يكاد المتابع لسير تفاعلات ممارستنا الحزبية والسياسية والإعلامية في السنوات الأخيرة، يستنتج أن التوتر والعناد هما سمتا مشهدنا الحزبي والسياسي، ونتج عنهما غياب الثقة بين الفرقاء.لم يكن الوضع على هذه الدرجة الحادة من الإحتدام في أي من مراحل تاريخنا السياسي الحديث، ولم نعد اليوم نتابع سوى تبدل المواقف والتصريحات بين عشية وضحاها، وتحكم الحسابات الصغيرة، وأحيانا بعض المقالب حتى، في المواقف والسيناريوهات المفبركة.ورغم أن الفاعل السياسي مسؤول، منطقا ومبدأ، عن البحث عن حلول ومخارج للمآزق السياسية والمجتمعية والمؤسساتية، فعندنا نتابع كيف يتنافس هؤلاء في وضع المنغلقات والمتاريس أمام الحل، وفِي كل مرة هم يفتعلون لعبة جديدة لإدامة المنغلق و… التوتر.إفتقرنا في الأعوام الأخيرة إلى زعامات سياسية حقيقية، وضعفت الشخصية لدى الكثيرين من حولنا، ولم تعد مهمة المبادئ أو الإلتزام بالمواقف والعهود أو أيضا بإستقلالية الموقف والقرار، ومن ثم إختلت المعادلات، وصرنا نتفرج على معطيات السياسة ووقائعها وبديهياتها تتبدل وتبهت كل ألوانها وتتمرغ على الأرض أمام أنضارنا، وصار الغالب على حقلنا السياسي الوطني هو العبث، والعالم كله يتفرج علينا مشفقا ومتحسرا على مآلاتنا.هذه السياسة العبثية والرديئة، كما باتت تقترف عندنا، صارت تتمدد وتطول ألسنتها متربصة بِنَا وببلادنا، وهي اليوم أنتجت قادتها وأبواقها وسماسرتها وسلوكاتها و”قواعدها”، ووفرت لتفاهاتها مسرحا وحلبة للعرض، كما أنها منهمكة في خلق جمهور خاص بها، وتكرس لديه قابليات تلقي كامل هذه الرداءة، وفِي كل هذا المسار الباعث على البكاء والحزن على ما يلف بلادنا وحقلنا السياسي من تراجعات، لا أحد من هؤلاء الزعماء الجدد، أو الذين شبه لهم أنهم كذلك، فكر أبعد من أنفه، أو هو قادر على ذلك حتى، وهم لا يفكرون سوى في… لعبة جديدة، لا تفلح سوى في ترك كل الأبواب موصدة، والمفاتيح ضائعة، ولكي يبقى التوتر ذاته في الأخير، هو الحل المتوفر في الساحة، ولتعانق بقية الأشياء والإنتظارات والتحديات الجحيم.إن صناع التوتر اليوم في مشهدنا الحزبي والسياسي لا يأبهون اليوم لحجم البون الذي يفصلهم عن بعضهم، وللثقة التي صارت منعدمة بين معظم قادة أحزابنا، ولتفاهة كل ما يقترف أمام أعيننا بين الأحزاب أو ضدها أو بداخلها، أو في حق بلادنا وصورتها العامة، وإنما هم لا يدركون كذلك فشل كل ألاعيبهم المكشوفة في الوصول إلى حل سياسي لما سمي:”البلوكاج”، وبأن هذا الأخير مَس العقلية السياسية ومدارك الفهم وقدرة النظر إلى المستقبل.من جهة ثانية، إن ما فاقم غموض وضعنا السياسي هو انخراط عديد إعلامنا الوطني والممسكين عسفا وعنوة بصفة المحللين السياسيين والخبراء الأكاديميين عبر قنوات التلفزيون وصفحات الجرائد والمواقع الالكترونية في إضافة الجمر بدل إنارة الطريق، وتحول همهم إلى إشعال الحرائق، واختاروا وضع أنفسهم وألسنتهم رهن إشارة صناع الألاعيب الصغيرة، وبات مباحا وغير باعث على أي خجل”التنظير”للرداءة، وإنتاج حفنات من”كلام الكيلو”لتبرير اللعبة الصغيرة والحساب التافه..كثير من هؤلاء لا يبالون بكون الديموقراطية تمتلك قواعد وبديهيات متعارف عليها كونيا، وهم لا يهتمون بكون المغرب يمتلك مسارا ديموقراطيا ومؤسساتيا لا يستحق كل هذه الدرجة الصفر من العقل، وهم كذلك لا يريدون الإنصات إلى الواقع ودروس الآخرين وتجارب الشعوب و…العقل.البلاد تحتاج أولا إلى الهدوء، وإلى الثقة، وإلى إعادة امتلاك عقلها حتى تنظر إلى الأشياء كما هي، وأن تسعى أولا إلى الوصول إلى حل سياسي يحترم مقتضيات الديموقراطية وأسس دستور البلاد وذكاء وإرادة المغاربة..البلاد تحتاج إلى الإنتباه إلى ما يطرح عليها اليوم من تحديات داخلية وخارجية، وطنية وتنموية وديموقراطية وديبلوماسية وإستراتيجية، وأن تدرك محورية البناء الديموقراطي الداخلي والجبهة الوطنية الداخلية القوية في معركة كسب تلك التحديات جميعها…البلاد تحتاج إلى حقل سياسي قوي وجدي ومستقر ويمتلك إستقلاليته وإبداعيته الميدانية والفكرية، وإلى إعلام وطني ناضج ومنفتح وممسك بجديته ووضوحه…البلاد تحتاج لتجديد إلتزامها العام بالديموقراطية، وبقواعد دولة القانون والمؤسسات، وأن تعود إلى الإلتفاف حول العقل…ليبحث الجميع إذن عن حل متفق عليه ينسجم مع المبدأ ومع المنطق، وليفكر الكل بحجم مساحة الوطن، بلا افتعال التوتر أو في كل مرة صنع لعبة جديدة…محتات الرقاصبيان اليوم