مداخلة السيد النائب عبد الله حنتي في المناقشة العامة للجزء الأول من مشروع القانون المالي لسنة 2015 – الجانب الاقتصادي والمالي –

0

النائب  عبد الله حنتيالسيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

باسم فريق التقدم الديمقراطي، يشرفني أن أتناول الكلمة في إطار المناقشة العامة للجزء الأول من مشروع القانون المالي للسنة المالية 2015، في الجانب الاقتصادي والمالي. ودعوني بداية، أن أؤكد من جديد وباسم فريق التقدم الديمقراطي، على أن الأمر يتعلق بمشروع قانون مالية طموح وواقعي وجدي، في ظل ظرفية اقتصادية وجيوسياسية خاصة، بحيث يأتي في ظرفية تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار خاصة بمنطقة اليورو، الشريك الاقتصادي الأساس لبلادنا.

مشروع يرقى إلى مستوى المرحلة الحالية وإلى مستوى النموذج التنموي الذي يبتغيه المغرب، والتحديات المطروحة على البلاد ووضعها، خاصة وأن المغرب أصبح يمتلك من الآليات والمقومات التي تجعله مؤهلا للانتقال إلى مصاف الدول الصاعدة.

وتتجلى هذه الواقعية في كون المشروع حمل “إجراءات اقتصادية مهمة” من قبيل الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي، و دعم الاستثمار الخاص وتشجيع ودعم المقاولة ومواصلة الإصلاحات الهيكلية والقطاعية وتحفيز قطاعات الصحة والتربية والتعليم والعدالة من خلال ورش إصلاح القضاء، فضلا عن التوجه نحو التصنيع من خلال إجراءات عملية، تتمثل في تخصيص ثلاثة ملايير درهم، علاوة على العدد الهام من مناصب الشغل المقرر إحداثها بمقتضى هذا القانون، والتي تتجاوز 22 ألف منصب شغل، وهو رقم مهم بالنظر للظرفية الاقتصادية الدقيقة التي تمر منها البلاد، بالرغم من أننا نطمح إلى الرفع من مستويات التوظيف العمومي إلى أقصى مستوياتها، خاصة بالنسبة لحاملي الشهادات العليا.

وسجلنا كذلك في فريق التقدم الديمقراطي، على أن الإجراءات المعلنة في مشروع القانون المالي لسنة 2015 ،خاصة في شقها المالي والاقتصادي، ستعزز لا محالة بوادر انتعاش الاقتصاد الوطني، وذلك بسبب انتعاش العديد من المهن العالمية، والتي بواسطتها تمكنت الحكومة من تنويع الاقتصاد الوطني، وهو ما سيساهم في الرفع من مستوى الأداء الاقتصادي العام.

وبخصوص نسبة النمو المتوقعة برسم مشروع القانون المالي، فإننا نعتبر في فريق التقدم الديمقراطي، أن معدل 4.4 % هو في متناولنا إذا ما تحققت بعض الفرضيات التي اعتمدها المشروع، ويمكن بلوغه.

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

إن المعطيات الرقمية الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2015 لم تتغير بنيتها على العموم، مع تسجيل تحسن ملحوظ في بنية الموارد، بحيث أن مداخيل الضرائب المباشرة تسجل، لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ارتفاعا يفوق مداخيل الضرائب غير المباشرة، وأساسا ارتفاع الضريبة على الشركات بنسبة وصلت إلى ما يناهز 7 %، وهو ما يسجل مدخلا أساسيا نحو تحقيق العدالة الجبائية المنشودة.

وبالإضافة إلى الايجابيات المسجلة التي أتى بها مشروع القانون المالي، فهو يتضمن كذلك بعض النقائص التي يتعين تجاوزها، من أبرزها الانخفاض المتواصل لعائدات الدولة من مساهماتها في المؤسسات العمومية،حيث نسجل ارتفاعا في مساهمات الدولة في بعض المؤسسات العمومية للسنة الثالثة على التوالي،حيث كان من المفروض أن يحدث العكس وهو أن تساهم هذه المؤسسات إيجابيا في ميزانية الدولة، وينطبق هذا الأمر على كل من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، وبنك المغرب، واتصالات المغرب والمكتب الشريف للفوسفاط، الذي انخفض سعر منتوجه الرئيسي على الصعيد العالمي بنسبة تصل إلى حوالي 30 %. ومن حسن الحظ أن المغرب اتجه نحو الاستثمار في تحويل هذه المادة، وهو ما حد من تأثير هذا الانخفاض، ومن شأنه كذلك أن يرفع من القيمة المضافة للقطاع.

