحقوقها، لما لذلك من أثر في خدمة الصالح العام وتمكين المرأة من المساهمة الفاعلة في تنمية البلاد. لذلك لم يعد مقبولاً استمرار الإعلام العمومي في تبني لغة الخشب، أو الاكتفاء بالاحتفاء الموسمي بالمرأة كل 8 مارس و10 أكتوبر.
لقد أصبح من الضروري أن يتجه هذا الإعلام، وهو الذي يدخل بيوت جميع المغاربة، نحو تعزيز الصحافة الاستقصائية التي تكشف التفاوتات العميقة داخل المجتمع. وهنا أذكر بالضجة التي أثيرت عقب الندوة الصحفية حول مدونة الأسرة والإعلان عن الخطوط العريضة لإصلاحها، والمغالطات التي رافقت تفسير بعض النقاط، في ظل غياب شبه تام للإعلام العمومي لتصحيح المفاهيم. هذا الغياب ترك الباب مفتوحا أمام مواقع التواصل الاجتماعي، التي وإن كانت تمنح مساحة حرة لإيصال صوت النساء عبر حملات مؤثرة، فإنها تحولت أيضا إلى مرتع للسرديات الذكورية وخطاب الكراهية الذي يسعى إلى شيطنة الحركات الحقوقية النسائية.
لذلك فإن الرهان الحقيقي يكمن في استثمار “ديمقراطية المعلومة” لبناء وعي جماعي يواجه التضليل الممنهج، ويؤمن بأن المساواة ليست مجرد مطلب فئوي، بل ضرورة تنموية. فالمغرب لن يحقق نهضته بنصف طاقته البشرية، وهو ما يفرض على الإعلام المساهمة في تصحيح الصورة النمطية للمرأة والمساهمة في النهوض بأوضاعها.