رشيد حموني: فشل هذه الحكومة…. يستلزم القطيعة مع سياساتها التي أغنت اللوبيات

 تعقيب

السيد النائب رشيد حموني

رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب

على تقديم رئيس الحكومة للحصيلة الحكومية 2021-2026

 

 

 

 

 

 

الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة حصيلة الحكومة

الثلاثاء 21 أبريل 2026

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء والنائبات والنواب؛

السيد رئيس الحكومة؛

إنَّ تقديمَكُم للحصيلة، ومناقَشَتَنا لها في البرلمان، ليس فقط محطةً دستورية وسياسية…. بل إنها لحظةُ الحقيقة والـــــمُكاشَفَة الصريحة والشفافَة… أمام الشعب، وأمام التاريخ… وأمام الضمير.

ثم إنَّ الحكومةَ مُطَوَّقَةٌ بأمانةِ خِدمة الوطن والمواطِن… ومُلزَمَةٌ بتعاقُدٍ نالَتْ ثِـــقَةَ البرلمان على أساسِه هو البرنامج الحكومي…. والحكومةُ مُجبرَةٌ على الامتثال لواجب الإنجاز الفعلي وتحقيق الأثر الحقيقي… وليس فقط الإطنابُ في الحديث عن خارطاتِ طريق لا تنتهي، وعن اعتمادات مالية مرصودَةٍ بأرقامٍ مُهْوِلَة، في مقابل واقعٍ اجتماعي مُـــــــرٍّ يَعيشهُ جميعُ المواطنات والمواطنين البُسطاء ونقرأه أكثر في أَعْيُـــــــــــــــنِ الشباب الفاقد للثقة، وفي أعين الأمهات والآباء الذين يتعذبُ الملايينُ منهم في سبيل توفير لُقمة العيْشِ الـــــمُتَعَسِّرَة.

ومن طبيعة الحال، ولأننا، في فريق التقدم والاشتراكية ننتمي إلى مدرسةٍ سياسية تتحلَّى بالمسؤولية والموضوعية والاتِّزان، فإننا نقول إن هذه الحكومة كانت تشتغل، ولديها بعضُ الإيجابيات، ولو كانت قليلة (من قبيل: اعتمادات قطاع الماء، اعتمادات الاستثمار العمومي، تحمُّل كُلفة الحوار الاجتماعي، الزيادة في ميزانية بعض القطاعات..)، وهي الإيجابياتُ التي دورُ الأغلبيةِ تسليطُ الضوء عليها، وليس دور المعارضة… وإلاَّ ما المعنى من وُجود معارضةٍ مؤسساتية في تجربةٍ ديمقراطية؟!

لكن انتقاداتِنَا للحكومة، بنَفْسِ القوة والمسؤولية والصراحة… وبنفس الوتيرة.. منذ بداية هذه الولاية وإلى نهايتها، ليست نابعةً من مجرد كَوْنِنَا في موقعِ المعارضة… بل هي معارضةٌ وطنية وبنَّاءة، اقتراحية وتنبيهية… وهي معارضةٌ مسؤولةٌ وجادَّة تستمدُّ تقييماتها من مرجعياتٍ ثلاثٍ أساسية:

أولاً: البرنامج الحكومي، والذي فَشِلَت الحكومةُ في تحقيق التزاماته التي شكَّلَت بُنودَ التعاقُدِ مع المغاربة؛

ثانيا: تقارير ومذكرات ومعطيات المؤسسات الوطنية المستقلة للحكامة… وهي مُحايدة ولا تَهُمُّها ألوانُ الحكومات… حيث نستنتج من معظمها، بالأرقام والدلائل، أنَّ هذه الحكومة أخفقت اقتصاديا واجتماعيا وديموقراطيا؛

ثالثاً: الواقعُ الذي لا يَكذب ولا يرتفع، ولا يعترف إلاَّ بالحقيقة الاجتماعية، حيث، في عهد هذه الحكومة: القدرةُ الشرائية تَـــقَهْقَرَت، والبطالةُ تفاقَمَتْ، والأسعارُ اشتعلتْ، وأرقامُ الفسادِ انتعشَتْ، والمقاولاتُ تَعَسَّرَتْ وأفلَسَتْ، والخدماتُ العمومية في وُجُودِها تَهَدَّدَت، ولُوبياتُ المالِ تَغَوَّلَتْ، وسيادَتُنا الاقتصاديةُ تَضَرَّرَتْ، والممارسةُ الديمقراطيةُ تآكَلَت حتى لا أَقُولَ تَعَطَّلَت، ومؤشراتُ الحكامة تَدَهْوَرَت….