ويسجل فريق التقدم الديمقراطي، تفاؤله بكون المغرب أصبح أكثر قدرة على تدبير المديونية، رغم الاستمرار في ارتفاع نسبتها، حيث وصل دين الخزينة 65.3 %، بيد أن نسبة الديون الخارجية لا تتعدى نسبة 25 %، بحيث أن المديونية الخارجية هي في مجملها عبارة عن ديون عمومية من دول صديقة ومؤسسات متعددة الأطراف بأسعار فائدة تفضيلية وميسرة، وهذا ما يقلل من خطورة الاقتراض، والتي لا يمكن حلها إلا بإحداث مصادر للتمويل عبر تنزيل الإصلاح الجبائي في جميع جوانبه لتعزيز الموارد الذاتية، والتي نحيي الحكومة على تنزيل البعض منها.

السيدات والسادة الوزراء، السيدات والسادة النواب، قناعتنا راسخة ، كون الاستدانة ليست أمرا سلبيا في حد ذاتها، ذلك أنه حتى الدول المتقدمة تلجأ إلى الاستدانة، بيد أن الإشكالية تكمن في أوجه استعمال القروض المعبأة، حيث لا تكون الاستدانة سليمة إلا إذا سُخرت لتمويل الاستثمارات المنتجة. وعموما فإن مستوى المديونية يبقى مقبولا مقارنة بما كان عليه الحال في بداية العشرية الماضية، حيث سجلت نسبة 68 % .

وكما أشرنا إلى ذلك، فإننا نسجل كذلك بايجابية، ما جاء في مشروع قانون المالية لسنة 2015، من إجراءات تسير في اتجاه الرفع من نسبة الاستثمار العمومي إلى 189 مليار درهم سنة 2015 أي بزيادة قدرها 2.4 مليار درهم، مقارنة مع 186.6 مليار درهم سنة 2014، و180.3 مليار درهم سنة 2013، بحيث تشكل البرامج الاستثمارية للمؤسسات والمنشآت العمومية، بما فيها مخصصات صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، الجزء الأهم بحوالي 115 مليار درهم، توجه بالخصوص لتعزيز تكامل المخططات القطاعية، وتسريع وثيرة انجازها كالإستراتيجية الطاقية، ومخطط المغرب الأخضر الفلاحي، فيما يتعلق بالفلاحة التضامنية، وكذا مخطط أليوتيس المتعلق بالصيد البحري، إضافة إلى الموانئ والطرق السيارة والسكك الحديدية، خاصة الخط الفائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء.

كما ستمكن هذه الاستثمارات من مواصلة تفعيل مشاريع التنمية الحضرية المندمجة في إطار سياسة المدينة، والتي تهدف إلى تقليص مظاهر العجز والهشاشة الناتجة عن النمو الديمغرافي والتوسع العمراني، بحيث يصل حجم الاستثمارات في هذه المشاريع إلى 62 مليار درهم على مدى أربع (4) سنوات، و بتعبئة موارد إضافية تناهر 19 مليار درهم، من خلال صناديق الاستثمار القطرية و الإماراتية والكويتية لانجاز البرامج السياحية في إطار رؤية 2020.

كما يهتم مشروع قانون المالية لسنة 2015 بتعبئة الاستثمار العمومي، لتفعيل مخطط تسريع التنمية الصناعية الممتد على مدى ست (6) سنوات، وذلك عبر إحداث صندوق للتنمية الصناعية والاستثمارات بغلاف مالي يقدر بثلاث (3) ملايير درهم، كما سبق وأن أشرت إلى ذلك. ويهدف هذا المخطط إلى إحداث حوالي 500 ألف منصب شغل، نصفها سيتم تحقيقه من الاستثمارات المباشرة الأجنبية، من جهة. ومن جهة ثانية يرمي هذا المخطط إلى الرفع من حصة القطاع الصناعي في الناتج الداخلي الخام ب 9 نقط، لتبلغ إلى نسبة 23 % في أفق سنة 2020، وهو رقم نعتقد في فريق التقدم الديمقراطي، أنه سينعكس بشكل ايجابي على اقتصادنا الوطني، ويفك الارتباط التدريجي بين معدلات النمو التي سيتم تحقيقها والمؤشرات المحققة في القطاع الفلاحي، المرتبطة أساسا بالتساقطات المطرية.

