الشباب ليس فقط مستقبل المغرب، بل هو حاضره الأكثر حيوية، ورأسماله الأثمن، وأحد أهم روافع تنميته الاستراتيجية. ومع كون ما يقارب 30 في المائة من سكان المملكة تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، يتوفر المغرب على رصيد ديموغرافي كبير. غير أن العائد الديموغرافي لا يتحول تلقائيا إلى عائد اقتصادي واجتماعي. فهو يفترض تمكين الشباب من الولوج إلى تعليم جيد، واكتساب المهارات اللازمة، والعثور على عمل لائق، والمبادرة والمقاولة، والاستفادة من الثقافة، والمشاركة الكاملة في حياة المجتمع.
وهنا تكمن المفارقة المغربية اليوم. فالمغرب يتوفر على شباب كثير العدد، متصل بالعالم الرقمي، منفتح على العالم ومتطلع إلى التغيير، غير أن جزءا مهما من هذا الشباب لا يزال يواجه عراقيل تحول دون تحويل تطلعاته إلى مشاريع. وتتجاوز نسبة البطالة 35 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما يصنف أكثر من 1,5 مليون شاب ضمن فئة «NEET»، أي الذين لا يوجدون في حالة تشغيل، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من التكوين. وتضاف إلى ذلك صعوبات الولوج إلى بعض الأنشطة الثقافية والرياضية، فضلا عن مشاركة سياسية لا تزال دون مستوى تطلعات مجتمع يسعى إلى ترسيخ ديمقراطيته.
غير أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تقود إلى نظرة تشاؤمية تجاه الشباب. بل ينبغي أن تدفعنا إلى التساؤل حول قدرتنا الجماعية على تحرير طاقاته وإمكاناته.
شباب يطلب مكانه
لا يمكن اختزال قضية الشباب في مسألة التشغيل، رغم أن هذا الأخير يشكل أحد أبعادها المركزية. فبالنسبة إلى الشاب، يمثل الولوج إلى الحياة المهنية غالبا الخطوة الأولى نحو الاستقلالية، والثقة بالنفس، والقدرة على بناء مشروع حياة. وعلى العكس من ذلك، يمكن أن يؤدي غياب العمل لفترة طويلة إلى خلق شعور بالتهميش والإحباط وانعدام الجدوى، في الوقت الذي يتوفر فيه الشباب على رأسمال بشري وطاقة يمكن أن تسهما في خلق الثروة.
وترتبط المشكلة أيضا بضعف التنسيق بين التعليم والتكوين وحاجيات الاقتصاد. وقد مكنت البرامج والآليات التي تم وضعها خلال السنوات الأخيرة من تحقيق بعض التقدم، غير أن نتائجها لا تزال دون مستوى الانتظارات. كما أن تعدد التدخلات، وضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين، وغياب آليات فعالة بما يكفي لفائدة الولوج الأول إلى سوق الشغل، كلها عوامل تحد من أثر هذه الجهود.
ولذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تكثير البرامج الموجهة إلى الشباب، وإنما ببناء مسار متكامل يتيح الانتقال من التعليم إلى اكتساب المهارات، ومن المهارات إلى العمل أو المبادرة الاقتصادية، ثم من العمل إلى الاستقلالية.
وهذه الاستقلالية لا تختزل في الدخل وحده. فهي تفترض أيضا الولوج إلى الثقافة والرياضة والصحة والترفيه، وإلى فضاءات تمكن الشباب من تنمية مواهبهم، وبناء علاقاتهم الاجتماعية والتعبير عن إبداعهم. فالشباب في حاجة إلى آفاق مهنية، لكنه في حاجة أيضا إلى فرص للعيش المتوازن وتحقيق الذات.