ومن جهة أخرى، السيد رئيس الحكومة، نُسجل أنَّ عرضَكُم للحصيلة، هذه المرة، تَمَيَّزَ إيجاباً بِنَبْرَةِ التواضُع وعدم الاستعلاء أو ادِّعاء الاكتِمال…. على عكس ما جَرَى عند تقديمكم للحصيلة المرحلية قبل سنتيْن… وذلك الخطابُ المستفِزّ هو الذي نَبَّهْناكم إلى خطورته من حيثُ إسهامُهُ في تأزيمِ وضعياتِ الاحتقان الاجتماعي؛

حيثُ في عَــــهْدِ هذه الحكومة تكادُ تَكُونُ كلُّ الفئاتِ قد خرجت للاحتجاج… من أسرة التربية الوطنية، إلى جيلZ، وطلبة الطب والصيدلة، والممرضين، والمحامين، والصيادلة، والعُدُول، وأساتذة التعليم العالي، والتجار الصغار، وساكنة بوكماز وفكيك وغيرهما، والأُجراء، والنقابات، والتنسيقيات، والمتضررين من عمليات الهدم… إلى شباب الهجرة الجماعية العلنية….).

كما أننا، منهجيا، سجلنا على عرض الحصيلة أمريْن أساسيين:

الأمر الأول: هو الخلطُ السياسي الفظيع وغير المقبول، بين مساراتٍ ومُكتسباتٍ وطنية متراكمة ونتائجِ إصلاحاتٍ هيكلية باشَرَتها بلادُنا منذ عُقود، وخاصةً خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، وبمساهمة كل القوى الوطنية، من جهة….. وما بين حصيلة الحكومة الحالية بناءً على ما أنجزته وما لم تُنجزه في ولايتها المنتهية قريباً…. فليس هذه الحكومة من جاءت بمَكْسَب تنظيم كأس العالم؛ ولا هي من أكسَبَت المغربَ مكانةً عالمية أو قارية؛ ولا هي من أطلقت أوراشاً وإصلاحاتٍ مؤسساتية عميقة في البنيات المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، ولا هي من أسَّسَتْ لصمود التوازنات الماكرو اقتصادية…. فالأمر أكبرُ من قُدُراتِ هذه الحكومة بكثير؛

بل الأدهى أننا، اليوم، أمام “سَطْوٍ فكري وسياسي” على شعاراتٍ نبيلة وإصلاحاتٍ قوية… وأمام سعيٍ من هذه الحكومة نحو تحريف تَوَجُّهاتٍ كبرى لخدمة لوبياتٍ وفئاتٍ مصلحيةٍ وطبقيةٍ ضيقة، بشكلٍ مُقَنَّع، على حساب عُموم المواطنات والمواطنين…. كما هو الشأن بالنسبة لشعار “الدولة الاجتماعية”، أو بالنسبة لإصلاح منظومة الصحة، أو أوراش البنيات التحتية الكبرى… وهي كلها أوراشٌ لا يختلف عنها اثنان من حيث كونُها توجُّهات.

أما الأمر الثاني، فهو أن عرضَ الحصيلة الحكومية لم يَتخذ سنةً مرجعيةً واحدة، فَمَرَّةً يبدأُ الحسابُ من 2016، ومرة من 2019، ومرة من 2021، ومرة من 2022…. وفي ذلك محاولةٌ مكشوفةٌ وغيرُ نزيهة للتعسُّفِ على الأرقام، وللتلاعُبِ بالمعدلات والنِّسَب، بِغَرَضِ تقديمِ صورةٍ إيجابية عن منجزاتٍ في الأوراق والكلام والتصريحات، ولكنها غير حقيقية، ولا وُجُود لأثرِها في الميدان…كما لو أننا نمارسُ “الماركوتينغ التجاري” وليس السياسة بمعناها النبيل.

