عائشة لبلق: مشروع قانون المالية لسنة 2020لا يحمل قيمة مضافة للأداء الحكومي ولا يقدم أجوبة عملية على مظاهر القلق المجتمعي المتزايد
أثناء مداخلة النائبة عائشة لبلق رئيسة المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية
في المناقشة العامة للجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2020
الجلسة العامة ليوم الأربعاء 14 نونير 2020
السيد الرئيس؛
السيد وزير المالية والاقتصاد وإصلاح الادارة؛
السيدات والسادة النواب؛
إن المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، وهي تقارب مشروع قانون المالية لسنة 2020، تستحضر احتفال المغاربة بعيد الاستقلال وبذكرى المسيرة الخضراء، لتستلهم من هاتين الملحمتين الوطنيتين، مسيرة متجددة لاستكمال البناء الديمقراطي لبلادنا، البناء الديمقراطي في بعده السياسي، البناء الديمقراطي في بعده الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإيكولوجي.
السيد الوزير،
في هذا الموعد الدستوري والسياسي الهام، والذي من دون شك، يتابعه الرأي العام الوطني باهتمام بالغ، باعتبار قانون المالية هو الذي يترجم توجهات السياسات العمومية، ومدى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، خصوصا في ظل التقلبات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية منها والإقليمية.
فإننا ورغم تسجيلنا أنَّ مشروع القانون المالي يتضمن بعض الإجراءات والتدابير المقبولة على العموم، نتأسف عن كون بنائه العام، لم يتأسس على أي مدخلٍ سياسي إصلاحي، كما أنه لا يَــنِمُّ عن رؤيةٍ استراتيجية ومِقْدَامَة للحكومة، ويفتقد إلى الهوية الاجتماعية والاقتصادية المُمَــيِّــزَة.
بالإضافة إلى كونه عَجَزَ عن التجاوب مع التطلعات والتحديات التي تحبل بها المرحلة، لا سيما بعد التعديل الحكومي الواسع، الذي كان من المفترض أن يحمل معه قيمة مُضافة للأداء الحكومي، في غياب تصريح سياسي وبرنامجي لرئيسها أمام البرلمان، يحدد المرتكزات والمنطلقات التي تمكن المواطن من الانخراط
والثقة في الحكومة والمؤسسات، وتجعله يستشعر بأن له مكانة محورية في وجدانها وبرامج عملها، ويساهم في ضخ نفس جديد في الحياة الوطنية العامة، ويقدم أجوبة عملية على مظاهر القلق المجتمعي المتزايد، الناتج عن مجموعة من الاختلالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية، التي لم تستطع الحكومة، مع الأسف، تقديم أجوبة مقنعة لمعالجتها.
ونعتبر أن هذا المشروع بعيدٌ تماما على أن يُؤسس لتوجهات جديدة، ولمرحلة جديدة، أو أن يجسد،ولو جزءًا يسيرا من عناصر الجواب على الأسئلة الجوهرية التي تطرحها مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية وعلى رأسها سؤال الثقة المجتمعية والمؤسساتية. وكذا سؤال النمو الاقتصادي، وسؤال خلق فرص الشغل والثروة، وسؤال إعادة توزيعها بشكل عادل مجاليا واجتماعيا.
السيد الوزير المحترم؛
انطلاقا من هذه القناعات التي دفعتنا في وقت سابق إلى الانسحاب الطوعي من هذه الحكومة، فإننا نسجل تنامي الطلب الاجتماعي خاصة في مجال الصحة والتعليم وما يتصل باستمرار عزلة العالم القروي والمناطق النائية، ومطلبها في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية، أمام محدودية أثر الاستثمار العمومي في هذا المجال، بل وفشل آثار الاستراتيجيات القطاعية الحالية والتي تحتاج الى رؤية سياسية جديدة.
