مداخلة فرق الأغلبية بمجلس المستشارين في مناقشة مشروع القانون رقم 13 .108 حول القضاء العسكري

0

خلال الجلسة التشريعية ليوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014 بمجلس المستشارين، تقدم المستشار عبد اللطيف أعمو، عضو فريق التحالف الاشتراكي، باسم فرق الأغلبية، بمداخلة لمناقشة مشروع القانون رقم 13 .108حولالقضاءالعسكري، هذا نصها:

********************************

عبد اللطيف اعموالسيد رئيس مجلس المستشارين المحترم،

السيدات الوزيرات، السادة الوزراء،

السيدات والسادة المستشارين؛

لي الشرف، أن أتدخل باسم فرق الأغلبية بمجلس المستشارين في إطار مناقشة مشروع القانون رقم 13 .108 الذي يتعلق بالقضاء العسكري.

لقد كانت الحكومة محقة – وعلى وعدها – في مبادرتها إلى إعداد مشروع القانون المتعلق بالقضاء العسكري، والذي يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز وإصلاح منظومة العدالة في محيطها المتجدد ، وفي ضياء منظومة حقوق الإنسان والحريات في المغرب، لتتماشى كلية مع أحكام الدستور الجديد للملكة، وفي انسجام تام مع مضامين المواثيق الدولية و الاتفاقيات التي صادق عليها المغرب.

فلقد توافقت النظم الديمقراطية على أن القضاء تتولاه وتباشره السلطة القضائية التي تسري أحكامها على المواطنين كافة سواء مدنين وعسكريين، على أن تبقىالمحاكم العسكرية استثناءا وأن تسري أحكامها في نطاق محدود على العسكريين فقط في الجرائم العسكرية البحتة التي يرتكبونها أثناء أداء مهامهم أو بسببها. وأن يتراءس هيئات هاته المحاكم قضاة مدنيون من الرتب العالية، كما هو الحال في هذا المشروع الذي يعين قضاته المدنيين صاحب الجلالة بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للسلطة العسكرية، وكذلك المستشارين العسكريين ، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.

فوجود المحاكم العسكرية، في شكلها الحالي،ظل يثير إشكالات خطيرة ترتبط بالحق في محاكمة عادلة.وظلت المحاكم العسكرية رمزا للانتهاك الصريحلمبدأ المساواة أمام القضاء ولضمان حق التقاضي. كما أن انعدام ضمانات التخصص و الاستقلال والحياد في ” قضاة ” القضاء العسكرييمس أهم الضمانات التي يجب كفالتها للقاضي، كي تكون أحكامه عادلة جوهراً و شعاراً.

كما أن قانون القضاء العسكريالتقليدي لم ينشأ نظاماً للرقابة على أحكام المحاكم العسكرية من ناحية سلامة تطبيقها، بل إنه قضاء يصدر أحكامه بدون تعليل ويصعب إضفاء الرقابة القانونية عليها.

لهذا، أوصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الدول بأن تقنن تشريعاتها الوطنية، بِشكللا يجيز فيه القانون امتداد سلطة المحاكم العسكرية على المدنيين في الظروف العادية وغير العادية، و أن يكون استخدام المحاكم العسكرية مقيدا و استثنائيا.

كما وضع فريق الأمم المتحدة المشتغل على الاعتقال التعسفي قواعد واضحة بشأن المحاكم العسكرية، حيث أعتبر أنه إذا كانت هناك ضرورة لاستمرار القضاء العسكري، فيجب اشتراط ما يلي:

–              أن المحاكم العسكرية غير مؤهلة لمحاكمة المدنيين،

–              أنها غير مؤهلة لمحاكمة العسكريين إن كان المجني عليهم من المدنيين،

–              لا ينبغي منحها الاختصاص لمحاكمة المدنيين والعسكريين في حالات التمردوالعصيان أو أي اعتداء يعرض النظام الديمقراطي للخطر،

–              يجب أن يحظر على المحاكم العسكرية فرض عقوبة الإعدام تحت أي ظرف.