 السيدات والسادة الأفاضل؛

لقد وقفَ هنا السيد رئيس الحكومة قَبْلَ أسبوع، واستعرضَ الحصيلةَ الحكومية كما تَراهَا الحكومة…. واليوم، نقف هنا لِنَقول للرأي العام تقييمَنَا، دون مزايدة، ولا جِدالٍ عقيم، ولا تبخيس، ودون أكاذيب؛

ولذلك، ومن باب الموضوعية التي تُمَيِّزُ حزبَ التقدم والاشتراكية، سأبدأُ التقييم بظروف التخفيف…. حيثُ ليس من السهل فعلاً أنْ تُدَبِّرَ أيُّ حكومةٍ الشأنَ العام في ظل توالي التقلبات الدولية الحادة، وزلزال الحوز، وفيضانات الشمال والجنوب الشرقي… وفي ظل سنواتٍ عِجاف من الجفاف….

في الوقت نفسه، لا يؤدِّي دَافِعُو الضرائب أُجُــــورَ الوزراء من أجل أنْ يُـــــــبَــــــرِّرُوا الواقع بالأزمات الاستثنائية…. بل من أجل أن يَجِدوا الحُلُول؛

وعلى سبيل المثال، حاليا، عِوَض انتظار الانفراج بفتح معبر هُرْمُزْ، كان يُمكن للحكومة أن تُعزِّزَ مُسبقاً قُدُراتِنا التكريرية والتخزينية من المواد الطاقية بإعادة تشغيل لاسامير.. كما كان بإمكانها التخلي ولو مؤقتًا عن تحصيل TVA et la TIC بالنسبة للغازوال والبنزين. وكان بإمكانها التسقيف المؤقت، بمرسوم، لأسعار المحروقات أو لأرباحها.. وكان بإمكانها الوقوف بحزمٍ في وجه التفاهمات والتواطؤات في سوق المحروقات والتي أقرَّها رسميًّا مجلسُ المنافسة…. وكل ذلك من أجل تخفيف ضغط الغلاء الفاحش للمعيشة على المواطِن المقهور.. لكن لا حَيَاةَ للحكومة التي نُنادي.

السيد رئيس الحكومة؛

في مسألة التشغيل، ذَكَرتُم أنَّ الحكومة على مشارف تحقيق مليون منصب شغل، والذي نُذَكِّرُكُم بأنكم التزمتم به صافياًّ وليس خاماًّ…. إنَّما الحقيقةُ الرسمية من التقارير السنوية لل HCP هي كما يلي: -24 ألف منصب شغل في 2022؛ و-157 ألف في 2023؛ و+82 ألف في 2024؛ و+193 ألف في 2025…. بمعنى أننا أمام نتيجة إجمالية رسمية قَدرُها +94 ألف منصب شغل في أربع سنوات، بمعدل 23500 منصب شغل في السنة، بمعنى أنَّ الحكومة بعيدة تماماً عن الوفاء بالتزامها…. وحتى إذا احتسبنا فقط مناصب الشغل المحدَثَة بشكلٍ خام فإننا لن نجد أبداً رقم 850 ألف، بل أقل منه بكثير.

والحقيقة السَّاطعةُ الأولى، اليوم، هي أنَّ حجم البطالة، رسميًّا، هو مليون و621 ألف شخص، ونِسبَتُــــهَا وطنيًّا هي 13%، و37% لدى الشباب، و20% لدى حاملي الشهادات، و21% لدى النساء، و11% هو معدل الشغل الناقص، و33% من مناصب الشغل غير الفلاحي موجودة في القطاع غير المهيكل… أما برنامجا فرصة وأوراش، فقد صَرَفَت الحكومةُ عليهما 5.5 مليار درهم، ولم يَفشَلا فقط، بل سَبَّبَا أيضاً في مآسي إنسانية وكوارث اجتماعية لعددٍ من الشباب المعني.

أما الحقيقة الساطعة الثانية، فهي أنَّ الفشل في سياسة التشغيل هو فشلٌ في السياسة الاقتصادية للحكومة… لأن متوسط معدلات النمو ما بين 2022 و2025 لا تتجاوز حواليْ 3.5%، بعيداً تماماً عن المعدل الذي أوصى به النموذج التنموي الجديد، أيْ 6%… وأمَّا التحسُّن مؤخراً فَيَعُود إلى المطر والحمد لله، وليس إلى مجهودٍ خارقٍ للحكومة…. ولأنَّ مساهمة الصناعة في التشغيل ضعيفة، بدليل عدم قدرتها على تعويض ما يَفقدُهُ القطاعُ الفلاحي من مناصب شُغل، كما أنَّ مساهمةَ الصناعة في ال PIB لا تزالُ ضعيففة ولا تتجاوزُ 15%، وكان الوضع سيكون أسوأ لَوْلا النتائج الإيجابية لصناعة السيارات والطيران، والتي بقَـــدْرِ ما نُثَمِّنها، بِقَدْرِ ما ندعو إلى الاهتمام بنقل التكنولوجيا وتحسين نسبة الإدماج المحلي.

