بقلم محتات الرقاص –
في الجلسة الشهرية الأخيرة بمجلس المستشارين كانت الصورة العامة مثيرة للاستغراب والأسف، حيث أن التمرين الديمقراطي الجديد لا يعمل كل الفرقاء من أجل ترسيخه وتطوير ديناميته وامتداده ليتحول إلى تقليد، وإلى لحظة حوار تفاعلي منتج بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
بضع عشرات فقط من منتخبي الغرفة الثانية كانوا أمام رئيس الحكومة، والآخرون اختاروا جميعهم الغياب، حتى أن لحظات الحرج والارتباك حضرت مرات عديدة أثناء سير الجلسة، ناهيك عن عدد التأجيلات التي شهدتها الجلسة نفسها من قبل.
لا يرتبط الأمر بالحكومة الحالية أو برئيسها، وإنما يتعدى ذلك ليعني مقتضى دستوريا جديدا لا بد من العمل الجماعي لتمتين حضوره ضمن منظومة العمل البرلماني والمؤسساتي في بلادنا، وهنا يكمن مبرر الاستغراب والأسف من مشهد الجلسة الأخيرة.
لقد حضر رئيس الحكومة وقدم أجوبته على أسئلة فرق المستشارين، وساد الهدوء على غير العادة في الخطاب والعلاقات بين الأطراف، وفي الأخير كل سار نحو وجهته، ولكن بقي في بال الكثيرين أن مشكلة الغرفة الثانية وتحولها الدستوري والهيكلي لا بد أن يتحقق، وأن الأزمنة الدستورية في منظومتنا المؤسساتية لا بد أن تتوحد وتمتلك مرجعية واحدة ومصدر نشأة واحد، وأن ينتهي هذا الشدود.
العديد من أعضاء الغرفة الثانية توجهوا نحو دوائرهم الانتخابية لإعداد العدة ولم يعودوا يحفلون بصفتهم البرلمانية القائمة على صعيد الغرفة الثانية، وهم أيضا لم يدركوا أهمية جلسة المساءلة الشهرية ودلالتها الدستورية والمؤسساتية، ولذلك غابوا عنها، وجعلوا الصورة تبدو عبارة عن مقاعد فارغة.
لن نعود هنا لاستعراض المسؤوليات فيما وقع، ومن يتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع إلى غاية اليوم، ولكن من المؤكد أن عملنا البرلماني، خصوصا على مستوى الغرفة الثانية، يحتاج اليوم إلى أنفاس حقيقية جديدة، وإلى إذكاء الحماس للانتقال نحو دينامية عملية ومؤسساتية جديدة تكون منسجمة مع الأفق الدستوري الجديد.
بعض الأطراف الحزبية والبرلمانية، وبدل أن تتذكر أنها وزعماءها كانوا وراء تأجيل التغيير على صعيد مجلس المستشارين، وعوض أن تنكب على دعوة أعضائها لحضور الجلسات والمساهمة في تقوية حضور تقليد المساءلة الشهرية، فهي تفضل الغياب واقتراف اللامسؤولية، وفي نفس الوقت تمعن في التضليل ومحاولة إلصاق وزر تأجيل الملاءمة الدستورية للغرفة الثانية إما بالحكومة الحالية أو بأغلبيتها، وكأن الناس جميعهم بلا ذاكرة أو أنهم لا يذكرون من كان السبب، ومن لا زال يجتهد في خلق العراقيل والفرامل في طريق أي إصلاح.
في النهاية لن يصح إلا الصحيح، كما يقال، ولهذا لا بد من إحداث تغيير حقيقي على مستوى انسجام وجود وعمل الغرفة الثانية مع البناء والأفق الدستوريين، ولا بد كذلك أن يتحمل الجميع، أغلبية ومعارضة، كل المسؤولية من أجل الانتقال بممارستنا البرلمانية والمؤسساتية إلى مستوى تطلعات شعبنا وقواه الوطنية والديمقراطية.