فبخصوص مخطط المغرب الأخضر، فقد سجلنا بقلق تراجع مساهمته في الناتج الداخلي الخام من 13% سنة 2017 إلى 2.1% سنة 2019، ونفس الملاحظة نسجلها بخصوص مخطط تسريع التصنيع الذي تراهن عليه الحكومة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي،بحيث لم يحقق، السيد الوزير، الأهداف المتوخاة منه،إذ ظل يراوح مكانه بنسب تتأرجح بين 3.5 و3 %، ويوفر مناسب الشغل إلا في حدود 35.000 في السنوات الأخيرة، في حين تلتحق 200.000 باحث وباحثة عن العمل سنويا بسوق الشغل. كما ان معدل نشاط المغاربة عامة، يبقى الأضعف في محطينا الإقليمي خاصة في صفوف النساء، حيث سجل تراجعا بينا في صفوفهن من 32 إلى 24 %، وهي وضعية تساءلنا بقوة – كل من موقعه.
وفي هذا الصدد السيد الوزير، فإنا ندعو الحكومة إلى التفاعل إيجابا مع خطاب جلالة الملك في افتتاح السنة التشريعية الجارية من خلال دعوة جلالته الحكومة ومؤسسات التمويل الوطنية نحو العمل على الاسهام في توفير فرص الاندماج المهني والاقتصادي، وتيسير الولوج إلى تمويل المشاريع بالنسبة لمختلف الفئات الاجتماعية، ولا سيما منها الشباب الجامعي والعاملين في القطاع غير المنظم، وهو ما يستلزم انخراط فعلي للأبناك وتحمل مسؤوليتها في تحريك العجلة التنموية في البلاد، بحث أنها تبقى خارج مخاطر الظرفية الاقتصادية، وتحقق أرباحا وصلت إلى 11 مليار درهم سنة 2018.
ونعتقد أننا اليوم في حاجة ماسة إلى الثقة والانخراط الجماعي والإرادي في بناء الوطن على أسسٍ إيجابية جديدة، بشكل يجعل كُلَّ مواطنة وكل مواطنٍ يشعر بالانتماء والكرامة والأمان والإنصاف.
بهذه المناسبة أيضا ندعو الحكومة إلى مراجعة وتقييم كل اتفاقيات التبادل الحر التي تربط بلادنا مع بلدان أخرى بما يخدم مصلحة المغرب أولا وأخيرا.
السيد الوزير المحترم؛
إننا في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، لا نتفهم إجرائين تضمنهما مشروع قانون المالية لسنة 2020 والمتعلقين بما أسمتهما الحكومة ب”المساهمة الإبرائية المرتبطة بالتسوية التلقائية لوضعية الممتلكات والموجودات المنشأة بالخارج المملوكة للأشخاص”، وب”التسوية الطوعية للوضعية الجبائية للخاضعين للضريبة”، بالنظر لما ينطويان عليه من تناقض مع ما يستلزمه الوضع الوطني الحالي من إشاراتٍ تُعزز دولة الحق والقانون والممارسات الديموقراطية والاقتصادية السوية، هو أمر لم يعد مقبولا، لأن من شأنه إضفاء الشرعية على نشاطات غير شرعية، ويؤدي حتما إلى تكريس أكثر لثقافة الإفلات من العقاب، وتشجيع المزيد من الممارسات التي تشجع على التملص الضريبي وتهريب الأموال.
وفي السياق ذاته، فإننا نعبر عن تخوفنا من اقدام الحكومة على تفويت عدد من المراكز الاستشفائية الجامعية إلى الصندوق المغربي للتقاعد لتمويل عجز ميزانية الدولة، مما جعلنا نتحفظ على منح الحكومة
الاذن بالتمويل بالاقتراض والتمويل بصيغ تقولون أنها “مبتكرة”، وواقع الحال أنها صيغ من شأنها الإجهاز على ما تبقى من الخدمة الاجتماعية العمومية في بلادنا.
السيد الوزير،
إن قانون المالية الذي نصبو إليه في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، يجب أن ينصب على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ودعم القدرات الشرائية لمختلف الفئات الاجتماعية خاصة الطبقة الوسطى، إذ لا يمكن اختزال متطلباتها فقط فيما قدم إليها في إطار الحوار الاجتماعي، وكذا إعمال دولة الحق والقانون في الإقتصاد، والتأكيد على الدور التأطيري للدولة في توجيه وتقنين الحقل الاقتصادي، ومباشرة الإصلاحات الحقيقية، وتدشين مرحلة جديدة لإعادة الثقة وتحقيق المصالحة، وعقد ميثاق اجتماعي جديد.