وعندما نقول، في التقدم والاشتراكية، إن الحكومة فَشِـــــلَت في الواجهة الاقتصادية، فليس ذلك مزايَدة، بل هو تقييمٌ موضوعي نتأسف له، ولكننا نَحمِلُ بديلاً له: وبديلُنا هو التبني الحقيقي لخيار السيادة الاقتصادية، عوض الاعتماد على سياسة التصدير والاستيراد التي لا يستفيد منها سوى “أصْحَاب الهْـــــمُــــوزْ والفراقشية وتُجار الأزمات” في عدة مجالات (اللحوم، الحبوب، الزيوت، المحروقات، الأدوية، الأبقار والأغنام، ….. )؛

وحتى لا يكون كلامُنا مجرد أحكام قيمَة، أُدْلِـــــي، هنا، بأرقام من وثائق الحكومةِ نفسِها لقانون مالية 2026… مع استخلاص الخلاصات السياسية الضرورية منها:

في الميزان التجاري: وَجَدَتْ هذه الحكومة عجزاً تجاريا بنحو -200 مليار درهم، وفي 2025 أصبح العجز التجاري يبلغ أزيد من -334 مليار درهم… فهل نستورد فعلاً فقط ما نحتاج إليه!؟ وهل نجحت فعلاً الحكومة في النهوض بِالمنتوج المحلي “صُنِع بالمغرب”!؟

وفي الموضوع الطاقي، طبعاً نثمن التوجُّهَ نحو الطاقات النظيفة، ونُلِحُّ على إقرار العدالة المناخية…. وفي الوقت نفسه، نُؤكد على أن فاتورة وارداتنا الطاقية في 4 سنوات الأخيرة باهظة جدًّا وتُناهز 500 مليار درهم، بمتوسط سنوي يناهز 125 مليار درهم…. وهذه الفاتورة يؤديها المواطن والمقاولة، لا سيما عندما نلاحظ كيف ترتفع الأسعار عندنا بسرعة البرق مع كل أزمة دولية… وبالمقابل لا تنخفض بنفس الدرجة والوتيرة في حال تحسن الأسواق الدولية.

وفي السيادة الغذائية، الجميع يعلم أنَّ السياسة الفلاحية للحكومة استنزفت عشرات الملايير من الدراهم، من الدعم المباشر، ومن الإعفاءات، والامتيازات…. لكن النتيجة هي أننا أصبحنا، في مقابل تصدير الفريز ولافوكا والدلاح، نستوردُ اللحوم والمواشي والبصل والزيت والزيتون والحبوب والقطاني والعسل … وفي مقابل معاناة الفلاح الصغير مع غلاء الأعلاف ومع القروض، واستنزاف الفرشاة المائية؛

والأخطر هو أننا نَخسِرُ أيضاً ماليًّا، حيثُ متوسط وارداتنا الغذائية في الأربع سنوات الأخيرة هو 90 مليار درهم، أما متوسط صادراتنا منها فهو 79 مليار درهم (أي عجز مالي سنوي -11 مليار درهم)؛

والخلاصة هنا هي أن التاريخ سَيُسَجُِّل لهذه الحكومة أنه في عهدها بَلَغَتْ أسعارُ الخُضر والفواكه واللُّحُوم والأسماك وكُلُّ المواد الغذائية أرقاماً خيالية…. وفي عهدها استفاد الفراقشية من ملايير الدعم من المال العام، دون أثرٍ إيجابيٍّ على أسعار اللحوم والمواشي التي تمَّ التلاعُبُ بإحصائها…. ودون أن تَقبَلَ بلجنةٍ لتقصي الحقيقة… ولا شيء غير الحقيقة…. رغم اعتراف وزراء أمام ملايين المغاربة بأن دعم المواشي كانت فيه “إنَّ!”.

