الحل يجب أن تجده أوروبا

mehtat rekkasقرار المغرب تعليق علاقاته مع المؤسسات الأوروبية يمتلك مقومات قراءته ضمن تحولات الدبلوماسية المغربية، وهو يندرج ضمن ذات النفس المتسم بالصرامة والحرص على وضوح الرؤى والمواقف والعلاقات، تماما كما حدث من قبل مع فرنسا ثم مع السويد، أي أنه يؤسس لأسلوب جديد لا يقبل أي استسلام أو استفزاز لضربات الآخر.
المنطق الدبلوماسي الجديد يضع قضية الوحدة الترابية للمملكة في عمق إستراتيجيته، ولا يقبل الاستخفاف بالمصالح الوطنية، ولهذا جاء القرار الأخير بمثابة نقطة نظام احتجاجية في وجه الاتحاد الأوروبي.
الجميع يعرف أن لوبيات سياسية موجودة داخل البرلمان الأوروبي تعمل على إضعاف المغرب وتناور ضد وحدته الترابية، والكل يعرف كذلك ما تقوم به الدبلوماسية الجزائرية في هذا الاتجاه وداخل كواليس الأوساط الأوروبية بغاية تكثيف الضغط على المملكة، ولكن المغرب لم يعد بمستطاعه قبول هذا المنطق، حيث إن الاتحاد الأوروبي المرتبط مع المملكة بعلاقة الشريك الاستراتيجي وباتفاقية التبادل الحر والوضع المتقدم، هو نفسه يستمر في الاستهتار بمصالح الرباط وبعلاقات التعاون بين الطرفين.
الملف الأخير، موضوع احتجاج المغرب، لا يمكن أن يقتنع أحد بكونه مسطرة قضائية ومسألة يجب أن تحل على هذا الصعيد في إطار مقتضيات دولة القانون وفصل السلط، وإنما هو في خلفيته وعمقه ومساره يكتسي طبيعة سياسية واضحة.
الاتحاد الأوروبي امتنع عن التنسيق مع الجانب المغربي أو الاستماع إلى وجهة نظره أو الاهتمام بإستراتيجيته الدفاعية، في سياق إعداد الطعن في القرار الابتدائي واختار أسلوبا تقنيا لا يخفي حرصه المصلحي.
أي أن المسطرة الاستعجالية التي اختارها الاتحاد الأوروبي جعلت الطعن لا يركز على الأسس التي بني عليها القرار الابتدائي، ما يفضح انتهازية الأوروبيين في علاقاتهم بثروات وصادرات المغرب نحو الاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة للمحكمة نفسها، فإن سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية وتوقيع الاتفاقيات أمور غير واردة في مقررات مجلس الأمن الذي ينظر في النزاع المفتعل، وكان عليها أن تحيل على هذا المعطى الجوهري باعتبار القضية سياسية وموضوع مسار أممي ترعاه الأمم المتحدة، كما أن اعتبار “البوليساريو” بمثابة الممثل الشرعي والوحيد للصحراويين، يمثل موقفا لا تقتنع به حتى الجبهة الانفصالية نفسها، ودليلا على أن قضاة هذه المحكمة ورطوا أنفسهم في تقديرات سياسية لا علاقة لهم بها، وفي ملف هو أصلا معروض على نظر مجلس الأمن ويجري مسار أممي بشأنه منذ سنوات.
لكل هذا اعتبر المغرب العملية برمتها سياسية، وتكاد تكون استفزازا مباشرا له واستهدافا لوحدته الترابية، وخضوعا من أجهزة الاتحاد لضغوط لوبيات داخل البرلمان الأوروبي، وتوجه بالاحتجاج إلى المؤسسات السياسية.
اليوم يجب أن ننتبه إلى أن أوروبا تشهد عديد تحولات بداخلها، فما تعيشه اليوم ألمانيا مثلا ومواقفها الجديدة تجاه قضايا اللاجئين والمهاجرين، وسعيها لكي لا تبقى فرنسا محتكرة للعلاقات التجارية مع شمال إفريقيا، ثم تغيرات الموقف داخل بعض الدول الإسكندنافية والتوتر الأخير بين المغرب والسويد، وأيضا الضغوط المستمرة منذ سنوات للوبيات المزارعين بإسبانيا وفرنسا وغيرهما، والأوضاع السياسية الداخلية المتقلبة في بعض الدول، كلها عوامل متداخلة تتشابك فيما بينها لتؤسس للسياق الأوروبي الحالي، كما أن المناورات الجزائرية المتواصلة تساهم في استغلال هذا السياق لإنتاج مثل هذا القرار السياسي الأوروبي الأخير.
هذا الوضع يفرض تكريس منطق دبلوماسي جديد يستحضر أن الطرف الأوروبي هو المستفيد الأكبر من اتفاقية التبادل الحر مع المغرب ومن كامل العلاقات الاقتصادية والتجارية معه، كما أن المغرب يعتبر اليوم البلد المستقر في المنطقة والذي يعيش دينامية ديمقراطية وتنموية من مصلحة أوروبا دعمها، بالإضافة إلى كل الجهود التي قدمتها الرباط في السنوات الأخيرة لصالح الاتحاد الأوروبي وعدد من بلدانه، سواء على صعيد التعاون الأمني أو في مكافحة الاٍرهاب أو بخصوص التنسيق في مجالات الهجرة والتهريب والجريمة، وكل هذا يجعل الأوروبيين هم الرابحون من تقوية علاقاتهم مع المغرب، والمتضررون من أي إضعاف لها، أي هم من يجب عليهم اليوم إيجاد مخرج لهذا النفق الذي قاد إليه تعاليهم واستخفافهم بالمصالح المغربية وبقضية المغرب الأولى.