يعتقدونها حفلة لا نقاشا سياسيا رصينا، هكذا يبدو المشهد الحكومي اليوم وهو يغرق في الاستعراض تلو الآخر، في محاولة بائسة للهروب إلى الأمام بدل المواجهة المسؤولة مع حاضر الأشياء. فكيف لهذه الحكومة، التي كان الأجدر بها أن تحاسب على ما اقترفته في حق الشعب المغربي من خيارات اجتماعية مجحفة، أن تعمد إلى إغراق النقاش الوطني بربطه بشماعة الماضي؟ إنها محاولة مكشوفة لإزاحة الجدل عن مساره الحقيقي وتجنب الأسئلة الحارقة التي تؤرق بال المغاربة وتلامس عمق معاناتهم اليومية.
فبدل هذه الاستعراضات التواصلية الجوفاء، أين هي الإجابات الحقيقية حول لغز التمويلات المبتكرة التي ترهن مستقبل البلاد وتوازناتها المالية في غياب تام للشفافية؟ وأين نحن من إصلاح حقيقي لقطاع الصحة الذي لا يزال يئن تحت وطأة الخصاص والتهالك، أو واقع التعليم الذي يراوح مكانه ضحية لوعود الدولة الاجتماعية التي لم تجد طريقها للتنفيذ؟ وماذا عن نزاهة القضاء التي نعتبرها في أدبياتنا السياسية الركن الأساسي لأي دولة مؤسسات ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها؟
إن ذلك الماضي الذي يحاولون استحضاره اليوم لتبرير عجزهم، مهما بلغت سوداويته في تقديرهم، لن يصل ولو لجزء بسيط لما نعيشه اليوم من ممارسات أدت لتغول الفساد واستبداده بالقرار العمومي. بل إن الأدهى هو ذهاب هذه الحكومة نحو مأسسة هذا الفساد حتى صار في نظرها سلوكا عاديا وطبيعيا، وممارسة لا تستدعي الخجل أو المساءلة. وكل هذا ليس مجرد تحليل سياسي نظري، بل هو واقع مرير يستشعره المواطن العادي الذي يكتوي يوميا بنيران السياسات اللا شعبية التي تخدم فئات ضيقة وتكرس منطق تضارب المصالح على حساب السواد الأعظم من الشعب.
إننا اليوم أمام مشهد سياسي يحاول تجميل القبح وتبرير الفشل بوقائع غابرة، بينما الحقيقة الصارخة تكمن في أن ما وصلنا إليه من ترد في المعيشة وتوحش في استغلال النفوذ لم يسبق له مثيل في تاريخنا الحديث. وهو ما يستوجب، أكثر من أي وقت مضى، مواجهة الحقائق بجرأة وصدق ومسؤولية، لا كما يريدون تسويقها في احتفالياتهم الواهمة التي تغرد خارج سرب الألم الشعبي والواقع الاجتماعي المتأزم.