 

وفيما أشارت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن القضاة في المحاكم العسكرية لا يمكن اعتبارهم مستقلين ومحايدين نظرا لطبيعة الهيئة التي ينتمون إليها، رأت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان و الشعوب من جهتها أن : ” المحاكم العسكرية يجب أن تخضع لنفس مقتضيات العدالة، والانفتاح، و العدل والاستقلال والإجراءات القانونية كأي إجراءات أخرى ” . واعتبرت أن المسألة الأساسية هي تحديد ما إذا كانت هذه المحاكم تلبي معايير الاستقلال والنزاهة المطلوبة منأي محكمة. ”

من جهتها ذكرت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان أنه ” يجب محاكمة المواطنين بموجب القانون، والعدالة الطبيعية، وأمام قاضي طبيعي. ومن ثم، ينبغي ألا يخضع المدنيون للمحاكم العسكرية”

وانطلاقا من هذه الصيرورة، جاء هذا المشروع ليعكس الدينامية التي تعرفها المنظومة الحقوقية ككل ببلادنا، والتي ترتكز على توصيات هيئات الإنصاف والمصالحة، خاصة المتعلقة بالحكامة الأمنية وما يتعلق بالتعزيز القانوني للحقوق والحريات الفردية والجماعية، بجانب المقتضيات الدستورية الجديدة التي ترسخ مبدأ استقلالية القضاء وحياده، والحق في المحاكمة العادلة.

فيما عززت التقارير الموضوعاتية التي رفعها المجلس الوطني لحقوق الإنسان لأنظار جلالة الملك مطلب إصلاح المحكمة العسكرية وأكد عليها الميثاق المتعلق بإصلاح منظومة العدالة الذي وضع تشخيصا لوضعية العدالة وإشكالياتها، والصعوبات التي تواجه حسن سيرها.

 

السيد الرئيس،

إن القراءة المتأنية للمشروع، الذي هو بين أيدينا (مشروع القانون رقم 13 .108 المتعلق بالقضاء العسكري) يجعلنا نطمئن إلى أن هناك تطورا كبيرا وعميقا يتفاعل مع ما تحقق في مشروع تحقيق السلم والتعايش والانسجام بين داخل المجتمع، وجعل المنظومة العسكرية تستشعر إنسانيتها وضرورة اندماجها في منظومة كونية لحقوق الإنسان.

كما سيشكل التصويت على هذا المشروع برمته بالإجماع تقدما ينسجم مع مسلسل الإصلاحات الكبرى، التي تم نهجها منذ المصادقة على دستور 2011. وجاءت إحالته على مجلس المستشارين امتدادا يهدف إلى إغناء تجويد النص ويعزز ويقوي الإصلاحات القانونية والحقوقية التي تنهجها بلادنا في مسار تعميق ثقافة حقوق الإنسان وتكريس الديمقراطية.

إن مشروع القانون رقم 13 .108 المتعلق بالقضاء العسكري أبى إلا أن يدمج كل مساطره، إن لم نقل مضامينه ضمن منظومة قانون المسطرة الجنائية العامة والقانون الجنائي. كما حرص على أن تكون المحكمة العسكرية جزءا من منظومة العدالة تدور في فلكها بكل مقوماتها وأبعادها الواردة في الدستور.

وهذا ما يتجلى في تقليص اختصاصات المحاكم العسكرية بحصرها في الجرائم العسكرية والشبه عسكرية والحرص على وضع إطارها القانوني بالتنصيص على الاستقلال والتخصص للتأكيد على مكانتها ضمن المنظومة القانونية الوطنية.

كما أن هناك حرصا على جعل كل أركان النظام القضائي المغربي حاضرة في بنية هذا القانون، كما يدل على ذلك تبويبها، سواء في مجال مراحل البحث وتدبير الدعوى العمومية وتعدد درجات التقاضي وضمان حقوق الدفاع ومساطر تنفيذ أحكامها.

الشئ الذي يقربها أكثر من الإلتزام الصريح بمبادئ استقلال القضاء وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وأخذ بادرة السبق إلى تخفيض الجنايات المعاقب عليها بالإعدام من 18 إلى 5 فقط،مسجلا بذلك سبقا أمام المنظومة الجنائية العامة ومساهما في التأسيس لسياسة جنائية عصرية .