ودائما، في المسألة الاقتصادية، وارتباطاً بالاستثمار، فمن المؤكد أنَّ الحكومة نجحت في إخراج ميثاق الاستثمار بأنظمة الدعم المتعددة، كما نجحت في التصريح بمصادقة اللجنة الوطنية للاستثمارات على مشاريع ضخمة… لكن الأمور بَقِيَتْ في حدود الإعلانات، حيثُ لا أثر فِعلي على التشغيل، ولا أثر حقيقي على العدالة المجالية… والدليل على هزالة النتيجة الاستثمارية لهذه الحكومة هو أن المقاولات الصغرى التي تشكل حواليْ 95% من نسيجنا الإنتاجي لم تستكمل الحكومةُ إقرار نظامِ دعمِ مشاريعِهَا سوى في نهاية 2025، بعد أن كان مفروضاً إخراجه في 2023… وها نحن أمام رقم جد هزيل عمليا في عرض الحصيلة: الموافقةُ على دعم 33 مشروع لخلق 940 منصب شغل !!! فهل هكذا تجسد الحكومة التعاقد الوطني للاستثمار لتجعل من الاستثمار الخصوصي يمثل ثُلُثيْ الاستثمار الوطني؟!

ومن جهة متصلة، أكتفي، هنا، بالقول، إنَّ الاستثمار العمومي، الذي نثمنُ الرَّفْعَ من اعتماداته، يَحتاج إلى حكامةٍ ديمقراطية للمحفظة العمومية التي لا يزال إصلاحُها بطيئاً ومتعثراً، وإلى توزيعٍ تُرابي أكثر عدلاً وإنصافاً، حتى يُحقق الأثر المنشود، في تكاملٍ بين مشاريع البنيات التحتية الكبرى وبين برامج التنمية الترابية المندمجة التي أطلقها جلالة الملك، والتي يتعين على هذه الحكومة، وعلى الحكومة التي ستأتي، أن تنفذها بنجاعةٍ وفي احترامٍ لمستلزمات الديمقراطية الترابية واللامركزية وللمنتخبين ولمبدأ التدبير الحر بالجماعات الترابية.

وبالنسبة للاستثمارات الأجنبية، فرغم انتعاشها نسبيا في 2025 إلاَّ أن 56 مليار درهم لا تَعكسُ نهائيا حجم الفرص التي تزخر بها بلادنا.

ومن جانبٍ آخر، نعم، لقد ارتفعت الموارد العامة، كما ارتفعت الموارد الضريبية…. لكن على الحكومة الإقرارُ بأن ذلك يعود إلى شروطٍ موضوعية بعيدة عن اختيارات الحكومة: فتحسُّن الطقس ليس إنجازاً حكوميا، والارتفاع القياسي لمداخيل مغاربة العالم ليس إنجازاً حكوميا، وارتفاع عدد السياح ومداخيل السياحة ليس إنجازاً حكوميا صِرفاً؛

وبنفس المنطق الموضوعي، فإن ارتفاع المداخيل الضريبية يعود في جزءٍ منه إلى الإدارة الضريبية… لكن جزءً منه يعود إلى التضخم الذي يؤديه المواطن من جيبِه في شكل ضرائب غير مباشرة غالباً…. أما الإصلاح الضريبي فلا يزالُ غَيْرَ مُكتمل طالما لم يتم تقييمُ الإعفاءاتِ الجبائية التي تَلْتَهِمُ سنويًّا حواليْ 30 مليار درهم دون تقييم؛ وطالما أنَّ 2 مليون وحدة إنتاجية لا تزالُ غير مهيكَلَة وخارج الوعاء الجبائي، وطالما أن شركاتٍ وقطاعاتٍ كبرى في وضعية شبه احتكار كالمحروقات ما تزالُ لا تؤدي 40% كضريبة على الشركات.

وحتى الحديثُ عن صُمُودِ ماليتنا العمومية، في عهد هذه الحكومة، يتعين الحديثُ بِنسبية وحذر وتحفُّظ، طالما أن مُجمل الديون العمومية، بما فيها ديون المؤسسات والمقاولات العمومية، تُناهز 80% من ال PIB، في تهديدٍ صريح لأجيال المستقبل… فمثلاً في 2026 وحدها، بَرمَجَت الحكومة اقتراضَ 123 مليار درهم، علماً أننا سنؤدِّي إجمالاً في نفس هذه السنة 108 مليار درهم؛

أما عجز الميزانية، فإنه من الغريب أن تَحتفي الحكومةُ بِخَفضِهِ إلى 3.5%، لأن الأمر لا يتجاوزُ كَونَهُ خفضٌ محاسباتي هشٌّ ومؤقت، لأنه يعتمد على مداخيل التمويلات المبتكرة التي فاقت 100 مليار درهم، وتقوم على أساس بيعِ منشآت عامة ثُمَّ العودة إلى اكترائها، بما يُـــــهَدِّدُ فِعلاً وفي العُمق مَصيرَ المرفق العمومي الوطني.

