الرفيق العزيز لطيف لحلو،
السيدة الفاضلة … رفيقة دربه النضالي والفني والانساني،
سيداتي، سادتي
أيتما، أستما،
رفيقاتي رفاقي،
أيها الأصدقاء الأعزاء،
مساء الخير،
ــ بداية، أتقدم إليكم جميعا، بإسمي الخاص ونيابة عن كافة مناضلات ومناضلي حزب التقدم والاشتراكية، بخالص عبارات التبريك، بمناسبة هذا الشهر الكريم، الذي نرجو من الله أن يعيده علينا وبلدنا ومجتمعنا ينعمان بتعزيز الأمن والاستقرار وبمزيد من المكتسبات على درب تحقيق أهدافنا المشتركة في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وازدهار كافة أشكال القيم الفنية والثقافية
ــ كما أود التنويه بهذه الالتفاتة الكريمة، وأحيي فضاء أطر حزب التقدم والاشتراكية بالدار البيضاء على مبادرته هاته، بل وأهنئهم على تشرفهم بالتفكير في تكريم الرفيق السينمائي المبدع لطيف لحلو، كمناضل وفنان وإنسان، وكرجل يستحق، بكل المقاييس، أن يكون محور هذه الأمسية الرائعة، اعترافا له بجميل ما أسداه من خدمات جلى للوطن، وكانت له أيادي بيضاء دفاعا عن قيم سامية وقضايا عادلة، في واجهات متعددة، وفي مقدمتها الواجهة الفنية، التي اختار أن يستثمرها، وأبلى في ذلك البلاء الحسن، للاسهام في مستوى وعي الناس وتقدم المجتمع ؛
ــ وقبل الشروع في هذا التكريم، أتقدم، وباسمكم جميعا، بأحر عبارات التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى صديقنا، ورفيق دربنا منذ زمين بعيد، وأحد رواد الفن السينمائي في المغرب، إلى جانب لطيف لحلو وآخرين، صاحب ال”وشمة” الخالدة، حميد بناني، على إثر وفاة أخيه تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ــ إننا نلتقي اليوم للاحتفاء باسم بارز في الحقل السينمائي الوطني، عبد اللطيف لحلو، المعروف أكثر بلطيف لحلو، وهو بحق رجل ما ألطفه، لتكريم مسار غني ومتميز بارتباطه، دوما، بقضايا وطنه وفنه.
ــ وليس هذا بغريب على لطيف لحلو الذي يزخر ريبيرتواره ليس فحسب بالأفلام الطويلة والقصيرة والاشرطة الوثائقية، وإنما أيضا بمسار نضالي مبكر وثري، وظل وفيا له من حيث التشبث بالمبادئ السامية والقيم النبيلة، مبادئ وقيم الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية…
ــ فقد انخرط لطيف لحلو، سنة 1954، وهو لا يزال شابا يافعا، في صفوف الحزب الشيوعي المغربي، بمسقط رأسه: مدينة الجديدة. وذلك تزامنا مع انخراط جمال آيت كاسي، ابن أخت القائد التاريخي للحزب، وأمينه العام الأسبق الرفيق المرحوم علي يعته .
ــ في هذه الفترة سيتعرف لطيف لحو، في إطار النشاط الحزبي بمنطقة الجديدة، على وجوه بارزة في الحزب والحركة الوطنية، من بينهم، على الخصوص، طيبو الذكر الشهيد عبد الكريم بنعبد الله ( أول مهندس جيولوجي في المغرب، المثقف الذي تخلى عما كان يمكن أن يوفره له تخصصه من امتيازات كبيرة ليتفرغ للعمل الحزبي والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار)، والهادي مسواك وعزيز بلال. ولاحقا، بعد انتقاله إلى باريس للدراسة، بكل من شعيب الريفي وشمعون ليفي، علما أنه كان ولايزال يعتبر نفسه من تلامذة الرفيق الراحل عبد الله العياشي وما أدراك ما عبد الله العياشي…
ــ لطيف لحلو كان له فضل الاشراف على جمع وثائق الحزب الشيوعي المضمنة في ما نسميه بالكتاب الأخضر، الذي صدر بالفرنسية منذ عقود ويوثق ل ” نضال الحزب الشيوعي المغربي ” منذ التأسيس وإباء فترة الاستعمار.