 

السيد الرئيس،

من أجل إغناء هذا المشروع والمساهمة في الرفع من مستواه ليستجيب مع تطلعات العصر وطموحات المجتمع المغربي – والتي ما فتئ صاحب الجلالة يعبر عنها في مختلف خطبه الملكية – فإننا بادرنا في فرق الأغلبية بمجلس المستشارين إلى تقديم عدد من التعديلات: منها ما هو شكلي ومنها ما هو إصلاحي، ومنها ما هو جوهري. والتي من شأنهاأن ترفع من مستوى المشروع وتجعله صفحة مضيئة يحق للمغرب أن يفتخر بها أمام الرأي العام الوطني والدولي. فنالت تعديلاتنا في العديد منها قبول الحكومة. مما أضفى قيمة إضافية للمشروع.

وانسجاما مع مطلب التعديل المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم العسكرية، اقترحت فرق الأغلبية تعديل المواد 106 و 139 و155 و 162 و 163 و 170 و171 و 206 ضمن 20تعديلا على الصيغة التي وافق عليها مجلس النواب في 23 يوليوز 2014 نصبو من خلال ذلك إلى لفت الانتباه إلى أن عقوبة الإعدام لم تعد تتلائم لا إنسانيا ولا أخلاقيا مع مستوى التقدم والانسجام والتفاعل والتكامل والتعايش بين مختلف الحضارات، لأنها ترمز للقتل وتصفية الحسابات والانتقام ووضع السيف على رقاب الأبرياء للحد من قدراتهم على المبادرة والتفكير وإبداء الرأي وإعلان الخلاف وتنشيط حركات المجتمع.

ولذلك، لا نستغرب أن تكون العديد من الدول التي ألغت عقوبة الإعدام من تشريعها أو علقت تنفيذه يزيد عددها عن 160 دولة من مجموع دول الأمم المتحدة.

كما أن الغرض من ذلك هو لفت الانتباه إلى أن المجتمع المغربي مهما قيل في حقه من مبررات لتحميله وزر بقاء عقوبة الإعدام، سواء كانت هاته المبررات بوازع ثقافي أو ديني أو مرتبطة بالأعراف والتقاليد أو بضرورة حماية الاستقرار، فإنها كلها مبررات لا يقبلها العقل، ولا ترتقي إلى درجة التفاعل مع القيم الإنسانية الراقية. لأن الحياة هي هبة إلهية، وهي روح الله ينفخها في الدنيا ويحميها. واعتبرها الإسلام قيمة مقدسة لأن “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” (المائدة 32)

وانطلاقا من روح القيم الخلاقة لمجتمعنا، وتفاعلا مع الحقوق الطبيعية والأساسية التي أقرتها الأمم لتكون ميثاقا بينها، أكد الدستور على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق للإنسان، ويحميه (المادة 20)

فتبقى بذلك المجادلة في هذا الحق، مجادلة في الدستور وفي أهدافه السامية والبعيدة.

وتبقى مسؤولية النخب التي تمثل الأمة، وهي القائمة على ضميرها، مطالبة باستمرار بحماية حق الإنسان في الحياة. ولن يكون ذلك إلا بإلغاء عقوبة الإعدام في تشريعنا.

ومن وجهة نظرنا، فإن مشروع قانون العدل العسكري الذي نحن بصدده، هو قانون خاص، وليس هناك مانع في أن يبادر المشرع إلى حذف عقوبة الإعدام ضمن العقوبات الواردة فيه، في انتظار أن يتم إصلاح نظام العقوبات العام ووضع مبادئ وقواعد لسياسة جنائية مندمجة.

كما أن عددا من العقوبات الواردة في المشروع تتعلق بجرائم تبدو أنها لا تقل خطورة – من حيث النتيجة – عن الجرائم المحكومة بالإعدام. لذلك قلنا أنه من الممكن حذف الخمسة حالات الباقية ، لأن الجرائم المرتبطة بها يمكن أن ينالهاالسجن المؤبد أو العقوبات الأخرى الطويلة الأمد. ولو كانت هذه الجرائم تتعلق بجرائم الحرب التي ترتكب أثناء الحرب وفي قلب المعارك.