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

عودةً للمسألة الاجتماعية، سيتذَكَّرُ التاريخُ أن هذه الحكومة نجحتْ في اسْــــتِعَــــارَةِ شعار الدولة الاجتماعية، لكن أَفْرَغَتْهُ من معناه، لفائدة منطق الربح على حساب الإنسان؛

ذلك أنَّ الحماية الاجتماعية لا تستقيمُ مع تركِ المواطِن يواجه وحيداً السماسرة والمضاربين والمحتكرين وتجار الأزمات… دون إجراءاتٍ ملموسةٍ وقوية الأثر أمام الغلاء في كل الأسعار…إلى درجة أن حواليْ 80% من الأسر المغربية تراجعت قدرتُهَا الشرائية، وأنَّ حواليْ 2% فقط من الأسر تستطيعُ الادخار (وكل شي رجع عايش بالقُروض) … والغريب أن الحكومة تقول إنها تتحكم في التضخم… وكأنَّ 37 مليون مغربي يكذبون عليها عندما يشتكون من الغلاء الفاحش!!

نعم، هناك مجهودٌ مالي لا ننكره، بل نثمنه خاصةً بالنسبة للزيادة في أجور الموظفين، لكن دون أن يرقى ذلك إلى مستوى تعويض فوارقِ الغلاء… وأيضاً بالنسبة لدعم بعض المواد الأساسية كغاز البوتان، من خلال صندوق المقاصة، وهو إجراءٌ، على كل حال، قامت به كل الحكومات السابقة بلا استثناء.

وبالمناسبة، لقد التزمت الحكومةُ بدعم الطبقة المتوسطة، لكننا اليوم، رسميا، أمام 2.5 مليون من الفقراء، و3.5 مليون في وضعية هشاشة، وثلاثة أرباعهم في العالم القروي الذي غادره نحو 2 مليون شخص… كما أن 60% من الثروة الوطنية لا تزالُ تُنتَجُ في 3 جهات فقط…. إنها ليست أرقامُ التقدم والاشتراكية، وليست أرقام المعارضة… إنها أرقامُ مؤسساتٍ وطنية رسمية…. تدلُّ على تعمُّقِ الفقر، وتعمق التفاوتات الاجتماعية والمجالية… على عكس ما تدَّعِيه هذه الحكومة التي تعشقُ الإعلان عن الأرقام الجذابة، كما فعلت حين أعلنت أنها ستُنفق 24 مليار درهم سنويا لإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، لكنها لم تُعبِّئ سوى حواليْ ثلث هذا المبلغ سنويا… وكما جاء في حصيلة الحكومة من أنَّ 96 ألف أسرة استفادت من دعم السكن، لكن دون أن تعترف بأن حواليْ ثلاثة أرباع المستفيدين يتمركزون فقط في 3 جهات فقط، وأن أغلب الدعم يذهبُ نحو “النّْوَارْ”.

وبالمناسبة، نُذكِّرُ هذه الحكومة بأنها التزمتْ في برنامجها بتقليص الفوارق المجالية من46.4% إلى 39% حسب مؤشر جيني. وبغضِّ النظر عن “عبثية وعشوائية” هذا الالتزام من حيث الرقم الـــمُعطى، فإنَّ خير دليل على فشل الحكومة في هذا الباب هو أن جلالة الملك نَبَّهَ إلى ضرورة القطع مع “مغرب السرعتيْن”، ووَجَّهَ المؤسساتِ المعنية إلى بلورة جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