ــ لطيفو لحلو درس السينما في معهد عال بباريس وأيضا السوسيولوجيا في السربون : ــ انتقاله إلى الرباط، وواصل نضاله في صفوف الحزب هناك، وتكفل بالاشراف على الملف الفلاحي، بمعية عزيز بلال، خاصة في سيدي يحيى الغرب ودار الكداري ( نظرا لتخصصه في مجال السوسيولوجيا القروية، حيث عمل إلى جانب عالم الاجتماع المعروف بول باسكون ونجيب بودربالة ولازاريف).
ــ ظل لطيف لحلو مرتبطا بحزبه، وفيا لمبادئه. وبيننا، هنا في هذه القاعة، رفاق كثيرون ممن حظوا، على سبيل المثال، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالانتماء إلى خلية فرحات حشاد بالدار البيضاء (خلية شمعون ليفي، كما كانوا يسمونها من باب التحبب)، والتي كان حضور لطيف لحلو فيها يشكل بالنسبة للرفيقات والرفاق الشباب، على الخصوص، نوعا من المقويات المعنوية ( دوباج )..
ــ هذه الخلفية النضالية كان لها، بلا شك، تأثير بين في الاهتمامات والانتاجات الفنية لرفيقنا لطيف لحلو ( اهتمام بقضايا البادية والطبقات الاجتماعية، والقيم المجتمعية، حيث تتناول مواضيع أفلامه الصراع الاجتماعي، وأحوال الفلاحين، ومواجهة الاحتكار والاستغلال، ومآسي موظفين صغار من طبقات شعبية، وصراع الأفكار، مع وكذا الطبقة الوسطى الحضرية من خلال نقد سلوكيات بعض أعضاء هذه الطبقة المتسمين ، على حد قول المخرج نفسه، بالأنانية والغرور، لكن دون أن يدفعه ذلك إلى السقوط في الدوغمائية والخطاب المباشر والمعالجة غير الفنية، حتى لا أقول الفجة، للمواضيع والتيمات المطروقة.
ــ هذا البعد النضالي في شخصية الرفيق لطيف لحلو يشرفه، ونعتز به، ويستحق أن يكون لوحده موضوع تكريم، ولكنه لا يمثل السبب الرئيس لتكريمه اليوم.
ــ فتكريمنا له هو، بالأساس، تكريم نابع من قيمته ومساره ورصيده كفنان أعطى ولايزال يجزل العطاء على مدى أزيد من نصف قرن.
ــ حزب التقدم والاشتراكية وهو يحتفي برائد من رواد السينما المغربية، إنما يريد أن يحتفي بالسينما المغربية كافة، بمختلف سينمائييها، من مخرجين وتقنيين وممثلين ومنتجين وإداريين، وأيضا جمهور المشاهدين من عشاق الفن السابع.
ــ إنه احتفاء يحمل، من حيث جوهره، رسائل عدة : رسالة تقدير واحترام وتضامن ومحبة للسينما، ليس فقط لأننا ننتمي لمدرسة سياسية تعتبر ، منذ زمان، أن السينما من أهم الفنون، وإنما أيضا لكوننا نعتبرها وسيلة جماعية ومدنية لترسيخ النسيج الاجتماعي والانسجام المجتمعي الذي نضعه في صلب مشروعنا المجتمعي التحديثي .
