رأيك في موضوع لجنة تقصي الحقائق؟ والجذب الذي أثارته؟ وهل يمكن أن تشكل فعلا آلية للرقابة وفضح ممارسات هدر المال العام من قِبل الحكومة؟
من الناحية الدستورية والقانونية
من المؤكد أنَّ لجنة تقصي الحقائق تشكل آلية “قُصوى” لممارسة البرلمان اختصاصه الرقابي، بدليل ندرة الحالات التي تم النجاح في اللجوء إلى هذه الآلية في التاريخ البرلماني المغربي، ولم يتم إعمالها أبداً خلال هذه الولاية بسبب تماهي الأغلبية البرلمانية مع الحكومة بما يجسد تفريطاً مُضِرًّا بتجربتنا الديمقراطية والمؤسساتية في الاختصاصات البرلمانية.
والفصل 67 من الدستور يؤطر هذه الآلية حاليا من خلال التنصيص على إمكانية إحداثها إما بمبادرة من الملك، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، بشرط ألا تكون الوقائع المعنية موضوع متابعات قضائية. ومن المعلوم أن لجان تقصي الحقائق تنتهي أعمالها بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس المعني، وعند الاقتضاء، بإحالته على القضاء من قِبل رئيس هذا المجلس، وتُخصص جلسة عمومية لمناقشة تقارير لجان تقصي الحقائق.
في الوقت نفسه، فالقانون التنظيمي المتعلق بطريقة تسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق يتحدث عن أجل أقصى في حدود ثلاثة أيام ليخبر رئيسُ مجلس النواب رئيسَ الحكومة؛ وأجل 15 يوما ليُجيب رئيسُ الحكومة بشأن ما إذا كانت هناك مسطرة قضائية جارية أم لا بشأن الوقائع المراد التحري البرلماني حولها.
وتجدر الإشارة إلى أنه يتم تشكيل لجنة تقصي الحقائق من قِبل مكتب مجلس النواب، حسب مبدأ التمثيل النسبي، ويتم انتخاب الرئيس والمقرر من قبل أعضاء اللجنة على أن يكون أحدهما من المعارضة. وللجنة كامل الصلاحيات لإجراء التحريات تُجاه جميع الأشخاص المعنيين تحت طائلة العقوبة عند الامتناع. وللجنة أجل ستة 6 أشهر لإيداع تقريرها.
من الناحية الكرونولوجية للمبادرة…. ودلالاتها
في أبريل 2025 أصدر كل من فريق التقدم والاشتراكية والفريق الحركي والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، على مستوى مجلس النواب، بلاغاً صحفيا يعلنون فيه إطلاق مبادرة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي ولقطاع المواشي بصفة عامة، وراسلت كل مكونات مجلس النواب من أجل الانضمام وتوقيع المبادرة… لكن دون جواب ولا جدوى.
والآن، في شهر يونيو 2026، عادت نفس مكونات المعارضة، بالإضافة هذه المرة إلى الفريق الاشتراكي، من أجل إحياء نفس المبادرة، حيث أعلن الفريق الاستقلالي وفريق الأصالة والمعاصرة استعدادهما لتوقيع المبادرة والالتحاق بها، في حين عبر فريق التجمع الوطني للأحرار عن رفضه للمبادرة.
وذلك يدلُّ على إصرار المعارضة وجديتها وعلى تلكُّؤ، ثم تأخُّر جزء من الأغلبية، الذي نَسَفَ وَهْمَ الانسجام الحكومي، في سعيٍ نحو عزل التجمع الوطني للأحرار وتحميله وحده التبعات السياسية لقضية “الفراقشية”.
ليظل السؤال الآن : هل الفترة الزمنية المتبقية من ولاية مجلس النواب الحالي كافية لتشكيل هذه اللجنة لتقصي الحقائق وإظهار نتائجها؟ أعتقد أن الجواب هو لا، والأغلبية يجب أن تتحمل مسؤولية ذلك أمام الرأي العام.
على مستوى الــــــــــــمُطالبات الأساسية
تتوخى هذه المبادرة، في نهاية المطاف، الوصول الشفاف والدقيق إلى الحقائق المرتبطة بمفارقة الدعم العمومي السخي والهائل الذي وجهته الحكومة إلى المستوردين الكبار والمربِّين الكبار، بملايير الدراهم، سواء في شكل دعمٍ مباشر ومعلن، أو في شكل إعفاءات ضريبية وجمركية، منذ أكتوبر 2022… وذلك في مقابل انعدام الأثر، حيث ظل غلاء أسعار اللحوم وأضاحي العيد وندرة الأغنام والأبقار هو السائد.
إذن، هناك أسئلة يتعين الجواب عليها: كم المبالغ الحقيقية التي تم إنفاقها من المال العام بهذا الشأن؟ وما معايير وشروط الاستفادة من أحد أو كل أشكال الدعم؟ وما عدد المستفيدين؟ ومن هُم؟ وما آليات حكامة الاستفادة وشروطها وتحملاتها؟ وما الآليات التي وضعتها الحكومة لضمان تحقيق أثر الدعم؟ وما مدى تقيُّد الحكومة بالمقتضيات القانونية في صرف هذا الدعم وإقرار هذه الامتيازات الجبائية؟ وما أسباب عدم انعكاس الدعم إيجاباً على وفرة القطيع الوطني من الماشية وعلى أسعار اللحوم؟
في الخلاصات
إنها، وغيرها، أسئلة مشروعة، تتطلب فعلاً التحري، وتستحق تشكيل لجنة لتقصي الحقائق… وإذا كانت الحكومة وفرق أغلبيتها مُوقِنين بأن الأمور مرت سليمة فلماذا لا يثقون في المؤسسات ويساندون تشكيل اللجنة من أجل تبرئة الذمة سياسيا وشعبيا، علماً أن البرلمان هو الفضاء المؤسساتي الملائم لذلك؟ خاصة ونحن نعلم أن الموضوع لم يكن مجالاً لتضارُب الأرقام والمعطيات والتفسيرات فقط بين الأغلبية والمعارضة، ولكن أيضاً بين مكونات الأغلبية نفسها؛
وعلى العموم، سيظل هذا الموضوع عنوانا رمزيا بارزًا لعهد هذه الحكومة التي بصمت على سلوكٍ غير مسبوق من تضارب المصالح، فالرأي العام صار اليوم يستلهم مصطلح “الفراقشية” للإشارة رمزيا إلى كافة أشكال الفساد.