في هذا السياق، أيضاً، نعتقد أنه لا خيرَ يُــــرْجَـــــى من حكومةٍ لا تَجِدُ أفضلَ ما تَفرَحُ به وتُرَوِّجُ له، كإنجاز استثنائي، سوى أنها تقدم إعانةً مباشرةً ل 4 ملايين أسرة… وتتغاضى على حقيقةٍ صادمة وضمنية هي أنَّ هذا الرقم الهائل هو دليلٌ على الفشل الحكومي في محاربة الفقر الــــمُدقِع، وليس دليلاً على الإنجازات، لا سيما وأن الحكومة لا تُعطينا أيَّ تصور عن كيفية إدماج هؤلاء الملايين من المغاربة في عجلة النشاط الاقتصادي والاجتماعي… كما أنها لم تعمل سوى على تجميع برامج اجتماعية سابقة دون أيِّ إبداعٍ في التمويل المستدام، مما يفسر اعتمادَها على العتبة الإقصائية (المؤشر).

أما تعميمُ الحماية الاجتماعية، فأعتقد أنه يتعين على الحكومة أنْ تستيقظ من العيْش في الوَهْمِ الذي صَنَعَتهُ وصدَّقَتْـــــــهُ بنفسِها…. لأنَّ القانون الإطار يتحدث عن توسيع وعاء التقاعُد إلى 5 ملايين شخص، وعن تعميم التعويض عن فُقدان الشغل، في 2025…. لكن حصيلة الحكومة منعدمة بهذا الشأن….  ولأنَّ تعميم التغطية الصحية كان يجب أن يتحقق في 2022 لكن لحد الآن لا يزالُ ملايين المغاربة خارج الاستفادة الفعلية من هذه التغطية، بشهادة مؤسساتٍ وطنية دستورية… ناهيكُم عن معضلة الاستدامة المالية الهَشَّة لأنظمة التأمين الإجباري عن المرض.

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

مرةً أُخرى، نؤكد على أن الدولة الاجتماعية ليست مجرد زيادة في الاعتمادات المالية، والتي نثمِّنُها بالنسبة للصحة، كما نثمن مسار الإصلاح التشريعي للقطاع… لكن العبرة بالأثر والتفعيل والنتائج التي يجب أن نكون فيها صُرحاء مع المواطنين… حيث لا تزالُ مطروحةً إشكالاتُ العدالةِ المجالية للخريطة الصحية؛ وضُعف الموارد البشرية والتجهيزات الطبية…. فتأهيلُ 1400 مركز صحي يجب ألاَّ يعني فقط الجُدرانَ والصباغة والكراسي.. بل يتعين أن يتحقق منه الولوجُ الفِعليُّ والمتكافئ للخدمة الصحية الجيدة بالنسبة للجميع..

لكن يبدو أن هذه الحكومة لها اختيارٌ غير معلن بِجَعْلِ القطاعِ الصحي الخاص هو القاطرة، عوض أن يكون المستشفى العمومي هو الأصل…. بدليل زيادة 65 مصحة خاصة، في 3 سنوات فقط… وبدليل أن حواليْ 90% من نفقات صناديق التغطية الصحية تذهب إلى القطاع الخاص حيثُ تسود في عددٍ من المصحات ممارساتٌ غير قانونية ولا علاقة لها بأخلاقيات مهنة الطب (النّْوار، الشيك، النَّفخ في الفواتير، كلفة عملية طبية في القطاع الخاص تُساوي 5 مرات مَثِيلتَـــــها في القطاع العام، والــــمُؤمَّنون يُؤدون عملياًّ حواليْ 60 من كلفة العلاج فعليا….). وتنضافُ إلى ذلك لوبياتُ سوق الأدوية التي أضعفتْ استخدامَ الأدوية الجنيسة، واستنزفتْ صناديقَ التغطية، وقَهَرَت المواطِن بالغلاء…. دون تحرُّكٍ يُذْكَر من هذه الحكومة.

أما في التعليم، فإن المدرسة العمومية لا تخرجُ عن هذا السياق، إذْ بعد التزام الحكومة بتصنيف بلادنا ضمن أفضل 60 بلداً من حيث الجودة، ها نحن في ظل “مدارس الريادة”، التي تُـــعمِّقُ التفاوتات التعليمية، نَخجَلُ من ذِكْر تصنيفات بلادنا في تعلُّمات القراءة واللغات والحساب…. وها هو الهدر المدرسي لا يزالُ ينتزعُ منا حواليْ 300 ألف تلميذ سنويا، لينضافوا إلى ملايين LES NEET… وتأتي الحكومة في الأخير لِتَقُولَ لنا إنها نجحتْ في إصلاح التعليم… فَأيُّ نجاحٍ هذا الذي يجعلنا في مؤخرة القافلة للأسف الشديد!؟ اللَّهُّمَّ إذا كانت الحكومة تعني نجاحَها في رفعِ عدد مؤسسات التعليم الخصوصي بنحو 1100 مؤسسة في أربع سنوات…