والأهم من ذلك، علينا أن نعترف بحقيقة أساسية: الشباب المغربي اليوم ليس هو شباب الأجيال السابقة. فهو يعيش في بيئة رقمية، ويقارن حياته اليومية بما يجري في مختلف أنحاء العالم، ويتوفر على أشكال جديدة للتعبير، ويطور طرائق جديدة للمشاركة والانخراط. ولذلك سيكون من العبث محاولة إدخاله في أطر صممت لأجيال سابقة.
إنه يطلب أن يتم الاعتراف به كما هو، بتطلعاته وانتظاراته، وأحيانا بنفاد صبره. فهو لا يطلب أن يوضع تحت الوصاية، بل يطلب أن يعامل باعتباره مكونا كاملا من مكونات المجتمع.
الثقة شرط للتعبئة
وهنا تصبح مسألة الثقة مركزية. فالمعطيات الحديثة تقدم، في هذا الصدد، مؤشرات تستحق الاهتمام. فقد أظهر استطلاع أنجزته «أفروباروميتر» سنة 2024 لدى الفئة العمرية من 18 إلى 35 سنة أن نحو ثلث الشباب فقط يصرحون بأنهم يثقون «جزئيا» أو «كثيرا» في المؤسسات السياسية الرئيسية: 37 في المائة في البرلمان، و34 في المائة في المجلس الجماعي، و33 في المائة في رئيس الحكومة، و33 في المائة في أحزاب الأغلبية كما في أحزاب المعارضة. وينبغي بطبيعة الحال التعامل مع هذه الأرقام بحذر، واعتبارها قبل كل شيء مؤشرات تقريبية. لكنها تكشف، مع ذلك، عن مسافة لا تزال قائمة بين جزء من الشباب والمؤسسات السياسية التقليدية.
لكن سيكون من الخطأ الاستنتاج من ذلك أن الشباب غير مبال بالشأن العام. فمشاركته تأخذ أيضا أشكالا أخرى: العمل الجمعوي، والتطوع، والمبادرات المحلية، والتعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأشكال جديدة من المشاركة. ولعل السؤال ليس إذن حول شباب غير منخرط، وإنما حول شباب يبحث عن أشكال أخرى للانخراط، وعن فضاءات أخرى يمكن أن يُسمع فيها صوته.
لكن الثقة لا تُفرض بقرار الثقة تُبنى.
وتُبنى عندما يلاحظ الشاب أن جهده يمكن أن يُكافأ، وأن مهاراته يمكن أن تجد مكانها، وأن الولوج إلى الفرص لا يعتمد فقط على العلاقات الشخصية، وأن قواعد اللعبة تتسم بقدر كاف من الإنصاف، وأن صوته مسموع. كما تُبنى عندما تفي المؤسسات بالتزاماتها، وعندما تنتج السياسات العمومية نتائج ملموسة في الحياة اليومية.
ويتمثل الرهان، إذن، في الانتقال من سياسة تُنجز «من أجل» الشباب إلى سياسة تُصمم وتنفذ «مع» الشباب. وهذا يقتضي منحهم الثقة قبل مطالبتهم بالثقة في المؤسسات. وإتاحة مساحة أكبر لهم للمبادرة والإبداع والتجربة وتحمل المسؤولية. وتشجيع الابتكار والمقاولة والمبادرات الجمعوية والثقافية والرياضية. وتمكين الشباب من الوسائل التي تساعدهم على خوض المخاطرة والتعلم من أخطائهم، بدلا من تكثير الآليات التي تجعل منهم مجرد مستفيدين.
وتفترض الثقة أيضا إعادة الاعتبار لقيمة الجهد والاستحقاق. فلا يمكن لمجتمع أن يطلب من شبابه أن ينخرطوا بكامل طاقتهم إذا كان لديهم شعور بأن جهودهم لا تكفي للوصول إلى الفرص. ومن ثم، فإن تكافؤ الفرص ليس مجرد مطلب للعدالة الاجتماعية، بل يشكل أيضا **سياسة حقيقية لبناء الثقة.