ونتأسف على إصرار الحكومة على رفض تعديلاتنا في هذا المضمار، وإن كانت قد أقرت في ذات الوقت بأهمية الموضوع، وما رافق عقوبة الإعدام من رفض واستنكار من عدد كبير من الأنظمة الجنائية المقارنة، ولتزايد عدد الدول التي ألغتها من قاموسها الجنائي، ورغم ذلك، فإن هناك مسار قد انطلق والآمال تتعزز بالنسبة لبلادنا. وسيصل اليوم الذي سيعرف فيه المغرب إلغاء عقوبة الإعدام من تشريعه.

لذلك، ارتأينا أن نقبل عن مضض أن نواصل الحوار البناء مع الحكومة والبرلمان لخدمة مصلحة بلادنا، وسايرناكم في تأجيل النقاش في هذا الموضوع في الوقت الراهن إلى أن يعرض إصلاح القانون الجنائي برمته وفق برنامج الحكومة. وهو المجال الذي يسمح بتوسيع النقاش وتعميقه. مما سيمكن المهتمين من المشاركة فيه.

ورغم كل ذلك، فإنه لا يمكن التنقيص من أهمية هذا المشروع ، لأنه يهدف إلى تعزيز دولة القانون ويشكل نقلة نوعية نحو توحيد منظومة القضاء الجنائي وتقوية استقلال القضاء .ويؤكد التزام المغرب بضمان الحقوق والحريات الفردية والجماعية وبترسيخ عدالة مستقلة ونزيهة لكافة المواطنين بدون تمييز.

ويندرج مشروع القانون المتعلق بالقضاء العسكري، الذي نناقشه اليوم ضمن مكونات ورش ملائمة التشريع الوطني المتعلق بالقضاء العسكري مع مقتضيات الدستور، ومع المبادئ والمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال، وتجسيد وفاء المغرب بالتزاماته الدستورية والدولية في مجال بناء دولة القانون وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها في كل أبعادها.

كما يتضمن هذا المشروع تغييرات عميقة تتوخى الارتقاء بالقضاء العسكري، بفصله عن نموذج المحاكم الاستثنائية– التي انتهى عهدها – وإدراجه ضمن المؤسسات القضائية المختصة، الضامنة للحقوق والحريات، وذلك من حيث الاختصاص والتنظيم والمساطر، وتركيبة الهيئات القضائية وضمان حقوق الدفاع.

وفي الختام، لا بد أن نقف بالمناسبة وقفة تقدير وإجلال لأفراد القوات المسلحة الملكية ولقوات الدرك الملكي والأمن الوطني وللقوات المساعدة وللوقاية المدنية التي تضحي بالغالي والنفيس من أجل الدفاع عن حوزة التراب الوطني، ونجدها فرصة سانحة كذلك لنترحم على الأرواح الطاهرة لشهداء وحدتنا الترابية.

كما نشيد في فرق الأغلبية المكونة من فرق التجمع الوطني للأحرار – الحركة الشعبية – التقدم والاشتراكية بكل المجهودات التي بذلت من أجل إخراج هذا النص إلى حيز الوجود، وبالتفاعل الايجابي للسيد الوزيرالمنتدب في الدفاع الوطني مع مقترحات الفرق البرلمانية، كما نشيد بالأجواء العامة الايجابية التي رافقت مختلف مراحل مناقشة هذا المشروع، حيث اتسمت المداخلات، بالجدية والموضوعية ونكران الذات.

وبناء على كل ما ورد، فقد قررنا في فرق الأغلبية، التصويت بالإيجابعلى مشروع القانون المتعلق بالقضاء العسكري برمته.

و السلام

عبد اللطيف أعمو

المكلف بالتنسيق وتقديم تعديلات فرق الأغلبية بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بخصوص مشروع قانون العدل العسكري