وذلك بالإضافة إلى معاناة التعليم العالي، مع هذه الحكومة، من التخبط والتراجع عن الأنوية الجامعية، ومن مخاطر التراجُعات عن استقلالية الجامعة ومجانيتها، بدليل الاحتقان المتواصل اليوم في أوساط أساتذة التعليم العالي.

السيدات والسادة الأفاضل؛

قبل الخَتْم، لا بد ونحن بصدد تقييم عمل الحكومة أنْ نتناول، ولو باختصار، ما أرادتْ أنْ تتغاضى عنه، وهو موضوع الحكامة، في علاقةٍ بمناخ الأعمال وبمنظومة الدعم العمومي.. وسنكتفي هنا بالتأكيد على أننا، في ظل هذه الحكومة، تراجَعَ تصنيفُ بلادنا في إدراك الفساد من المرتبة 73 في 2018 إلى المرتبة 99 في 2024، علماً أن الفساد يكلف تقديريا حواليْ 50 مليار درهم سنويا تتحملها غالباً الفئاتُ الضعيفة… كما أن حواليْ 60% من المقاولات لا تعرف بوجود استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد…. وذلك دون التفصيل من جديد في حالات تضارُب المصالح بهذه الحكومة.

ومن جهةٍ متصلة، فقد كانت الديمقراطية هي آخر هواجسُ هذه الحكومة التي تَفَنَّنَت، بكل الطرق، في تحقير وتحجيمِ وإعاقةِ أدوار البرلمان تشريعيا ورقابيا؛ وعموماً في عدم الامتثال للدستور؛ وفي التهجُّم على تقارير المؤسسات الوطنية للحكامة، وفي محاولة مُصادرة حرية الرأي والتعبير والصحافة من خلال قانونٍ أسقطته المحكمة الدستورية…. وفي تقزيم دور الجمعيات…

كما أنَّ المنجز في النهوض باللامركزية متواضعٌ جدًّا، شأنُهُ في ذلك شأنُ تفعيلِ الطابع الرسمي للأمازيغية الذي جعلته هذه الحكومة مجرد شعار مفرَغ من المحتوى….

وشأنه في ذلك شأن المساواة، حيثُ ففشلت الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالتمكين الاقتصادي للنساء وفي الرفع من تمثيليتها، وحيث لا يزال الانتظار هو سيد الموقف لتقديم الحكومةِ مشروع مدونة الأسرة؛

أما من حيث المقاربة والخطاب، فإن هذه الحكومة سيتذكر عليها التاريخ الضعف السياسي والتواصلي العميق… وسيجل عليها الاستعلاء، والاستفزاز، وعدم القدرة على استباق الاحتقانات الكثيرة… وسيتذكر لها التاريخ أنها مررت قوانين هامة بشكلٍ متعسف، اعتماداً فقط على الأغلبية العددية، دون إشراك ولا تشاور ولا توافقات…. وسيسجل عليها التاريخ أنها حطمت الأرقام القياسية في متابعة صحفيين ومُدوِّنين.

ولذلك، فإن هذه الحكومة عَمَّقَت أزمةَ الثقة، بفشلها، وبخطابها، وبسلوكها؛

وبناءً عليه، اليوم، ونحن نتهيَّأُ لانتخاباتٍ 23 شتنبر المقبل، لا بد من خلق أجواء الانفراج السياسي والحقوقي، عبر مبادراتٍ تكون لها رمزيةٌ قوية من حيث أبعادُ الحريات وحقوق الإنسان….

ولا بد من خطاب الصدق وربط القول بالفعل….. حتى نعطي للشباب النموذج والقدوة في العمل السياسي والمؤسساتي النبيل…

ولا بد من تغيير الاتجاه، وتحقيق القطيعة مع الحكومة الحالية في هذه السنة 2026، بأفق بلورة وتنفيذ سياسات عمومية جديدة وناجعة، تَضْمَنُ فتح الآفاق أمام المغاربة.

وشكراً.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?
Reload Reload document
| Open Open in new tab