من الثقة إلى المسؤولية
عندما تُبنى الثقة، يتغير شيء أساسي. فالشباب لا يكتفي عندئذ بالانخراط في مشروع البلاد، بل يصبح مسؤولا عنه بشكل كامل، ويتحول إلى فاعل رئيسي في بنائه.
ولهذا السبب، ينبغي اعتبار المشاركة المواطنة هدفا قائما بذاته ضمن سياسة الشباب. فلا يكفي أن ندعو الشباب إلى المشاركة، بل ينبغي أن تكون لمشاركتهم آثار فعلية: من خلال التشاور، والتمثيل، والمشاريع التشاركية، والعمل الجمعوي، وفضاءات النقاش. وكلها وسائل تمكن الشباب من المساهمة في تحديد السياسات التي تهمهم وفي تقييمها.
وينبغي كذلك أن نقبل حقيقة بسيطة: المشاركة لا تعني بالضرورة الاتفاق. فالشباب الذي يتمتع بروح المواطنة الحقيقية يجب أن يكون قادرا على الاقتراح، وطرح الأسئلة، والانتقاد، بل وأحيانا الاعتراض. فهذا بالضبط ما يميز المشاركة عن التأطير، والثقة عن الأبوية.
وقد وضع الفصل 33 من دستور 2011 توجها واضحا عندما دعا السلطات العمومية إلى اتخاذ التدابير الملائمة من أجل تيسير مشاركة الشباب في التنمية، وإدماجهم في الحياة النشيطة والجمعوية، وتمكينهم من الولوج إلى الثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة والترفيه. ويبقى المطلوب اليوم هو إعطاء هذا التوجه مداه العملي الكامل.
يتوفر المغرب اليوم على العديد من عناصر القوة: اقتصاد في طور التحول، وأوراش كبرى، وقطاعات صناعية جديدة، وانفتاح دولي متزايد، ورصيد بشري هائل. غير أن نجاح هذا التحول سيتوقف أيضا على قدرة البلاد على جعل شبابها شريكا حقيقيا في هذه الدينامية.
لا يتعلق الأمر بمطالبة الشباب بالانخراط بشكل سلبي في مشروع صيغ من دونهم. وإنما بتمكينهم من المساهمة في تحديد هذا المشروع، ومنحهم الوسائل التي تجعل منهم فاعلين فيه، وإتاحة المكانة التي تتناسب مع إمكاناتهم.
إن الرهان الحقيقي بسيط في نهاية المطاف تحرير طاقات الشباب وهذا يمر عبر تعليم جيد، وملاءمة أفضل بين التكوين والتشغيل، وسياسة إرادية لفائدة الولوج الأول إلى سوق الشغل، ودعم المقاولة والابتكار، ولكن أيضا عبر الولوج إلى الثقافة والرياضة وفضاءات المشاركة. كما يمر عبر مؤسسات قادرة على الاستماع والحوار وتقديم الحساب.
ليس للمغرب مشكل مع شبابه. وإنما يواجه تحديا هائلا يتمثل في تعبئة طاقات شبابه ولن يتحقق العائد الديموغرافي كاملا إلا عندما يتمكن الشباب من تحويل طاقتهم إلى مهارات، ومهاراتهم إلى مشاريع، ومشاريعهم إلى أنشطة، وأنشطتهم إلى خلق للثروة والتقدم الجماعي.
الثقة هي نقطة الانطلاق في هذا التحول. لكنها ليست غاية في حد ذاتها. بل ينبغي أن تقود إلى المسؤولية والاستقلالية والانخراط.
فالشباب الذي يُعترف به، ويُحمّل المسؤولية، وتُتاح له حرية المبادرة، لا يطلب أن يُحمل على الأكتاف؛ وإنما يطلب أن تتاح له إمكانية التقدم.
وعندما تترسخ هذه الثقة بشكل كامل، لن يكون الشباب المغربي مجرد شباب يُوعَد بالمستقبل، بل سيكون، بكل معنى الكلمة، شريكا في بناء الحاضر وصناعة مغرب الغد