لهذا فقد حرصنا في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية على أن تكون تعديلاتنا منسجمة مع هذه القناعات من موقع المعارضة الوطنية التقدمية البناءة والمسؤولة، وانصبت في مجملها على دعم القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وتحقيق العدالة الجبائية، وتقوية النسيج المقاولاتي الوطني وتحفيزه على الاستثمار في المناطق النائية، فضلا عن اقتراح إحداث حساباتٍ مُرصدة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وخلق مِنَحٍ لحاملي الشواهد المعطلين، الذين يوجدون في وضعية البحث عن عمل، وكذا تمويل منظومة التربية والتكوين الذي اقترحنا بشأنه إحداث ضريبة جديدة على الثروة في إطار مبدأ التضامن بين مختلف الفئات.
وكنا نأمل أن تتفاعل الحكومة بشكل إيجابي مع هذا الاقتراح الذي سيحقق مصالحة الفئات الميسورة مع باقي فئات المواطنات والمواطنين الذي يشاهدون يوميا مظاهر ثراء فاحش، في الوقت الذي يئنون فيه تحت وطأة الفقر والفاقة والحاجة لتحقيق أبسط حاجياتهم اليومية.
وفي السياق، فقد اقترحنا أيضا تعديلا جوهريا يهم مراجعة شبكة أشطر الضريبة على الدخل، ومراجعة المبلغ السنوي لتكاليف الأعباء العائلية المخصوم من الدخول الخاضعة للضريبة على الدخل،
والذي ظل جامدا منذ سنة 2008، وجعله مدخلا لتحسين أحوال الأسر، والحفاظ على قدرتها الشرائية، وتخفيف العبء الضريبي المتنامي على الأجراء الذي يتحملون أعباء أسرهم وعائلاتهم، وذلك من منطلق سعينا إلى البحث عن كل الصيغ الممكنة للتخفيف من الضرر الذي لحق هذه الطبقات الاجتماعية.
كما اقترحنا تعديلا ينصب على دعم القدرة الشرائية للمتقاعدين وأراملهم نظير ما قدموه من خدمات للوطن، وحان الوقت لرد الاعتبار لهم نظير ما قدموه من تضحيات، وبالنظر للوضعية الصعبة التي توجد فيها أغلبيتهم اليوم في مرحلة عمرية يحتاجون فيها إلى مزيد من الرعاية، وحماية قدرتهم الشرائية.
كما دعونا السيد الوزير، في إطار الاجتهاد الجماعي، إلى الحرص على إيجاد صيغة متوازنة ومتزنة بخصوص المادة التاسعة من مشروع قانون المالية، والمرتبطة بمنع إمكانية إخضاع أموال وممتلكات الدولة للحجز من أجل تنفيذ الأحكام القضائية، وذلك بما يحفظ الحقوق المشروعة للمواطن ويصون استدامة خدمات المرفق العام، في تقيد تام بمبدأَيْ فصلِ السلط وخضوعِ الجميع لأحكام القضاء.
عموما، سنعود، السيد الوزير، لتعديلاتنا في معرض تقديمها خلال جلسة الغد الخميس.
ختاما، وانطلاقا من مرجعيتنا الثابتة، ومشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي، الذي يدعو إلى احترام حقوق الإنسان في كونيتها، والدفاع عن الحريات الفردية منها والجماعية وعن العدالة الاجتماعية.إننا في المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية نؤكد مجددا أننا ملزمون بعدم هدر المزيد من الزمن السياسي لمباشرة الإصلاحات الضرورية، الاصلاح في ظل الأمن، الإصلاح في ظل الاستقرار ومباشرة التغيير نحو الأفضل، التغيير من داخل المؤسسات وفي احترام تام للدستور.
وشكرا .