ومن شأن هذا المجهود الاستثماري العمومي الذي يتحقق في ظل استمرار تداعيات الأزمة الاقتصادية، خاصة عند شركاء المغرب التقليديين كفرنسا واسبانيا، أن يبعث نفسا جديدا في الاقتصاد الوطني، ويساهم في جلب استثمارات أجنبية وخلق الثروة، مما سيمكن الدولة من مواجهة ناجعة للمتطلبات الاجتماعية المشروعة والمتزايدة، لا سيما أن الحكومة وضعت آليات لتعزيز النموذج التنموي التضامني للمغرب، من بينها صندوق التماسك الاجتماعي الموجه لتشجيع التمدرس ومواجهة الهدر المرسي، ودعم الأشخاص في وضعية إعاقة، وتوسيع التغطية الصحية، وكذا صندوق التكافل العائلي كآلية للدعم الاجتماعي للنساء المطلقات، والدعم الاجتماعي كذلك للأرامل، وصندوق تنمية العالم القروي، إضافة إلى برامج إنعاش التشغيل، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهذا هو المهم في نهاية المطاف، لأنه لا تنمية ما لم تنعكس بشكل ايجابي على أوضاع الشعب وتحقق رفاهيته وكرامته.

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

مناقشة مشروع القانون المالي، مناسبة دستورية وسياسية، يتم من خلالها إطلاع البرلمان ومعه الرأي العام الوطني، على حصيلة تنفيذ البرنامج الحكومي، من خلال رصد الأغلفة المالية اللازمة والمناسبة لذلك ومن خلال الإمكانيات المتوفرة كذلك، كما أنه مناسبة لتجاوب وتفاعل الحكومة مع ملاحظات واقتراحات المؤسسة التشريعية، وفي هذا السياق، فإننا نسجل بارتياح وايجابية كبيرين، تفاعل الحكومة مع الأغلبية في موضوع شفافية المالية العمومية، من خلال إدماج «حسابات الخزينة»، والتي كانت تدبر بطريقة تفتقر إلى الرقابة والشفافية والمحاسبة، في الميزانية العامة للدولة، وتقليص عددها إلى ثلاثة (3) حسابات فقط في مشروع ميزانية 2015، وهي «مرصدات المصالح المالية» الذي تصرف منه التعويضات والعلاوات للموظفين، الذين نحييهم بالمناسبة على مجهوداتهم الكبيرة بمختلف رتبهم ودرجاتهم، و«صندوق محاربة الغش الضريبي»، و«صندوق الأموال المتأتية من الإيداعات بالخزينة» و تسمية وزير المالية آمرا بصرف هذه الحسابات الخصوصية، والتي أصبحت قابلة للمراقبة من قبل البرلمان، ومحددة في مواردها ومصاريفها، بيد أن الغرض من هذه الإجراءات والتدابير هو تكريس مزيد من الشفافية والوضوح في صرف المال العام. علاوة على التجاوب مع حذف المقتضى الذي كان يقضي بزيادة الضريبة على القيمة المضافة على مواد استهلاكية ذات الاستعمال الواسع كالأرز والعجائن، وكذا استجابة الحكومة لحذف المقتضى الذي كان يقضي بالحجز على أموال وأملاك الدولة في حالة صدور أحكام ضدها، إضافة إلى إجراءات أخرى، سيكون لها الوقع الايجابي على المواطنات والمواطنين، من دون شك.

السيد الرئيس؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

لقد استطاع المغرب أن يشرع في الخروج من منطقة الخطر بعدما تمكن اقتصادنا الوطني من الشروع في استرجاع عافيته، بشكل تدريجي، من خلال مجموعة من الإجراءات والتدابير المالية والتنظيمية والقانونية التي اتخذتها الحكومة، ومنها جزء كبير مقترح في إطار مشروع القانون المالي لهذه السنة.

ويتضح أنكم بذلتم مجهودات تستحق التثمين، نشجعكم عليها، ولا بد من بذل المزيد من الجهد، وهو ما يضع أيضا قدرة الحكومة ـ فـي ما تبقى من الانتداب الحكومي ـ على المحك، في تبني رؤية واضحة وواقعية متدرجة، تكفل ضمان الفعالية والنجاعة في الإنفاق المالي وخلق دينامكية اقتصادية أكبر، تقوم على التنويع والتكثيف، و تعاطيكم مع الإصلاحات التي تهم صندوق المقاصة، منظومة التقاعد، النظام الجبائي، واتخاذ القرارات بشأنها.

تلكم، السيد الرئيس، السيدات والسادة الوزراء، السيدات والسادة النواب، مساهمة فريق التقدم الديمقراطي، في مناقشة الجزء الأول من مشروع القانون المالي لسنة 2015، والتي تتناغم مع توجهاتنا وقناعاتنا، لذا سنصوت بالإيجاب لصالح هذا المشروع.