ــ ومن هنا، فإن لقاءنا هذا المساء، ضيوفا عند لطيف لحلو، ليس وليد ظرفية معينة لها صلة بتطور أحداث ما أو بروز وقائع ما تسائل ثنائية الحرية والمسؤولية في مجال الابداع عامة، والسينمائي منه على وجه الخصوص، بل هو إحياء لتقليد راسخ لدى حزبنا، الذي كان دوما فضاء لتواجد أسماء لامعة ومتألقة رافقتنا في مسيرة مشتركة، أفقها الإبداع الحر، والالتزام المنفتح. وذلك على أساس أن حرية التفكير والتعبير والإبداع تظل هي الأصل، مع ضرورة مقاربة قضايا الفن، بمختلف أصنافه، على نحو هادئ ومن زاوية تزاوج، بذكاء خلاق، بين ضمان حق الناس في اختياراتهم المتنوعة ومراعاة الموازين المجتمعية القائمة، دون التخلي عن واجب العمل، بما قد تفرضه الظرفيات من تدرج، على إشاعة الأفكار النيرة والمستنيرة والاجتهاد من أجل تحويل هذه الأفكار إلى تقدم.
ــ وأغتنمها فرصة لأحيي الحضور ذي البعد الإنساني الرفيع لاسم يرمز لهذه المسيرة المشتركة وهو الصديق والسينمائي الكبير مصطفى الدرقاوي شفاه الله . وأدعوكم أن تحيوه بحرارة.
ــ لقد عمل حزبنا، ومازال يعمل، على ترجمة هذه المسيرة التاريخية إلى التزام عملي لخدمة قضية السينما في بلادنا، وذلك من مختلف المواقع التي يتبوؤها الحزب، سواء لما كان في المعارضة أو عند تحمله مسؤوليات الشأن العام عبر تواجده في الجهاز التنفيذي. وهكذا اجتهد وزراؤنا عند تحملهم مسؤولية القطاع المشرف على السينما في الدفاع عن هذه الاخيرة والعمل على تحسين ظروف أداء المهنيين، سواء على المستوى التشريعي أو المادي.
ــ ولا أدل على ذلك من التطور الملحوظ الذي عرفه صندوق دعم الإنتاج السينمائي الوطني، الذي ارتفع، خلال تحمل الحزب للمسؤولية ذات الصلة ( 2002 ــ 2011 )، بنسبة تجاوزت 100 في المائة.
ــ هدفنا اليوم ليس أن نسرد عليكم كل هذا، بل لكي نؤكد لكم أن طموحنا أوسع وأشمل، طموحنا عنوانه البارز هو الحرص على مواصلة وضع السينما في مركز اهتماماتنا، اعتبارا لكونها إحدى رافعات بناء المجتمع المتفتح المتسامح الذي نعمل من أجله.
ــ إنه، إذن، لقاء لتجديد الوفاء لمسيرة مستمرة وموفقة، إن شاء الله، بفضل عطائكم السخي، والتزامكم متعدد الصيغ والأشكال لصالح هذا الوطن وهذا الشعب الذي منه نستمد إلهامنا وطاقتنا.
ــ بقي لي أن أقول إنني إذ أترك التقييم النقدي لأعمال لطيف لحو المتنوعة والثرية، بأجناسها وتيماتها، لذوي الاختصاص، أود أن أسجل ملاحظة تتمثل في كون فناننا اللطيف متعدد المواهب والاسهامات في مجال السينما، لكنه، في ما أعلم، لم يسبق له أن تقمص دورا كممثل.. وأفهم ذلك على أساس أنه خص نفسه بأداء دور رئيس في الواقع المعيش، دور العمل بكل السبل الفنية والتقنية والتدبيرية لرفع شأن السينما في هذا البلد الأمين والوفاء لما يجمعنا وإياه من قيم نبيلة ومبادئ سامية.
ــ أخي ورفيقي لطيف لحلو شكرا على هذه الأمسية الجميلة، ومزيدا من العطاء والتألق.
( الدار البيضاء ــ في 25 يونيو 2015 )




